في الرابع من ديسمبر عام 1830، غادرت الفرقاطة «ثيتيس» ميناء ريو دي جانيرو في البرازيل متجهة الى انجلترا، وكانت هذه السفينة تقل في عنابرها ثروة من سبائك الذهب والفضة وقطع نقدية تصل قيمتها الى 800 ألف دولار. وبسبب الرياح الخفيفة والضباب مرّ يوم كامل ولم تكن «ثيتيس» قد عبرت بعد شبه جزيرة كيب فريو على بعد 120 كيلومتراً شرقي ريو. ولتعويض هذا التأخير كان على السفينة ان تتم عبور هذا الجزء الغادر من الساحل ليلاً، ولذلك سلك القبطان طريقاً يبعده عن الرأس البحري. وفي الساعة الثامنة مساء تغير فريق المناوبة وعلى الفور صرخ حارس المراقبة: «صخور تحت مقدمة السفينة» وبعد ذلك مباشرة صاح بصوت مذعور: «صخور فوق مستوى أعلى الصاري»! كانت تلك جروف جزيرة كيب فريو وهي نقطة برية غير مأهولة قبالة نهاية شبه الجزيرة لقد أخطأت ابرة البوصلة اما بسبب عطل فني او لان مغناطيسية الصخور المحلية ضللتها وارتطمت السفينة المبحرة بسرعة كبيرة بالصخور فتحطمت الصواري وسقطت، فقتلت وجرحت بعض افراد طاقم الملاحة. كانت السماء جهمة والامطار غزيرة لكن السفينة كانت لاتزال طافية حاول طاقمها ابعادها عن الصخور لكن السفينة تأرجحت وارتطمت مجددا بالجروف الصخرية وهنا بدأ الماء يتسرب الى داخلها وكانت جميع قوارب النجاة قد تحطمت متناثرة الى اشلاء في غمار الاصطدام بعض الرجال قفزوا الى الماء ليصلوا الى سلسلة صخور قريبة نجا منهم حوالي اربعين في حين سحق البقية بين بدن السفينة والصخور لكن السفينة لم تكن قد غرقت بعد وقد جرفتها الامواج المتلاطمة على طول الساحل الى ان دخلت في ثلم في الجروف الصخرية وراحت ترتطم مرارا وتكرارا الى ان غرقت والامر الذي لا يصدق ان 28 رجلا فقط من الرجال الـ 300 الذين كانوا على متن السفينة لقوا حتفهم في الكارثة فالبحارة الذين وثبوا اولا ونجوا بارواحهم تزودوا بحبال وانقذوا الناجين لاحقا وعندما وصل النبأ الى ريو دي جانيرو بعد خمسة ايام ارسل الاسطول سفنا لانتشال الرجال اما بالنسبة للكنوز فقد كان على تجار ريو ان ينسوا امرها. لكن القبطان ديكنسون ربان سفينة «اتش ام اس لايتنينغ» لم يرضخ للأمر الواقع بهذه البساطة وكان مقتنعا انه سينال نصيبا كبيرا من الشهرة والمال لو قدر له ان انتشال حمولة السفينة خطط لعملية الانتشال بادق التفاصيل. وتلخصت فكرته في مد حبال عبر الخليج الصغير الذي غرقت فيه السفينة والذي اصبح يعرف باسم خليج «ثيتيس» وتعليق حجرة غوص فوق الحطام حيث يستطيع الباحثون البحث عن الكنوز الغارقة دون تعريض انفسهم للخطر. حجرة الغوص البدائية كانت عبارة عن وعاء ضخم مفتوح فقط من الاسفل ويصله الهواء المضغوط بواسطة خرطوم ممدود من الاعلى ولعدم توفر مثل هذه التجهيزات في البرازيل استعان ديكنسون بمهندس انجليزي وافق على مساعدته في تصنيع جهاز غوص مقابلة حصوله على نسبة من عائدات العملية. وصلت سفينة القبطان ديكنسون الى جزيرة كيب فريو في 30 يناير عام 1831 وكان عليه اولا ان يجد مقرا لاقامة رجاله وقام هؤلاء ببناء قرية من الاكواخ الخشبية على الشاطيء الرملي في الجانب الاخر من الجزيرة حيث عاشوا هناك لاكثر من عام. وعلى الرغم من الرمال البيضاء وغزارة الازهار المتألقة، سرعان ما اكتشف الرجل أن الجزيرة ليست فردوسا استوائية. فعندما كانوا يعودون الى قريتهم ليلا، كانوا يأوون الى فراشهم المشبع بمياه الامطار المتسربة في شقوق الاكواخ الامر الذي جعلهم يصابون بالزكام والسعال والروماتيزم. ناهيك عن معاناتهم من شرور الحشرات والافاعي. شرع النجارون في العمل على بناء الرافعة التي ستنتشل الكنوز من تحت الماء. وفي شهر مارس لم تكن الرافعة قد اكتملت بعد لكن ديكنسون لم يستطع الانتظار اكثر من ذلك فأرسل رجاله الغواصين الى الماء وخرجوا له بأكواب مليئة بالدولارات وبعض الذهب الذي اثلج فؤاده. وبعد استكمال بناء وتركيب الرافعة في شهر مايو بدأ الفريق باستخراج القطع النقدية والذهب كلما كانت الظروف الجوية مواتية وبحلول منتصف الشهر، كان الغواصون قد انتشلوا حوالي 124 الف دولار. ولم يعلموا حينها انهم على موعد مع كارثة مريعة بعد اسبوع واحد حيث هبت عاصفة هوجاء ارسلت امواجا بارتفاع 30 مترا الى حافة المنحدر الصخري وحطمت الرافعة وحجرة الغوص واغرقت اثنين من الرجال. لكن ذلك لم يثن عزيمة ديكنسون الذي بنى جهازي غوص اخرين وعاد الى خطته الاصيلة بالعمل انطلاقا من حبل مثبت فوق الخليج الصغير. الا ان العمل بهذه الطريقة لم يكن فعالا كما من قبل وحصلت الاوامر في ريو دي جانيرو برجوع ديكنسون بعد ان جمع مع رجاله 588 الف دولار. وارسلت امارة البحرية محله القبطان دي روس الذي جلب في عمليته 161 الف دولار. عملية الانتشال في مجملها كانت عملا ناجحاً باهرا، حيث استخرجت معظم محتويات السفينة الثمينة بما في ذلك المدافع والاعيرة النارية والتجهيزات النحاسية والحديدية. لكن ديكنسون لم يحصل على الشهرة والمال الذين كان يحلم بهما. فقد حددت محكمة البحرية مكافأة عملية الانقاذ بـ 29 الف دولار، كان نصيب ديكنسون منها الربع وبعد ذلك طلبت منه المحكمة تسديد فاتورة بتكاليف اطعام واجور رجال البحرية الذين شاركوا معه في العملية وتكاليف اصلاح الاضرار التي لحقت بسفينة خلال العام الذي امضته على شواطئ الجزيرة. كانت قيمة الفاتورة المستحقة 130 ألفا و800 دولار اي ضعفي نصيب ديكنسون من المكافأة. علي محمد