حلوان مدينة الطبيعة والخيال. باكورة السحر والجمال اختصها الله بجو بديع. وطبيعة خلابة قادرة على جذب السائحين.. ورغم أن الأقدار ألمت بها والزمان غدر بها.. بصدور القرار الصعب بتحويلها إلى منطقة صناعية.. إلا أنها احتضنت معالم أثرية.. فريدة من نوعها.. يشتاق الناس لزيارتها للتمتع بجمالها ودقة إبداعها والإستفادة من تاريخها. والتزود بعلم جديد يرمز لحضارة شعب. وثقافة فنان تتجلى في متحف الشمع تتميز به. ليس على مستوى مصر فقط.. بل على مستوى الشرق الأوسط ألا وهو.. متحف الشمع الذي أنشأه الفنان المصري فؤاد عبد الملك عام 1934 في محاولة لتجسيد الاحداث التاريخية المصرية وإبراز أهميتها على المستويين العربي والعالمي. يقول المهندس أحمد زغلول مدير المتحف أن هذا المتحف يعد متحفا تاريخيا تعليميا لأنه يحكي تاريخ مصر في شكل مجسم من خلال تماثيل ولوحات خلفية تجعل له قدرة سياحية هائلة إلى جانب الاستفادة العلمية حيث أن طلبة المدارس والجامعات يجرون أبحاثا على تماثيله كما أنه يعطي فكرة تثقيفية بسيطة للمواطنين «قليلي» الثقافة عن التاريخ المصري والشخصيات المصرية الهامة ويعد هذا المتحف رابع متحف على مستوى العالم إضافة إلى متاحف فرنسا وإنجلترا وإستراليا والثاني على مستوى العالم أيضا من حيث الشهرة وقد تم نقل المتحف ثلاث مرات من التحرير إلى شارع القصر العيني ثم إلى منطقة الواحة وأخيرا في موقعه الحالي على مسافة مئة متر من محطة مترو عين حلوان ويضم 116 تمثالا و26 منظرا يحكون تاريخ مصر بدءا من الأسرة 18 الفرعونية حتى ثورة 23 يوليو. ويضيف زغلول بأن تماثيل هذا المتحف مصنوعة من مادة الشمع التي تعطي إنطباعا أقرب إلى ملامح الإنسان الطبيعية فعندما تنظر إلى التمثال يخيل إليك أنك تقف أمام إنسان حقيقي نظرا لتشابه الملامح عكس المواد الأخرى التي تعكس طبيعتها كما أن المادة الشمعية معالجة كيميائيا بحيث لا تتأثر بدرجة الحرارة كما يدخل في صناعة هذه التماثيل خامات أخرى مثل الحديد والزجاج لكن بنسبة بسيطة. تجسيد التاريخ المصري ويعرض لنا مدير المتحف أول هذه المناظر حيث يظهر لنا تمثال الملك إمنحوتب الرابع أو إخناتون أو راعي الشمس المخلص لأتون وبجواره نجد تمثالا لزوجته الملكة نفرتيتي صاحبة أجمل رأس وأجمل عيون حيث كانت القوة الكامنة لإدارة البلاد وذلك في المعبد الذي تم انشاؤه بتل العمارنة وبجوارهم تماثيل للوصيفات الخاصات بالملكة وأمامهم تمثال للفرعون الطفل «توت عنخ آمون» أصغر ملك حكم مصر حيث كان في التاسعة من عمره ومن أشهر ملوك الفراعنة وتوفي وعمره 18 عاما حيث قتل على يد الكهنة وقد تم اكتشاف مقبرته 1922 على يد العالم الإنجليزي « هورد كارتر « وتضم ما يقرب من 5000 قطعة أثرية معظمها من الذهب» وفي يسار اللوحة يوجد تمثال لقائد الجيش «حور محب» الذي نصب نفسه ملكا وتزوج من الأميرة «موت نجمت» ولا ننسى أن رأس اخناتون فوقها التاج الالهي رمز المملكة وفي يده اليمنى مفتاح فرعون الذي يرمز إلى القوة والسيطرة وفي يده اليسرى الصولجان ويرمز إلى الخير والنماء وعلى جدران المعبد نجد مفتاح النيل أو مفتاح الحياة والمنظر كله صورة مصغرة من معبد «أتون» لعبادة الشمس. المنظر الثاني هو مصرع الملكة كليوباترا التي حكمت مصر وعمرها 16 عاما بوصيه من والدها الملك «بطليموس الثالث عشر» وتزوجت من الملك «مارك أنطونيو» الذي ذهب لمحاربة صديقه «أكتافيوس» في معركة « أكتيوم» البحرية وهزم وتم أسره وعندما عرفت كليوباترا خبر وفاته خافت أن ترسل أسيرة إلى روما فطلبت من الخادمة الحبشية احضار الثعبان «اجيت» رمز الخلود لكي تنتحر بواسطته وفي أقصى يمين المنظر نجد كبير الكهنة يحاول علاجها لكنه فشل وفي يسار المنظر نجد الوصيفة المختصة بزينة « كليوباترا » وهي تعزف لها لحن الحزن على وفاتها وبوفاة هذه الملكة ينتهي عصر البطالمة في مصر. ويصف المنظر الثالث لنا المذبحة البشعة التي إرتكبها جنود الاحتلال الإنجليزي عام 1906 في قرية دنشواي حيث اعدموا شنقا اربعمئة من أهل القرية أمام أقاربهم بسبب اعتقادهم أنهم السبب في موت جندي انجليزي لقي مصرعه بضربة شمس. أما اللوحة الرابعة يظهر فيها الناصر صلاح الدين الأيوبي وهو يعالج «ريتشارد قلب الأسد» بعد أن تم أسره في معركة حطين الشهيرة وعودة بيت المقدس إلى العرب ويثبت له أن العرب يحبون السلام. اللوحة الخامسة تعرض لنا مقتل «كليبر » قائد الحملة الفرنسية 1798 على مصر بعد هروب نابليون حيث دخل الأزهر بالخيول وقام بتعذيب الطلبة فتصدى له الطالب السوري « سليمان الحلبي» وقتله في حديقة قصره. أما سادس المناظر يعرض لنا الريف المصري والفلاح يروي أرضه بالشادوف وفي الخلف نجد تمثالا لزوجته وهي تحمل له المياه والطعام. وتبين اللوحة السابعة لنا نظام الحكم في القرية حيث يقوم «العمدة» بحل جميع المشاكل ونرى العمدة يجلس على الكنبة وأمامه اثنان من الفلاحين يعرضان مشكلتهما وفي خلف اللوحة تمثال للخادمة التي تعمل في دوار العمدة وأخرى لفلاحة تتقدم إلى العمدة بمظلمة. اللوحة الثامنة تصف لنا نظام التعليم في القرية من خلال الكتاب حيث ترى الشيخ يجلس على دكة مستطيلة يعلم الصغار القرآن وهم يجلسون على الأرض وبجوارهم تمثال لمساعد الشيخ ومن أشهر من تعلم في الكتاب الدكتور طه حسين عميد الأدب العربي وسيدة الغناء العربي «أم كلثوم». في المنظر التاسع نشاهد العروس في ليلة الحنا وهي ترتدي الفستان الابيض وحولها لفيف من الحريم المنشدة والعازفة والراقصة والفرقة الموسيقية. اللوحة العاشرة تعرض لنا مشهدا رائعا للزعيم الراحل جمال عبد الناصر قائد ثورة يوليو وحوله تماثيل لكل طوائف الشعب التي تؤيده وتهتف بحياته. وفي المنظر الحادي عشر ترى مشهدا جميلا للحياة الريفية فتجد فلاحة تخبز العيش في الفرن وجارتها تساعدها وابنتها تتعلم صناعة الخبز كما نرى زير المياه ومشنة العيش «والزلعة» لحفظ الجبن القديم. ويصف لنا أيمن الفرماوي أمين المتحف من خلال اللوحة الثانية عشرة نظام الزواج في العصر التركي حيث تجد في هذه اللوحة الوسيط «الخاطبة» تجلس في المنتصف بين أم العروس وأم العريس وكان يطلق عليه الأغا وكان يقطع لسانه حتى لا يبوح بأسرار الأسرة وتسمى هذه الحجرة الحرملك أما الحجرة المجاورة فتقف العروس تستمع إلى هذه الإتفاق دون أن تجلس معهم. ويضيف بأن اللوحة الثالثة عشر تصف لنا شارعا من أشهر شوارع مصر «شارع الخيمية» وسمى بهذا الاسم نظرا لأن أهله يقومون بصناعة الخيام وترجع شهرته إلى أن أهله كانوا يقومون بصناعة كسوة الكعبة المشرفة وكانت آخر كسوة من مصر وإلى السعودية 1963 وكانت تخرج على هيئة «محمل» وهذا الشارع يوجد في حي الغورية أمام بوابة المتولي. أما اللوحة الرابعة عشر تعرض لنا القهوة البلدي حيث كان يجلس عليها « الراوي» وعازف الربابة لتسلية الزبائن بترديد المواويل القديمة مثل عنترة بن شداد وأبو زيد الهلال سلامة. اللوحة الخامسة عشر تصف لنا ليالي رمضان عندما حضر المعز لدين الله الفاطمي ليلا إلى مصر وكانت الدنيا مظلمة وخرج الأهالي لإستقباله يحملون في أيديهم فوانيس صنعوها لإنارة الطريق له. اللوحة السادسة عشر تتجول بنا في الحي الشعبي القديم حيث نجد بعض الشخصيات الشعبية الشهيرة مثل بائع الحلوى الذي كان يسمى قديما «نبوت الغفير» وبجواره القرد وخلفهم تمثال لتاجر العطارة وبجواره شيخ الحارة وأمامهم سيدة مصرية ترتدي الملاية اللف والسقا الذي يحمل المياه إلى المنازل وإذا نظرنا لأعلى اللوحة نجد المشربية وهي لشباك يطل على الشارع وبها لوح يوضع عليه القلل أو أواني الماء ومن هنا سميت المشربية. رحلة ترفيهية وتثقيفية ويؤكد الفرماوى على صيانة هذه التماثيل واللوحات بشكل مستمر وتغيير ملابسها وتحريك الإضاءة بالمتحف وتكييفه وتتمثل الفئات التي تزور هذا المتحف في السائحين العرب والأجانب والمواطنين المصريين إضافة إلى طلبة المدارس والجامعات الذي يركزون على الناحية العلمية من حيث دراسة تاريخ وصناعة هذه التماثيل وإجراء الأبحاث والدراسات عليها كما يوجد مرشدون تابعون للمتحف لتوضيح وشرح أي معلومة تخص المتحف وتماثيله فهي رحلة من بدايتها إلى نهايتها ترفيهية تثقيفية. وعن الطرائف والصعوبات التي صادفته من خلال عمله في هذا المتحف يحكي لنا عن رحلة مدرسية بعد أن انهت زيارتها للمتحف لم يجدوا أعضاء الرحلة أحد تلاميذها وبالبحث عنه وجدوه واقفا بجوار أحد التماثيل ولم ينتبه إليه أحد نظرا لتقارب الملامح بينه وبين التمثال خاصة أنه إرتدى زيا يشبه زي التمثال والذي كشفه هو أن هذه اللوحة تحتوي على ثلاثة تماثيل رجلان وسيدة وبالنظر إليهم وجدوهم قد زادوا تمثالاً وعند لمس التلميذ أخذ يضحك بصوت عال والغريب أن هذا الولد عاد مرة أخرى بصحبة والديه وتكرر هذا الموقف وبسؤال والديه أجابوا بأنه يهوى التقليد ويعشق مثل هذه الآثار. أما المواقف الصعبة يروى لنا الفرماوي بأنه أحيانا وبسبب الأمطار قد ينقطع التيار الكهربائي عن المتحف وقد لا يتواجد كهربائي فنقوم نحن الموظفين بإصلاحه وسط صراخ وعويل الزوار خاصة الأطفال والسيدات خوفا من الظلام لأن ممرات المتحف ضيقة والضوء يعتبر ضعيفا جدا. وعن اختيار الشخصيات التي يتم تصميم تماثيل لها يكون ذلك على أساس دور هذه الشخصية واهميتها في خدمة المجتمع في أي مجال من مجالات الحياة.