من المسئول عما يصيب المجتمع من امراض، المستشفيات، الحكومة، ام الاسر المعدمة والتي تعاني شظف العيش، وقوانين لا تهتم بها، وهروبا من انواع شتى ليس اخرها حرب الايدز. وحرب الايدز تأخذنا لقضية غريبة تقاضي فيها فتاة سودانية جمهورية السودان عن اهمالها في العلاج مما تسبب باصابتها بالايدز عن طريق اعطائها دما غير مفحوص، وللوقوف على قصتها ذهبنا لمدينتها. ومدينة الازهري تبعد عن وسط العاصمة الخرطوم حوالي «15» كيلومتراً جنوباً يسكنها الذين طحنتهم الظروف الاقتصادية في أقاليم السودان المختلفة من السود والبيض واخرين لا لون لهم، اتجهنا شرقا نشق عددا من المنازل المشيدة من الجص «الطين الاخضر» وبقايا السيارات القديمة واخرى بنايات لمنازل قطعاً لا يملكها من يسكنها الان لانها من الطوب الاحمر والاسمنت لكنها لم تكتمل بعد. توقفنا امام منزل صغير يتشكل من غرفة ومطبخ فقط، صوت طفلة صغيرة يأتينا من الداخل وهي تردد مقطع من اغنية شعبية معروفة في السودان «حاجة كولن كولن.. حاجة جيبي بنيه» بايقاع منتظم شدني ذلك الصوت الذي يوحي بموهبة سودانية قادمة.. خليط من مشاعر الخوف والاشفاق.. الظلم الارادة الالهية.. المصير المجهول والحاضر واليأس انتابني لحظة ان دفعت يدي لاطرق الباب الذي سألتقي خلفه مريضة الايدز عائشة ابراهيم لتحكي لنا كيف ان هذا الانسان لا يعلم ماذا ستفعل به الاقدار. طرقة خفيفة وواحدة كانت كافية لينقطع صوت غناء الصغيرة وينفتح الباب لتظهر طفلة بريئة ذات عيون سماوية نحيفة تحمل في يدها اليمنى «مكنسة» سألتها عن اسمها اجابت «احسان» وبعد سؤال اخر عماذا تفعل بالمكنسة ردت قائلة «اقش الحوش» اي انظف فناء المنزل وزادت احسان أمي عيانة».. في هذه اللحظة جاء والدها العاقب صمد النبل كنت قد التقيته من قبل في مكتب الاستاذة عزيزة عصمت المحامي دخلت برفقته الى جوف المنزل، الذي تحدث لنا قائلاً: انا من مدينة المناقل اعمل سائقا تزوجت وانا عمري لا يزيد على العشرين عاما بكثير من عائشة ابراهيم استمر زواجنا حتى الان اكثر من سبعة عشر عاما انجبنا خلالها سبعة اطفال اكبرهم ولد يبلغ عمره ستة عشر عاما واصغرهم ولد ايضا اسميناه مهند لم نكن نظنه الاخير يبلغ عمره عامين قصتنا مع مرض الايدز بدأت منذ شهور معدودة قبلها كنا نسمع به كغيرنا من الناس ولا نهتم لاننا ولله الحمد اسرة مستقرة ومحافظة تحب بعضها بعضاً.. قال ذلك ثم ذهب ببصره بعيدا كأنه يحاول ان يلتقط بقايا صورة جميلة لحياة تهشمت وتبعثرت على الرمال «لحظات زواجه من عائشة التي اثبت عمليا كم هو يحبها فألفها حين عافها الناس وحملها حين رموها ووقف معها حين تخلى حتى الاشقاء والاهل والجيران.. بعد تنهيدة خجولة عاد الى الحديث قائلا بعد الوضع بمهند بستة اشهر تقريباً بدأت عائشة تعاني من آلام في المرارة ذهبنا بها لمستشفى المناقل ومن هناك تم تحويلنا الى مستشفى ودمدني امضت داخل المستشفى قرابة الشهر قال الاطباء الذين يشرفون على حالتها انها تعاني من التهاب حاد في المرارة تحتاج لعملية لكنها قبل ذلك هي في حاجة ماسة لعملية نقل دم لانها مصابة بفقر دم ويبلغ دمها 50% فقط. الكارثة المرعبة ويستمر شاردا في قصة اصابة زوجته بالفيروس القاتل المسبب لمرض فقدان المناعة المكتسبة HIV بقوله بشكل طبيعي استدعينا عدداً من اقربائنا من بينهم شقيقها للتبرع بالدم المقدر حسب الاطباء بزجاجتين وفعلوا وفي بنك الدم بمستشفى ودمدني عادة ما يتم استبدال الدم الجديد بآخر قديم يكون موجوداً لديهم وفعلوها وما كنا نظن ان ذلك الدم الذي يحقن في شرايينها هو سم قاتل سيجر علينا كل هذا الوبال الذي نعاني منه الان حيث نفانا الناس وتخلى عنا اهلنا وفقد اطفالنا الاستقرار وحرمنا من طعم الحياة وبدأنا مسلسل المعاناة. بداية المعاناة تصفها الزوجة عندما اختلفت هي وزوجها حول تقدير عمرها قال زوجها انها تبلغ من العمر «29» عاما لانه عندما تزوجها لا يتعدى عمرها الاثني عشر عاما بينما اصرت هي على ان عمرها يبلغ الاثنين وثلاثين عاما دخلت علينا عائشة ابراهيم ترتدي ثوباً سودانياً بلون احمر تحمل بقايا جمال اقل لكنه يكابد في البقاء فلا تستطيع ان تصفها حتى الان بغير كلمة «جميلة» نحيلة ذات لون «قمحي» كما يحلو للسودانيين ان يصفوا من يميل لونه للبياض. استهلت الحديث بسؤال زوجها عماذا قال لنا فأعطاها ملخصاً لتكمل هي فأدهشتني بثقافتها الواسعة حول مرض الايدز وكيفية التعامل معه فقالت كنت اسمع كثيرا عن مرض الايدز من خلال الاجهزة الاعلامية لكني لم اكن اهتم به كثيرا إلا في حدود الى ان قدر الله ان اكون حاملة لهذا المرض دون ذنب جنيته ولم اكن اتوقع ان اصاب به، بدأت مأساتي عندما اصابتني الام حادة في البطن شخصها الاطباء في مستشفى ودمدني بالتهاب المرارة. واضافت: وقرروا اجراء عملية تسبقها عملية نقل دم لاني كنت اعاني من نقص في الدم وتمت عملية نقل الدم بعدها بفترة ليست بالطويلة بدأت تظهر اعراض جديدة لم تكن موجودة مثل تكرار الملاريا بشكل مزعج مصحوبة بالتايفوئيد وكذلك تكرار حالات الاسهال والاجهاد سارعت اختى الى احضاري للخرطوم واجرينا على يد عدد من الاطباء فحوصات عديدة الى ان سألني احدهم ان كنت قد اجريت عملية نقل دم فكانت اجابتي بنعم عندها قال لي هناك فحص اخير سنجريه وحولنا الى المعمل القومي «استاك» بعد سبعة ايام حمل زوجي النتيجة وذهب بها للطبيب الذي اخبره بأني مصابة بمرض الايدز وحوله لطبيب اخر وذلك اخبرني بشكل مفاجيء اني مصابة بالايدز عندها انهارت قواي وسقطت مغشياً علي واصبت بشلل مؤقت لفترة من الزمن لم اكن اتوقع ان اصاب بهذا المرض بالذات حتى عندما رفض زوجي ان يخبرني عن النتيجة رجحت اني مصابة بمرض السرطان. حبس الانفاس وتستطرد عائشة في حديثها قائلة كانت لحظة حبس الانفاس عندما اتهم الطبيب زوجي ودخل معه في مشادة وامر باخضاعه هو وطفلي الصغير مهند للفحص حتى ظهرت النتيجة بأنهم لا يحملون الفيروس واخضعوا للفحص اربع مرات فكانت النتيجة هي ذاتها عندما تأكد للجميع اني ضحية مستشفى ودمدني وتوالي عائشة في شكل مرتب سرد مأساتها قائلة عندما بدأت معاناتي فقد زوجي عمله كي يرعى الاطفال وفسخ خطيب اختي الخطوبة بسبب اصابتي والمعاناة الاكبر هي ثمن العلاج البالغ في الشهر الواحد مليون وثلاثمئة وتسع وعشرون الف جنيه شهرياً وهو مبلغ لا قبل لنا به. وبالطبع ترتب على ذلك فقدان المأوى ونسي الاطفال طعم ولون اللبن وازدادت الحالة المعاشية ترديا فصاروا يأكلون وجبتين او اقل في اليوم وتقوم الأم بمحاولات مع الصغار حتى لا يتعلقوا بها لانها تدرك انها ذاهبة الى غير رجعة. وتنتقل عائشة للاسباب التي دفعتها الى التفكير في مقاضاة جمهورية السودان وطرقت كل الابواب لمساعدتها في العلاج تقول: لقد اعطاني ديوان الزكاة، أعطاني مليون جنيه ووزير الصحة تبرع لي بخمسمئة الف جنيه لم اصرفها حتى الان رغم ان التصديق بهذا المبلغ كان في شهر رمضان الماضي واخر مرة ذهبت لاصرفها طردني مسئول الحسابات بالوزارة وقائلا: اذهبي لديوان الزكاة، ولهذا اريد ان اخذ حقي بالقانون. وتضيف: ان لدي وثائق وشهادات تثبت ان الدم الذي حقنت به في مستشفى ودمدني كان غير مفحوص ولدي ما يثبت اني حتى دخول المستشفى لم اكن مصابة بهذا المرض حيث ان زوجي غير حامل للفيروس وطفلي الصغير ايضا. وتبقى عائشة واحدة من قضايا كثيرة تنتظر حلولا جذرية وليست وقفية، تضيف للسودان عبئا اكبر من الاعباء التي ينوء بها مجتمعه.