يعتبر التغيير الاجتماعي من اصعب انواع التغيير وابطأها ولكنه اشد التغييرات صلابة ودواما، ومن هنا تأتي خطورته خصوصا اذا بدأت قافلة المجتمع، بالتحول الى صيغ اجتماعية غير مرغوب فيها، اما من حيث التغييرات الايجابية فانها تعد الاشد قوة والاكثر دواما. وصعوبة التغييرات هذه تتأتى من كونها تتعامل مع العقل والقيم الاجتماعية التي لها طبيعتها وميادينها واساليب التعامل معها. والتغيير الهادف هو تجديد واصلاح وتكييف الامور كي تتوافق مع المتغيرات والمستجدات بما يحفظ لها مرجعيتها ويحقق مقاصدها، كما ان اهداف التغيير من حيث وضوحها وملاءمتها وترتيب اولوياتها من المتطلبات الاساسية لاحداث التغيير بصورة ايجابية فالاهداف تتضمن ابعاد ومعاني ومضامين التغيير المطلوب واحداثه. ويحتاج اي تغيير اجتماعي ايضا الى الفاعلين بمعنى من يقوم باحداث التغيير ومن هو الذي يقود عملية التغيير المرغوب فيه اذ يجب ان يتحرر هذا الانسان من ذاته ونزاعاته اولا، والذي يقود التغيير يجب ان يكون قدوة للاخرين مؤمنا بالتغيير قولا وعملا ومعتزا بما يدعو اليه، مؤهلا لذلك، ومضحيا من اجله وبذلك يكون قدوة للاخرين ويتبعونه قدوة والتزاما. يأتي هذا الحديث في سياقات التغييرات التي بدأت تحدث في معظم المجتمعات العربية ومنها المجتمع الاردني من حيث مفهوم الزواج والقدرة عليه وتوافر مبرراته في مقابل الاعباء التي يرتبها الزواج على الراغبين. واذا كنا قد بدأنا نلاحظ هذه التغييرات من حيث نكوص فكرة الزواج او على الاقل الزواج في العمر المناسب لدى مجموعة فإننا في المقابل من ذلك بتنا نشاهد تغييرات اجتماعية تتحدث عن بدء التحرك لقبول فكرة تعدد الزوجات، وذلك ضمن مناقشات اجتماعية وثقافية افرزها الواقع الذي يتحدث عن نسبة عنوسة كبيرة في مقابل شباب لا يريدون الزواج في سن مقبول. ومن مظاهر هذه المناقشات الحديث عن الزوجة وهل الفضل بالفعل في ان يكون لزوجها عشيقة بدل «الضرة» وما يعنيه ذلك من امكانية لنقل الامراض الجنسية للزوجة بالاضافة الى التفكك الاجتماعي وما الى ذلك من مظاهر مخيفة. اضافة الى بروز فكرة تعدد الزوجات فقد بدأ المجتمع العربي الاسلامي يستدعي بعض المفاهيم لم تكن في السابق عاملة فيه مثل زواج المسيار الذي يعرف بأنه زواج شرعي ينعقد بعقد شرعي كما هو الحال في الزواج العادي المتعارف عليه غير ان الخاطبين بطريقة زواج المسيار يتراضيا فيما بينهما على عدم الانفاق على الزوجة وتوفير مسكن لها لعدم كفايته المادية. وهو نوع من الالتفاف على واقع الحال الصعب الذي يعيشه البعض، واضافة الى هذا الاسلوب من الزواج هناك الزواج العادي الذي بدأت تقوم عليه بعض مؤسسات المجتمع المدني ومنها في الاردن جمعية العفاف الخيرية التي استطاعت بالفعل احداث تغييرات مهمة في الجسم الاردني الاجتماعي الذي كان قبل ما يقارب العقد من الزمان يعتبر حفلات الزفاف الجماعية مظهرا يدعو الى الخجل، لا تجد الكثير ممن يمكن ان يؤيدوه عمليا على الأقل. الحفلات الجماعية جاءت فكرة هذه الحفلات الجماعية كرد فعل طبيعي لما يعانيه الشباب الاردني من حاجة وقلة ذات اليد ادت في نهاية الامر الى اعراضهم عن الزواج برمته، مما افسح المجال واسعا امام مجموعة من المظاهر الاجتماعية التي أعرب المختصون والاجتماعيون عن خشيتهم من تأثيراتها الواسعة على المجتمع خصوصا اذا ما زادت واتسعت. وكانت الجمعية قد نظمت حفل الزفاف الجماعي في التاسع عشر من شهر يوليو الحالي، وهو الحفل التاسع الذي تنظمه الجمعية لـ 474 عريسا وعروسا، وقد سن القائمون على الجمعية هذه السنة منذ بداية العام 1995 عندما نظمت اول حفل زفاف جماعي في تاريخ الاردن بمشاركة اربعة ازواج اردنيين فقط، ولكن ومنذ ذلك التاريخ اصبحت الحفلات الجماعية تقليدا سنويا يترقبه المواطنون وتتداول اخباره وسائل الاعلام المحلية والعالمية باعتباره حدثا اجتماعيا وفرحا وطنيا. وسجلت جمعية العفاف الخيرية بهذه الريادة تميزا واضحا مما اكسبها احترام الجميع وتقديرهم، ليس داخل الاردن فحسب بل في مختلف انحاء العالم حيث قلدت الكثير من الدول فكرة الاعراس الجماعية، فلا يمر شهر الا ونقرأ او نشاهد عن حفل زفاف جماعي في احدى الدول، ويحق لجمعية العفاف ان تفخر بهذا الانجاز الذي هو نجاح للعمل الخيري الاردني عموما، فقد استطاعت هذه الجمعية باهدافها المتميزة ان تضيف الكثير الى واقع العمل التطوعي سواء من حيث الاهداف او الوسائل او النمط الاداري. وقد ساهمت اعداد من المؤسسات الاردنية والشخصيات الغنية بجزء وافر من نجاح التجربة الاردنية عندما سجلت اقبالاً كبيراً على تقديم الهدايا النقدية والعينية للازواج المشاركين ولدعم اقامة الحفل، حتى اصبح ذلك تقليدا حميدا له اهميته ودوره. واصبح العديد من الاردنيين وخصوصا المشتغلين بالهم العام يعربون عن خشيتهم من عدم اقبال الشباب الاردني على الزواج بالاضافة الى كثرة الطلاق وبروز مظاهر اجتماعية اخرى لا تمت لعادات وتقاليد المجتمع الاردني بصلة. ويخشى هؤلاء من تطور هذه المظاهر الى حد يصعب معه السيطرة عليه. زواج المسيار لا توجد بالتأكيد احصاءات اردنية حول زواج المسيار الا ان هذه «الفكرة» بدأت بالتداول في المجتمع ما يعني ان احدا ما يجد طريقة ليطبقها على نفسه وينتظر الفرصة السانحة. فما هو المطلوب من شاب بلغ الثلاثين من عمره ويرفض الوقوع في الحرام، ولا يجد له اي افق لامكانية الزواج ان يفعل الا ان يخطر على باله مثل هذا الاسلوب.. ويقول احد هؤلاء الشباب الذي فضل عدم الاتيان على اسمه انه بلغ من العمر 31 ومازال يعمل براتب شهري مقداره 150 ديناراً اي ما يقارب «200 دولار تقريبا» وهو رقم مؤهل ليكفيه لوحده ولكن من غير الممكن ان يقوم على عائلة كاملة او شخصين يريدا اقامة عائلة الا اذا تورط الشخص ووافق على عيشة الفقر في سبيل ان يجد فتاة ما بجنبه تشعره بأنه ليس كائناً للأكل والشرب فقط. وعلى الرغم من ان الشباب الاردني بدأ يعالج هذه المشاكل منذ فترة طويلة بالزواج من فتيات عاملات وخصوصا في القطاع العام. الا ان ذلك الحل لا يجدي نفعا في الكثير من الاحيان لان هذه العاملة في القطاع العام متطلبة، فاذا ما كان الخطيب بمؤهل اجتماعي واقتصادي جيد نوعا ما فان المتوقع ان يرفض طلبه، الا اذا بدأ اهل الفتاة يشعرون بالفعل ان ابنتهم اصبحت عانسا وان عليهم التصرف سريعا. وتتوافر في زواج المسيار كافة شروط الزواج من مهر وشهود وايجاب وقبول وهو بذلك قانوني كون القاضي الشرعي هو الذي يعقده سواء أكان في البيت او في المحكمة الشرعية. وبحسب قانون الاحوال الشخصية الاردني فان العقد ينعقد بايجاب وقبول الخاطبين او وكيلهما في مجلس العقد في حين اشترطت المادة 16 من القانون نفسه شاهدين رجلين او رجل وامرأتين مسلمين عاقلين وبالغين. وتعتبر المحكمة الشرعية الاردنية زواج المسيار هو زواج شرعي يتم بعقد شرعي تكتمل فيه جميع الشروط الشرعية الواردة في احكام الشريعة الاسلامية وان بقاء الزوجة في بيتها او في بيت اهلها لا يتنافى ومشروعية العقد ولا يؤثر على نسب الابناء في حالة الانجاب. واوضح ان ما يفرق الزواج العادي عن زواج المسيار هو عدم الزام الرجل بالانفاق على زوجته او في توفير مسكن لها ويتراضيان على ذلك ويسجل العقد في المحكمة الشرعية شأنه شأن الزواج العادي ويتم بالايجاب والقبول وبشهادة الشهود. ولكن العديد من المعنيين يؤكدون ان على باب زواج المسيار ان لا يفتح على مصراعيه لما قد يجلبه من آثار سلبية في المستقبل لا ترضى عنها المجتمعات، فالغرض منه فقط هو درء الفتنة وبخاصة لغير القادرين على تحمل تكاليف الزواج العادي فلا بأس في ذلك لكون الدين الاسلامي دين يسر وليس دين عسر. ويسلب زواج المسيار من الزواج العادي امرين الاول القوامة للرجل ويخشى في حالة تحولها لتصبح في يد المرأة او حتى مشاركة المرأة فيها ما سيقوض اركان الاسرة اما الامر الاخر هو اعلان الزواج وهو ما لا يتوافر في زواج المسيار الذي يكتفي بشهادة الشهود فقط. ولكن يجب التفريق بين زواج المسيار وزواج المتعة او الزواج العرفي او ما شابه ذلك من مسميات، اذ لا يحدد زواج المسيار بمدة معينة تنتهي بسفر الزوج وعودته الى بلاده مثلا وهو ما ينطبق على زواج المتعة، خصوصا وان تحديد الزواج بمدة معينة حتى وان كانت الف سنة يعتبر باطلا من الناحية الشرعية. ومن هنا فان على الخاطبين بزواج المسيار عقد النية الصادقة الاكيدة على ديمومة الزواج كما هو شأن الزواج العادي. نائلة الرشدان عضو مجلس الاعيان السابق المحامية وهي من النساء الاردنيات المحافظات النشطات في حقوق المرأة دعت في تصريحات صحفية لها حول زواج المسيار الى ايلائه الاهتمام الكافي من البحث ولاسيما ايضاح الفرق ما بينه وانواع الزواج الاخرى كي لا تقع المرأة في التضليل المؤدي الى ضياع حقوقها وحقوق ابنائها في حال انجابهم. وتؤكد الرشدان على ذلك لانه بحسب قولها يوجد الكثير من المفاهيم الخاطئة حول زواج المسيار اذ يروج له البعض بأنه يتم بشهادة الشهود ولا يشترط تسجيله في المحكمة الى جانب كثرة الحديث عن وجود اشكالات في حالة الانجاب ومصير الاولاد وتنازل المرأة عن حقوقها مقابل هذا الزواج مما يعني عدم وضوح الصورة بالقدر الكافي امام المرأة، مشيرة في المقابل ان زواج المسيار لا تكتنفه اية شبهة شرعية فهو زواج متكامل الشروط والاركان الا ان فيه مخالفة لبعض العادات والتقاليد في الوقت الذي فيه ايضا الغاء لبعض العادات السيئة او الظالمة كالاسراف والتبذير في الانفاق على حفلات الزواج مثلا. الا انها عادت واكدت انها لا تدعو لزواج المسيار ولا تروج له كما لا يجوز فتح الباب على مصراعيه لهذا الزواج، عازية انتشاره في بعض الدول العربية والاسلامية الى ارتفاع نسبة العنوسة في تلك الدول. وتضيف الرشدان ان زواج المسيار موجود في الاردن منذ عدة سنوات وان على نطاق ضيق ولكنه بدأ في الظهور جليا في السنوات الثلاث الاخيرة وبخاصة في الاوساط الغنية كون النساء في هذه الاوساط لديهن القدرة على الكفاية المادية وقدرتهن على شراء المسكن وتأثيثه وما يتبع بعد ذلك من مصروفات يومية، داعية الفتاة او المرأة التي ترغب في تحصين نفسها وانجاب اطفال بطريقة شرعية والعيش في كنف رجل كغيرها من النساء ان تتزوج بطريقة المسيار حتى وان تنازلت في بعض حقوقها الشرعية. كما دعت الشاب غير القادر على تحمل اعباء الزواج العادي والذي يتطلب تبعات اوجدتها العادات والتقاليد والراغب في تحصين نفسه ان يقدم على الزواج بالمسيار، مشددة في الوقت ذاته على ان «المسيار» ليس الاصل ولكنه رخصة لتيسير زواج الشباب والشابات وللتخفيف من هموم الاباء والامهات من بقاء ابنائهم وبناتهم دون زواج كما يحل مشكلة المجتمع والدولة لان في العنوسة تعطيلا لطاقات بالاضافة الى ان في المسيار تطبيقا لامر الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله: «تناكحوا تناسلوا فإني مباه بكم الامم يوم القيامة»، متسائلة: ماذا يفعل الشباب او الفتيات اللذين لا يقدرون على الصوم عن الزواج.. ايسلكون طريق الحرام ام طريق الحلال وبخاصة الفتاة التي فاتها قطار الزواج ولم يتقدم احد لخطبتها او الشاب الذي لا يستطيع تحمل النفقات الكبيرة التي يتطلبها الزواج العادي المتعارف عليه؟ وبالتأكيد فان في زواج المسيار درءا للفتنة ومنعا للنساء وتحصينا للرجال والنساء واقامة علاقات زوجية واسرية صحيحة شرعا ويزيد اعداد المسلمين ويدعو الى التعاون في الانفاق. زواج المتعة يفقد زواج المتعة شرط الدوام في الزواج وهو ما يفقده شرعيته، خصوصا وان احد أهم حكم الزواج في الاسلام حفظ الانساب وهذا ما يخشى عليه في زواج المتعة. وقد ظهرت في ايران مشاكل عديدة جراء انتشار مثل هذا النوع من الزواج وقد عده بعض علماء المسلمين نوعاً من انواع الزنا. ووصل الامر في المشاكل التي افرزها زواج المتعة ان طالبت جمعيات ومؤسسات الخدمة الاجتماعية في ايران مؤخرا الى تقنين هذا النوع من انواع الزواج وتقدمت بمشروع نشر في عدد من الصحف هناك يقضي بإنشاء مراكز اجتماعية يطلق عليها «بيوت العفاف» يتم فيها تسجيل عقود شرعية للراغبين والراغبات في الزواج المؤقت من قبل علماء الدين كالعقود التي تمنح للمتزوجين بالعقد الدائم، وتشكيل هيئة تشرف على هذه المراكز تتألف من: أئمة الجمعة، وممثل عن قوى الامن الداخلي، ومستشار اجتماعي، وفريق طبي من الجنسين متخصص في الامراض التناسلية. ويحدد الاقتراح الفئات التي يجوز لها مراجعة «بيوت العفاف» وهي النساء الارامل والآيسات والمطلقات اللاتي لا يجدن فرص الزواج الدائم، والعوانس اللاتي فاتهن قطار الزواج. اما بالنسبة للرجال فالشرط الوحيد هو ان يكون المتقدم لزواج المتعة مضطرا لذلك. وينص الاقتراح في بعض بنوده على منح المتزوحين بعقد منقطع «زواج المتعة» وثيقة رسمية تمكنهم من السفر والاقامة في الفنادق والمنتجعات السياحية، واجراء فحص طبي للرجل والمرأة من اجل التأكد من سلامتها من الامراض المعدية، وتقديم المشورة النفسية والاجتماعية لهما من قبل اخصائيين يقيمون في «بيوت العفاف»، وتوقيعهما على تعهد بمراعاة الجوانب الشرعية في زواج المتعة، من قبيل الالتزام بفترة العدة للمرأة، وتحمل الرجل لواجبات الابوة عند حدوث الحمل. وبررت تلك الجمعيات خطوتها هذه بالسعي لاعتماد «حلول شرعية» في معالجة ومكافحة مظاهر الفساد الاجتماعي والتحلل الخلقي والعلاقات اللاشرعية بين الجنسين، وهي المظاهر التي اخذت تنتشر على نحو مقلق خلال العامين الماضيين في العديد من المدن الايرانية. الا ان هذا المقترح واجه جدلا واسعا في الاوساط الايرانية، حيث تباينت المواقف ازاءه بين معارض ومؤيد ومتحفظ. ودخل الموضوع حلبة التجاذب السياسي اثر مناقشة الاقتراح داخل قبة البرلمان الذي تتوزع مقاعده على تيارات وقوى سياسية متنافسة، من اصلاحيين وجمعيات ومؤسسات نسويات واصوليين، بالاضافة الى الموقف الرسمي الذي نفى اي صلة له بالاقتراح.