الخضرمة في اللغة أخت الخضم، والخضم أكل الشيء الرطب بأقصى الأضراس، وضدّه القضم، وهو أكل اليابس بأطراف الأسنان. والمعنى الأول للخضرمة القطع. تقول: خضرمتُ الأُذنَ إذا قطعت من طرفها شيئاً، وتركته ينوس. وقيل: خضرم الأذن قطعها نصفين. وكان أهل الجاهلية يخضرمون نعمهم، فلما جاء الاسلام أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يخضرموا من غير الموضع الذي يخضرم منه أهل الجاهلية. ورجل مخضرم: أبوه أبيض، وهو أسود. وطعام مخضرم: ليس بحلو ولا مر، أو بين الثقيل والخفيف. وقيل: المخضرم الدعيّ الذي ليس بصحيح النسب، وقيل الخضرمة: الاختلاط والاشتباه. نخلص مما عرضنا الى ان أهم المعاني اللغوية الحسية لكلمة الخضرمة ثلاثة: القطع، والتوسط، والاشتباه أو اختلاط الضدين. فما معناها في المصطلح الأدبي؟ تقضي قوانين التطور الدلالي في العربية، وفي غيرها من اللغات بأن تنتقل معاني الألفاظ من أفق الحس الى أفق التجريد. ولفظة الخضرمة تطورت وفق هذه القوانين، فاكتسبت معناها المجرد أول الأمر، ثم معناها الاصطلاحي آخره. فمن الناقة المخضرمة ـ وهي التي جُذع نصف أذنها ـ جاء الانسان المخضرم الذي انقطعت صلته بالجاهلية حينما ظهر الاسلام. هذا هو معناها المجرّد. أما المعنى الاصطلاحي فقد اكتسبته من التطور الفكري الذي أنجزه العرب. فالمخضرم عند أهل الحديث من أدرك الجاهلية وزمن النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه لم يره، ولم يصحبه. وعند أهل اللغة: المخضرم من عاش نصف عمره في الجاهلية، ونصفه في الاسلام، سواء أدرك الصحبة أم لم يدركها. ثم توسعت الدلالات، فصارت تطلق على كل من أدرك عهدين، أو شهد دولتين كالدولة الأموية والدولة العباسية، مهما يكن أمره في هذه وتلك. يدلك على ذلك ان أبا الفرج الاصفهاني في كتابه الأغاني سمّى من شهدوا هاتين الدولتين مخضرمين. ومن يتتبّع معنى (الخضرمة) واستعمالها في كتب التراجم والأدب والنقد يلاحظ انها كادت تكون وقفاً على الشعراء، كأنّ الكتّاب والنحاة وعلماء اللغة كانوا يحيون خارج التاريخ الذي عاش فيه الشعراء، أو كان طغيان الشعر على ما سواه في العصر الجاهلي جعل الشعراء الذين أدركوا الاسلام لا سواهم جديرين بهذا اللقب. فلما ظهر الكتّاب بعد الاسلام، وامتدت الحياة ببعضهم حتى شهدوا دولتين وعصرين لم يؤبه بهم لأن الاسم كان قد أصبح حكراً على الشعراء، ولم يبق للكتّاب منه نصيب. ولهذا قلّما تجد كاتباً شهد الجاهلية والاسلام، أو شهد الدولتين الأموية والعباسية موسوماً بالخضرمة. فأنت تجد بشار بن برد وابراهيم بن هرمة موسومين بها، ولا تجد عبدالحميد الكاتب وعبدالله بن المقفع قد وُسِما بها. وبرغم الاعتماد على اللغة في تحديد المصطلح فأنت تجد اللغويين مختلفين في المعنى النقدي والأدبي للخضرمة لاختلافهم في المعنى اللغوي، كأن كل واحد منهم كان حريصاً على استنباط الدلالة النقدية أو الأدبية من المعنى اللغوي الذي يراه أصلاً لغيره. فأبو الحسن الأخفش قال: «ما خِضْرِم إذا تناهى في الكثرة والسعة. فمنه سمي الرجل الذي شهد الجاهلية والإسلام مخضرماً، وكأنه استوفى الأمرين». وابن قتيبة حكى عن عبدالرحمن عن عمه، قال: «أسلم قوم في الجاهلية على ابل قطعوا آذانها، فسمي كل من أدرك الجاهلية والاسلام مخضرماً. وزعم انه لا يكون مخضرماً حتى يكون اسلامه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أدركه كبيراً، فلم يسلم. وهذا خطأ عندي، لأن النابغة الجعدي ولبيداً قد وقع عليهما هذا الاسم». وعدّ ابن رشيق المخضرمين طبقة من طبقات الشعراء، فقال: «طبقات الشعراء أربع: جاهلي قديم، ومخضرم وهو الذي أدرك الجاهلية والاسلام...الخ»، في كلامه اقرار بأن الخضرمة جسر ممتد، أوله في الجاهلية وآخره في الاسلام، والعابرون الذين عبروه من الشعراء هم هذه الطبقة التي ذكرها ابن رشيق. وتطور الحياة يقضي بأنه لابد من وجود هذا الجسر الحامل الناقل الذي به يتم التغير على نحو بطيء، لا على شكل طفرة سريعة، لأن الظواهر الاجتماعية والادبية والفنية لا تحدث فجاءة كما يحدث الانقلاب العسكري. ومحك النقد يفضّل تفسير ابن رشيق وتقسيمه، لأن ابن رشيق خصّ المخضرمين بطبقة متفردة تخالف الجاهليين، وتخالف الاسلاميين. أما ابن سلام ـ برغم طبقاته العشرين التي وزع عليها شعراء الجاهلية والاسلام ـ فإنه لم يسلك المخضرمين في طبقة تميزهم من سواهم. ومع ذلك، تأثر بعض المحدثين بتقسيم ابن سلام الذي انتصب بين الجاهلية والاسلام، كأنه سور فاصل، لا جسر ناقل. أو كأنه البرزخ الذي ذكره القرآن: (بينهما برزخ لا يبغيان). وإذا كانت قوانين الطبيعة تقضي بالفصل بين الضدين في الاشياء المادية، فإننا نعجب ممن تقبلوا الفصل في عالم الفكر الحيّ، ولم يبحثوا عن قناة تحمل بحر الشعر الجاهلي الى بحره الاسلامي، وتجعل الشعر عند المصبّ مزيجاً انتقالياً، يمهّد لاستقلال الشعر الاسلامي بفكره ومنطلقاته وغاياته التي اتضحت بعد استقرار الدعوة لا يوم اعلانها. ومما يدلك على الأثر السييء الذي أحدثه الفصل الحازم الجازم، واغفال الانتقال بعد توفّز وتحفّز حيرة الباحثين فيما يصفون به شعراء الجيل الذي وضع قدماً في أرض الاسلام، وقدمُه الأخرى لمّا تبرحْ أرض الجاهلية. أيحسبونهم جاهليين تمحّضوا للجاهلية التي شبوا في حماها، فلم يتأثروا بشيء من فكر الاسلام؟ أم يعدّونهم اسلاميين خلصوا للاسلام الذي شابوا في ظله، فلم يتجل في شعرهم كثير ولا قليل من ارث الجاهلية؟ ذهب د. شوقي ضيف في كتابه «النقد الأدبي» المذهب الأول، فألحقهم بالجاهلية. فهم عنده جاهليون محضْ. وذهب د. شكري فيصل في كتابه «تطور الغزل» المذهب الثاني، فهم عنده اسلاميون صرف. قطعوا صلتهم بضلال الجاهلية، ونظموا شعرهم على ضوء الدين الجديد كما أشربوا قلوبهم تقواه وهداه. فأي المذهبين أقرب الى الصواب وأشبه بالحق؟ الحق ـ والرأي لعائشة عبدالرحمن لا لشوقي ولا لشكري ـ ان المذهبين كليهما يعزلان الأدب عن الحياة، ولا يرصدان الحركة الخفية التي تتخلّج في ثناياها قبل ان يتاح للأدب ولغيره من الظواهر الاجتماعية الانتقال من طرف الى طرف، فالمذهب الذي يعدهم جاهليين ينكر على الادب قدرته على التأثر، وعلى الاسلام قدرته على التأثير. فهل يعقل ان يحدث هذا الحادث الجلل الذي غيّر مجرى التاريخ، وقلب حياة العرب، وحطم امبراطورية الفرس، وهزم امبراطورية الروم، ثم لا يكون له أثر في عقول الشعراء وقلوبهم وألسنتهم وأخيلتهم، فلا ينفحهم بحس، ولا يلهمهم معنى، ولا يوحي اليه بصورة فنية، ولا يجري على ألسنتهم لفظة من ألفاظ الوحي المنزّل؟ والمذهب الذي يعدهم اسلاميين لا يقل عن الأول مجانبة للحق، وتعصّباً للاسلام فيما لا يعود على الباحث بأجر، ولا على الاسلام بفخر. بل يلقي على الاسلام تبعة ما بقي في هذا الشعر الانتقالي من ترهات الجاهلية وهناتها وشياتها، أو يدعو القاريء الى التعامي والتغاضي عن الترهات والهنات. وفي هذا التغاضي الغاء للعقل، وانكار لطبيعة البشر، إذ لا يعقل ان يتغير الشعر في يوم واحد أو عام واحد، أو بُعَيْد ان ينطق الشاعر بالشهادتين، لا لأن الشاعر ضعيف الايمان، بل لأن فكره وقلبه وأعصابه تختزن تراثاً تليداً، فلا يمكن ان تقلع جذوره من عصر وتغرس في عصر. ان كان الأمر كذلك فما الذي يُعقل ويقبل؟ إن الذي يُعقل ويقبل هو ان يُستمدّ المصطلح الأدبي والبعد الفكري من المعنى اللغوي. والقاريء يذكر ان محك النقد لخص معاني الخضرمة بثلاث كلمات: القطع والتوسط والاختلاط. والاختلاط أو الاشتباه أهم هذه المعاني، إذ لاحظ الأقدمون ـ ومنهم ابن رشيق والمرزباني ـ أن المخضرمين، وهم الجيل المتوسط بين الجاهلية والاسلام، كانوا يمثلون بشعرهم الاختلاط والاشتباه، أي: اختلاط المعاني الجاهلية بالمعاني الاسلامية واشتباه الروح الجاهلية المتعصبة للقبيلة بالروح الاسلامية المتطلعة الى الوحدة الشاملة. وهذا الاشتباه لم يقتصر على الشعراء الذين أدركوا الاسلام، وآمنوا به. بل جاوزهم الى الذين أوشكوا يدركونه، أو أدركوه ولم يؤمنوا به تكبّراً وحسداً وتعجرفاً ولَدَداً. لكنهم لم يستطيعوا ان ينكروا تطلعهم اليه، وتوقعهم ظهوره، ولهذا ظهرت معانيه في شعرهم، وعلة ظهورها ان النفوس كانت متشوّقة الى النبوة، تواقة الى العدل والخير، نافرة من الوثنية والعصبية، غير انها لم تكن تدرك كيف تبلغ ما تتمنى، ولا من سيبلّغها ما ترنو اليه. وقد تجلت الخضرمة تجلياً واضحاً في الحكمة المنبثة في تضاعيف القصائد التي أدارها الجاهليون حول التأمل في الحياة والموت والبعث والحساب والقضاء والقدر. وأبرز هؤلاء الجاهليين لبيد وأمية بن أبي الصلت الذي لم يسلم كبراً ومكابرة، لا كفراً ومكافرة. ولو عدت الى أسفار الأخبار، وأحداث ما قبل الاسلام لوقفت على كثير من القصص المبشرة بمولد النبي صلى الله عليه وسلم، المنفرة من الوثنية. ولوجدت هذه القصص منطوية على أفكار وتأملات وتوقعات نظنها ـ لولا أسماء أصحابها وأزمنة وقوعها ـ اسلامية الفكر والروح والغاية. وما هي باسلامية، وإنما هي تجليات البعد الديني الذي دان به المتحنفون من عقلاء العرب، أو تنبؤٌ بالبعد الديني الذي تطلع اليه العرب، فكان الاسلام. وإذا خطر للمتشككين والمتشدقين بالنحل ان يرتابوا في هذه الأخبار فهم عاجزون عن أن يرتابوا في البعد القومي للخضرمة، وهو المتمثل في اعراض العرب عن الصراع القبلي وتطلعهم الى الوحدة القومية التي تجلّت بعض التجلّي يوم ذي قار، أو في البعد الاجتماعي الاصلاحي الذي تجلّى في حلف الفضول، إذ انطوى هذا الحلف على مُثُل وقيم نبيلة، تمحو مثالب الجاهلية، وتمهد لمكارم الاخلاق التي تمّمها الاسلام. وبعد.. فإذا كان القدماء والمحدثون قد اختلفوا في تفسير الخضرمة فهل اتفقوا على حصرها في طبقة من الشعراء؟ وإذا كانوا قد اختلفوا فما الطبقات التي سلكوا فيها المخضرمين؟ وهل ترك اختلافهم صداه في النقد؟ عن هذه الاسئلة يحاول محك النقد ان يجيب في خاطرة قادمة ان شاء الله.