الشخصية المصرية تتسم بالاستمرارية والتواصل عبر تاريخها الطويل الممتد من آلاف السنين والشواهد على ذلك عديدة في حياتنا اليومية فكثير من السلوكيات هي عادات مصرية قديمة، بل إن مئات الألفاظ متوارثة عن اللغة الهيروغليفية القديمة والتي تملأ قاموس حياتنا اليومية. وفي رصد هام للباحث الاجتماعي إبراهيم سعد توصل خلاله إلى الألفاظ والجمل التي نتناولها في معاملاتنا اليومية وتضرب جذورها إلى المعجم المصري القديم والتي تؤكد سمة الاستمرارية في التاريخ المصري. يقول الباحث : إن أول تلك المفردات تبدأ مع بداية الحياة عندما يرى المولود النور وحينما يسمع أمة تخطابه إذا جاع ب(مم) وإذا عطش بـ (أمبو) وهما كلمتان قبطيتان مأخوذتان عن اللغة المصرية القديمة فكلمة «مم» مأخوذة عن موم «القبطية» وأو نم «الهيروغليفية» بمعنى «كل» وكلمة «امبو» عن «امبمو» القبطية بمعنى «أشرب» وإذا أحس الطفل بألم سألته أمه «واوا» أي ألم بالهيروغليفية وإذا سألته عن الحشرة التي توجعه قالت له «بيبه» أي برغوث وإذا كبر الطفل وراح يمشى تقول له أمه «تاتا» أي أمشي. وإذا أردت أن تنهره عن فعل شئ كريه قالت له «كخ» أي قذاره. وإذا أرادت تخويف طفلها قالت «أجيب لك البعبع يأكل» وكلمة «بعبع» من اللفظة القبطية «بوبو» أي عفريت وإذا أكثر بكاء الطفل، قالت له أمه : «ياوادانت تملي توأوأ» ؟ أي تعاكس ويكبر الطفل ليلعب مع زملائه في الشارع ونسمعه يقول «بلاش حمرأة» وهي كلمة قبطية «حمرق» أي تغير الكلام وعندما تسقط الأمطار على رؤوس الأطفال أثناء لعبهم فيتغنوا بها في حين «يا مطرة رخي» أي انزلي بالقبطي ويعود الأطفال إلى أمهاتهم موحلين في الطين فتقول لهم «إيه ده يا سخام» وسخام كلمة قبطية بمعنى التلوث. ويضيف الباحث إبراهيم سعد أن كثيرا من مفردات حياتنا اليومية ذات أصول فرعونية فعبارة «كاني.. وماني» ليست عربية بل قبطية تعني «سمن وعسل» ونسمع من يقول «داير يمهيص في الدنيا» وتعني الرغبة في الجري ونسمع العامة يقولون: (جاتك أوا) أي مرض وفي أيام الصيف نقول : النهاردة صهد أي نار، كما نردد كلمة «النهار شاشا» وهي كلمة قبطية «شاهشا» تعني سطع ونسمع كل يوم الباعة الجوالة وهم ينادون بأعلى أصواتهم «حالوم يا جبنة» وحالوم كلمة قبطية معناها جبنه فكأن البائع يرددها بالقبطية مرة وأخرى بالعربية كما يقولون أيضا : يا بساريه بحري، والبسارية كلمة قبطية تعني السمك الصغير. أما في الأطعمة فما يزال على الأقل صنفان منهما محتفظين بإسمها القديم. أولهما المدمس ومعناه الفول المستوى في الفرن بواسطة دفنه أو طمره في التراب واسمه القديم «متمس» أي الفول المطمور والثاني «البيصارة» وإسمها القديم «أبيصورو» أي الفول المطبوخ. ويتحدث عامة الناس ونخبتهم أحيانا بقولهم : «داشئ ياما» وهي لفظه قبطية بمعنى كثير، وقول «العيش باش» من أصل هيروغليفي بمعنى «لان» ومن مشتقاتها «الله يبشبش الطوبة اللي تحت رأسه» أي يبللها ونسمع من الناس كلمة «كوش» على كل حاجة وكوش لفظة قبطية بمعنى اكتنز. ويمتد المعجم المصري القديم في حياتنا إلى الأفراح والحفلات حيث نسمع المغنى يبدأ غناؤه بعبارة «يا ليلي ياعيني» ويتفنن في ترددها على مختلف الوجوه وردت لفظة «ليلي» في اللغة القبطية القديمة المأخوذة بدورها عن الهيروغليفية وقد وردت بهذا اللفظ والنطق نفسه بمعنى انشراح أو فرح وهذا يتسق تماما مع اللفظة التي تليها وهي «يا عيني» إذ يكون معنى العبارة كلها «أفرحي ياعيني». ويردد الفلاح المصري أثناء شغله بالأرض عبارة «هوب هوب يا زرع النوب» وهو لا يدري أنه يغني بالمصرية القديمة ثم يعقبها قائلا بالعربية «ياحالي يا حالي يا زرع الدهب» ويعني ما يقوله الفلاح «أيها الشغل أيها الشغل أنت زرع الدهب أو أنت أزرع تكسب دهب». كما يغني الفلاح المصري «هوب هوب قتلني الشوبه» وشوب تعني الحرارة فالفلاح يقصد أن كثرة العمل قد زادت من حرارة الجو عليه ورغم ذلك يواصل الفلاج قائلا (هوبه هوبه ميت يوبه) أي يا حالي أو شغلي هاتلي أو كسبني ميت ويبه غلة. ويستمر الفلاح يغني طوال النهار بألفاظ وجمل مصرية قديمة حتى يشتد به التعب فيصيح «جاي» أي السلامة أو العافية أو النجدة وعندما يعود إلى بيته مساء وهو يسوق أمامه الماشية يقول «عا» أي الماشية.