بعد مسير ثلاث ساعات بالسيارة من جوهانسبرغ تتحول الطريق نحو جبال مالوتي، التي تعتبر الحدود الطبيعية لمملكة ليسوتو المستقلة ثم تعبر السيارة طرقاً موحلة تتمعج عبر سفوح موتسي النائية في سلسلة جبال مالوتي متجهة الى باديمونغ او ما يسمى «بوادي الاجداد». وفي هذا الوادي، يوجد الدواء والسحر والارواح والاشباح انه مخزن للمعرفة الروحية والمادية التي جمعها الافارقة على مدى قرون وتم تناقلها من المعالج الى المتدرب على يديه وكذلك التعويذات والمواد والرؤى في الماضي والمستقبل، وهو المكان الذي يصبح فيه الاشخاص الذين يتم اختيارهم لكي يصبحوا معالجين تقليديين. يعيش هؤلاء المعالجون التقليديون في مكان يعرف باسم «ووندر كليب» او الصخرة العجيبة ويقيمون علاقة متوترة مع مالك الارض وانطلاقاً من عجزه عن طردهم، فإنه يكسب مبلغاً من المال من خلال فرضه رسوماً على الدخول الى المكان يصر على انه يستخدمها لاصلاح وصيانة الطريق رغم الدلائل الواضحة التي تشير الى عكس ذلك. للوهلة الاولى، يبدو للزائر ان هناك دلائل بسيطة على وجود الانسان وسط الاشجار التي تنمو على الصخور فهناك بعض اوراق اليانصيب مبعثرة على سطح مذبح حجري اسود، وتتدلى اعلام مثلثة الشكل تحت اشعة الشمس الحارة، ولكن الصوت الوحيد الذي تسمعه هو صوت الصرصار الرتيب. وتحتاج العين لبضع دقائق كي تخترق ظلال الجروف الصخرية المنحدرة وتتعرف الى الكهوف التي تغطيها كما تغطي الندوب بشرة الانسان وبشكل بطيء تتأقلم العين مع الضوء فتتضح معالم الجدران السوداء الملساء واكواخ الزولو الرابضة على رف صخري واسع. يقيم في هذا المكان حوالي 150 معالجاً ومتدرباً وبالنسبة لهم، فإن هذا المكان يعتبر «جامعة» تقوم فيها ارواح الاجداد بايصال دروس في العرافة والطقوس والاشفاء والادوية العشبية وعلى غرار الكهنة في اليونان القديمة، فإنهم يتعلمون كيف يكونون وسطاء روحيين والبعض يقيم هنا لسنوات قبل ان «يتخرجوا» ويعودوا الى مجتمعاتهم. والامر المجهول خارج افريقيا هو ان هؤلاء المعالجين هم في الحقيقة كهنة واطباء وعلماء نفس ومعالجون بالاعشاب بالنسبة لاكثر من 80% من السكان السود لا في الادغال وحدها وانما في المدن ايضاً وينظر المثقفون المتحضرون الى حكمة المعالجين بالاحترام نفسه الذي ينظر به اليهم عمال المزارع و بالنسبة لهم، فإن المعالج التقليدي يعتبر محل اعتماد وثقة تماماً مثل الجراح او اخصائي التغذية. وبصفتهم حماة للثقافة التقليدية، فإنهم صمدوا في وجه الاستعمار والمسيحية والابرتهايد ويقدر عددهم بحوالي 300 ألف شخص. وطب الاعشاب لديهم يقارن بالطب الشعبي الصيني ويوصف للأمراض البدنية والعاطفية والروحية مثل الانفلونزا وامراض الكلى والمثانة وآلام الدورة الشهرية والعقم والسل والسرطان والاكتئاب وتشكل الوسائل العلاجية الشعبية العمود الفقري للرعاية الصحية الأساسية في جنوب افريقيا والمعالجون الشعبيون يقومون بمعالجة الاغلبية الساحقة من مرضى الايدز الفقراء الذين لا يستطيعون تحمل نفقات العقاقير المنقذة للحياة والاقامة في المستشفيات. غير ان هناك دجالين ومشعوذين يقومون بسلب المرضى السذج والضعفاء وفي حالات نادرة تم ربط المعالجين التقليديين بحالات تم فيها قتل المرضى واستخدام اعضاء اجسامهم في طقوس تحضير السحر الاسود، وهو ما يغذي الحكم المسبق لدى اولئك الذين يرفضون هؤلاء المعالجين ويصفونهم بالاشرار. تقول نونتوبيكو ماغنغن المعروفة باسم مونيكا، وهي معالجة وعرافة ومعلمة تقيم في كوخ يقع تحت شلال ينساب من جرف في الصخور: «ان الاشخاص الذين يقومون بهذه الاشياء هم اشرار فهذا ليس هو الشيء الذي يقوم به المعالجون» تقيم مونيكا، وهي امرأة جميلة في الخمسينيات من عمرها منذ ثمانية اعوام في الوادي حيث تقوم بتعليم المبتدئين ومعالجة دفق متواصل من المرضى الذين يأتون الى الوادي ببذلاتهم الأنيقة واحذيتهم اللامعة من اجل الحصول على المشورة. وتقول مونيكا: «الكثير من المرضى يأتون الي، والاشخاص الذين يعانون من لوثة عقلية ايضاً ويأتي كذلك الاشخاص السقيمون والذين يعانون من علاقات زوجية مضطربة ومن سوء الطالع ويقوم اجدادي بمنحي رؤى تظهر ما يعانون منه، ثم ابدأ باعطائهم العلاج» وعلى باب كوخها، هناك اوان سوداء موضوعة على النار ويقوم المبتدئون بجمع الاعشاب ولحاء الشجر الذي يترك ليجف تحت اشعة الشمس واما الديكة فهي تختال بحرية وكأنها تملك المكان بأسره وهي تفعل ذلك بمعنى معين لأنها تحمل ارواح الاجداد كما يقال.