تحت أشعة الشمس الذهبية في مساء صحراء كلهاري، يحدق «جمعة»، وهو قرد يافع من فصيلة «الميركات» في المجرى الرملي لنهر «نصب»، في حين يخيّم الصمت على الوادي، ولا يقطعه سوى الكورال المسائي لأبي بريص. وتتمرغ ستة جراء حديثة الولادة عند بطنه أملاً في العصور على الحليب. كان جمعة يتولى حراستها منذ الفجر متجاهلاً الجوع الذي يشعر به بينما يقوم بمسح السماء بحثاً عن النسور والأرض بحثاً عن ابناء آوى والأفاعي وحيوانات النمس الأصفر، وحتى عن قرود «الميركات» المجاورة التي لن تتورع عن قتل الجراء إذا ما وجدت جحرها بلا حراسة. وفي مجموعة كبيرة من قرود «الميركات» والتي يمكن ان تضم حتى 40 قرداً، فإن «جمعة» البالغ من العمر ستة أشهر يعتبر أصغر من ان يقوم بمهمة جليس الصغار. ولكن مجموعته الصغيرة لا تضم سوى خمسة قرود بالغين، ولهذا فإن عليه ان يتولى دوره في حراسة الجراء. وقد سميت المجموعة باسم «الخمسة جاكسون» تكريماً لعالم الاحياء المقيم تيم جاكسون الذي اكتشف المجموعة عندما كانت تتألف من خمسة أفراد فقط. وجاءت هذه التسمية من قبل فريق البحث الذي ضم علماء أحياء من جامعتي كامبريدج وبريتوريا وطلاباً من الجامعتين. تشكل قرود «الميركات» موضوعات دراسية مثالية لأنها لا تنشط إلا في النهار. وربما لأنها تعتبر فريسة لطائفة كبيرة من الطيور والحيوانات الثديية (نصف قرود الميركات البالغة في مجموعة الدراسة كانت تقتل كل سنة) ولأنها تتعلم بسرعة التعرف على الخطر وتجاهل الحيوانات التي لا تشكل خطراً عليها. والبشر، مع الوقت والصبر، يندرجون عموماً تحت الفئة الثانية حيث تتقبل قرود الميركات وجودهم تدريجياً. ومع تنامي الثقة بين فريق البحث وقرود «الميركات» أزيلت الحواجز بينهما بشكل كامل وأخذت هذه الحيوانات تجرؤ على الاقتراب من الانسان، بل وحتى تسلق ظهره والوقوف على كتفيه لاستطلاع المنطقة أثناء فترات الحراسة. وسهل هذا التقارب عمل فريق البحث الذي قام بأخذ عينات من الجلد والشعر للتحليل الوراثي والفضلات لقياس مستوى الهرمونات الجنسية. وجاءت هذه الدراسة طويلة الأجل التي امتدت منذ عام 1993 الى عام 1998 انطلاقاً من اعتقاد لدى الباحثين بأن قرود «الميركات» قد تقدّم رؤية حيوية لتطوير التعاون لدى الثدييات. وبحس المنطق التطوري، فإن نجاح فرد معين يقاس عادة من خلال عدد النسل الذي ربّاه، ولكن بعض قرود «الميركات» تقضي حياتها كلها أو جانباً منها في مساعدة القرود الأخرى على تربية الصغار بدلاً من ان تتوالد هي نفسها. وهذا السلوك الذي يبدو غيرياً بظاهره يمكن ان تجده لدى عدد قليل من الثدييات، ولكن حتى داخل هذه المجموعة الضيقة، فإن «الميركات» تعتبر فريدة في مدى نشاطاتها التعاونية والتنسيق بينها. يثير الاسلوب غير المعهود لـ «الميركات» في تربية الصغار أسئلة تمس جذور فهمنا للمجتمعات التعاونية ومن بينها المجتمع الانساني، فهناك عدد ضئيل من الحيوانات القريبة للانسان مثل القرود الكبيرة التي تتعاون مع بعضها البعض بصورة واسعة مثلما تفعل قرود الميركات. والسؤال الذي ظل يلحّ على فريق البحث باستمرار هو: لماذا يساعد العزاب من قرود الميركات في تربية صغار الآخرين في المجموعة؟ كان علماء الأحياء قد أشاروا في الستينيات من القرن الماضي الى ان الأفراد الذين لا يتزاوجون بأنفسهم يمكنهم ان ينشروا جيناتهم الوراثية عن طريق مساعدة أقاربهم على التكاثر. غير ان الاهتمام بدعم بقاء أقاربهم لا يمكن ان يمثل القضية كلها. ففي عالم قرود الميركات، كما هو الحال لدى الحيوانات التعاونية الأخرى، يساعد جميع أفراد المجموعة بطيب خاطر في تربية الصغار سواء كانت تربطهم بهم صلة قرابة أم لا. قد يكون المبرر لذلك، على الأقل بالنسبة للميركات، هو التكافل. فالجميع يستفيد من العيش في مجموعة كبيرة، والجميع يعاني عندما يتضاءل حجم المجموعة. ولا يستطيع أي فرد ان يتحمل قضاء أكثر من ساعة أو اثنتين في الحراسة كل يوم، ولهذا، فإن المجموعات الصغيرة تقضي جانباً من وقتها بدون حرّاس. وكلما كانت المجموعة أكبر كلما توافر عدد أكبر من الأفراد لتغذية الجراء التي تنمو بصورة أسرع وتصبح مرشحة أكثر للبقاء على قيد الحياة (وحتى إن الاناث التي لم تتزوج تقوم بادرار الحليب بتزامن مع الاناث المتزوجة). كما ان المجموعات الأكبر تكون أكثر قدرة على صد محاولات الجيران لاحتلال مراعيها. وفي ظل المجموعة الكبيرة تستطيع قرود الميركات ان تبحث عن فرائسها باطمئنان لوجود الحراس ويقفون على الأرجل الخلفية من أجل استطلاع المكان. وعندما يشاهد الحارس خطراً داهماً، فإنه يطلق صيحة تحذيرية تجعل جميع القرود التي تسمعها تسرع بحثاً عن الملاذ في الجحور المحفورة. ومن ثم يطلق الحارس صوتاً منخفضاً كإشارة على زوال الخطر فيخرج الجميع من جحورهم لمواصلة البحث عن الغذاء وممارسة الحياة كالمعتاد. ضرار عمير