عاشت كيبك حتى عام 1960 تحت حكم موريس دوبلسيس المحافظ، الذي خلفه الليبراليون فأعلنوا عن الثورة الهادئة، ففي سنة 1967 اطلق الجنرال شارل ديجول، في زيارته لكيبك جملته الشهيرة (تحيا كيبك الحرة) وما بين عامي 1970-1972 قامت جبهة تحرير كيبك ببعض العمليات الارهابية، وفي عام 1976 نجح حزب كيبك برئاسة رينيه لفيك المناصر للاستقلال في الانتخابات وتولى مقاليد الحكم. اجرى الحزب استفتاء حول الاستقلال لكن 60% من افراد الشعب رفضوا الاستقلال، عبر هذا المدخل يأخذنا الناقد والمؤرخ السينمائي رينيه بريدال في جولة استطلاعية عن ملامح سينما كيبك التابعة لكندا. ارتبطت السينما الكيبكية الشابة، التي تعد حلقة من حلقات سلسلة «السينما الجديدة» التي برزت على الساحة في الستينيات، بمغامرتين مختلفين التقتا بداخلها وهما اكتشاف السينما المباشرة والمطالبة باستقلال «الاقليم الجميل» الفرانكوفوني المنعزل بسبب اميركا الشمالية الانجلو ساكسونية (يعيش على ارض كيبك التي تبلغ مساحتها مليونا ونصف كيلومتر مربع ستة ملايين نسمة منهم خمسة ملايين من الناطقين بالفرنسية) غير ان السينما الكوبيكية لم يكن بوسعها بعد مرور عشرين عاماً الا ان تدين بقسوة الآثار السياسية لفشل استفتاء 1980 خاصة وان الحركة القومية التي دعمتها كانت تشكل حافزاً ثقافياً متميزاً. في ظل عرض ثمانين بالمئة من الافلام الاميركية في نسخها الاصلية في قاعات السينما في كندا الفرنسية في الخمسينيات، كانت الصناعة الكيبكية الخاصة تنتج فيلماً او فيلمين طويلين في العام ناطقين باللغة الفرنسية، من افلام الميلودراما او الافلام التاريخية او الافلام المأخوذة عن اعمال اذاعية ناجحة وبلا قيمة. غير ان انتقال «المركز القومي للسينما» ONF في عام 1956 من اوتاوا الى مونتريال اتاح الفرصة لبزوغ جيل شاب من السينمائيين الفرانكوفونيين، في قلب هذه المؤسسة الفيدرالية المتخصصة في الفيلم التسجيلي القصير، المتحمسين للتجريب في أساليب جديدة للتصوير (كاميرا 16 مللي، صوت متزامن، اشرطة فائقة الحساسية، فرق عمل خفيفة) اكثر من حماسهم لامكانية الارتباط بتمثيل الواقع القومي الكيبكي سينمائياً. ان فيلم «المتزحلقون على الجليد» الذي شارك في اخراجه جيل جرو وميشيل برو عام 1958 هو اول فيلم يخرجه هذا «الفريق الفرنسي» القادم من المركز القومي للسينما، والذي انطلق في السنتين الأخيرتين اللتين شهدتا اضمحلال السلطة الرجعية لحكومة الوحدة الوطنية، أي حكومة دوبلسيس التي ظلت تحكم منذ عام 1936 دون توقف تقريباً. عرض «راديو كندا» (وهو التلفزيون الأهلي على عكس ما يشير اليه الاسم) بداية من عام 1958 أفلاماً قصيرة ضمن سلسلة «الزمن الحاضر» قامت بتعريف هذا الانتاج الذي منح أهل كيبيك فرصة التعبير عن أنفسهم وتضاعف عدد الأفلام بعد وقت قصير، بفضل سقوط دوبلسيس وحلول جان لوساج محله عام 1960 ومعه الليبراليون دعاة «الثورة الهادئة». كانت السينما الكيبيكية حاضرة وسط الغليان الفكري لسنوات الأمل هذه، والتي شهدت نمو الفكر الاجماعي (حول مجلات «اجزجون» أو «بارتي ـ بري») وانطلاقة الشعر (جاستون ميرون، منشد الهوية الكيبيكية) والأغنية (فليكس لوكلار ثم جيل فينيو أو روبير شارلبوا الذين غزوا السوق حيث كانت 90% من الموسيقى موزعة باللغة الانجليزية) وأصبحت أداة للبحث الجماعي عن هوية من خلال أفلام قصيرة مثل «الصراع» (ميشيل برو، كلود جوترا، مارسيل كريير وكلود فورنييه ـ 1960) أو «القفازات الذهبية» (جيل جرو، 1961) أو «حطابو منوان» (أرتور لاموت، 1962) أو «أبناء الصمت» (ميشيل برو وكلود جوترا ـ 1963). وفي الوقت الذي كانوا يعدون فيه الأهالي لاكتساب وعي اجتماعي وسياسي، بدت هذه الأفلام، التي بدأ تقديمها في مهرجان مونتريال منذ عام 1963، في أعين عشاق السينما في العالم كله بمثابة نماذج لتيار «سينما الحقيقة» التي كانت أقطابها نيويورك ومونتريال وباريس، حيث استقدم جان روش ميشيل برو ليقوم بتصوير فيلم «حولية صيف» (1960). أدت هذه السيطرة المتزايدة في عام 1963 الى اخراج فيلم «من أجل بقاء العالم» (اخراج ميشيل برو وبيير بيرو) أول فيلم روائي طويل كندي يتم اختياره في مهرجان كان ويساهم في التعريف بالمركز القومي للسينما والسينما المباشرة والهوية الكيبيكية. ويعد هذا الفيلم الجزء الأول من ثلاثية جزيرة «كودر»، أخرج الفيلمين الآخرين «سيادة اليوم» (1966) و«عربات الماء» (1968) المخرج بيير بيرو وحده، ويعود الفيلم الى ماضي كيبيك لنهضة قومية حقيقية بالتصديق على كلمات العجوز الكسيس ترمبلاي الذي يقود علمية العودة لصيد خنزير البحر. هكذا تشكل السينما المباشرة طريقة جذرية لإحداث قطعة مع صيغة الحكي الهوليوودية ومع الأسلوب التقليدي المتبع في أفلام المركز القومي التسجيلية التي تعتمد على التعليق من خارج الصورة بشكل ينتقض منها. هذا بالاضافة لكونها طريقة لكي يبحر كل انسان داخل نفسه (من خلال ثقافة جزيرة كودر) مع الاشتراك في المغامرة الحديثة في التناول السينمائي التي ستقوم بتثوير الفن السابع. وقد بلغت هذه التقنية من الثراء حدا جعلها في خدمة الحدوتة في فيلم «الاستيلاء على كل شيء» لكلود جوترا وفيلم «القط في الكيس» لجيل جرو، وكلاهما من انتاج 1963.«الاستيلاء على كل شيء» فيلم روائي طويل سيرة ذاتية من تمثيل كلود جوترا نفسه الذي يحاول، من خلال عشقه لامرأة سوداء، ان يكتشف الوضع الانساني في كيبك، وهو ارتجال نوقش بحدة وكان دليلا دامغا على ان السينما المباشرة تستطيع ان تكون فاعلة خارج مجال الفيلم التسجيلي. اما فيلم «القط في الكيس»، الذي تأثر كثيرا بسينما جودار، فهو يدرس العلاقة بين زوجين شابين هما بربارا «يهودية تتحدث الانجليزية» وكلود «كيبكي مؤيد للاستقلال وشديد الاستغراق في ذاته». وقد شجع نجاح افلام جرو وبيرو المركز القومي للسينما «منتج هذه الافلام» على ان يسمح في العام التالي لجيل كارل بتحويل فيلمه القصير عن عمليات كسح الثلوج في مونتريال الى فيلم كوميدي طويل اصبح عنوانه «حياة ليوبولدز. السعيدة». خارج المركز القومي للسينما، شارك القطاع الخاص الصغير في هذا التفجر الابداعي، تدعمه حماسة عشق السينما في نوادي السينما المباشرة ولا حتى في المركز القومي فهو جان بيير لوفافر الذي صور عام 1965 فيلم «الثوري» وتبعه في عام 1966 فيلم «باترسيا وجان باتست» وفي 1967 «لا يجب ان نموت من اجل هذا» وفي 1969 «الغرفة البيضاء». وكما يلاحظ فرنسوا بيبي: «يتعرض كل السينمائيين، كل على طريقته، لمسألة تطرحها كيبك في مجموعها: «ان يكون المرء كيبكيا؟ سيقول جروو في فيلم «القط في الكيس»: «انا كيبكي اذن انا ابحث عن ذاتي» وهذا حقيقي. ان اغلب السينمائيين الكيبكيين في ذلك الوقت سيحاولون تغذية هذا البحث الجماعي اما ان يكون هناك تردد فليس هذا امرا خطيرا. المهم هو التعبير عن النفس. ما هي السينما التي تعبر افضل تعبير عن هذه الفلسفة غير السينما المباشرة؟ ان الشخصيات المصورة هي التي تتحدث اكثر من المصورين انفسهم والكاميرا تلقائية مثلها مثل تساؤل الكيبكيين».