من المشاهد المألوفة والمعتادة في المدن الرئيسة اليمنية خاصة في العاصمة صنعاء ومراكز المحافظات انتشار الاكشاك او الدكاكين الصغيرة، بجوار الوزارات والهيئات والمصالح الحكومية. واذا كانت مثل هذه المظاهر منتشرة في كثير من البلدان العربية الا انها تنفرد بخصوصية فريدة في اليمن ترجع الى ما يتميز به هذا البلد من عادات وتقاليد جعلت وظائف هذه الاكشاك والدكاكين الموجودة في مثل هذه الاماكن معبرة عن تلك التقاليد السائدة في البلاد. وتنفرد هذه المحلات عن مثيلاتها في البلدان الاخرى بخدمة ايداع الامانات ومنها تحديداً السلاح الابيض والسلاح الناري الذي يودعه صاحبه لدى مالك الكشك او الماتوت بمقابل مبلغ مالي يدفعه الزبون لصاحب المحل. وفي الآونة الاخيرة انتشرت هذه المحلات بشكل ملحوظ لاسيما امام الوزارات والمحاكم القضائية والمستشفيات والجامعات وكثير من المصالح والهيئات التي تمنع الدخول اليها بالسلاح سواء كان سلاحاً ابيض او السلاح الناري، وخلال السنوات الاخيرة ونتيجة للحوادث المتكررة التي ارتكبها بعض الاشخاص من حملة السلاح داخل بعض المؤسسات والهيئات لجأت اغلب المصالح والوزارات والمستشفيات الى تشديد الاجراءات الهادفة الى منع الدخول اليها بالسلاح الامر الذي ادى الى انتعاش وانتشار محلات ايداع السلاح بالقرب من المصالح التي تحظر الدخول اليها بالسلاح حتى باتت مثل هذه المحلات الصغيرة نشاطاً تجارياً مربحاً بفعل ما يتحصل عليه اصحابها من اتاوات ومبالغ مقابل ايداع قطع السلاح وتطالع المرء الكثير من هذه المحلات التي كتب عليها اصحابها محلات امانة السلاح. ويقول محمد صالح سعيد احد أصحاب تلك المحلات نقوم بعملنا على النحو التالي بعد ان يصل الشخص الى المحكمة يمنع دخوله بالسلاح فيضطر الى ان يترك سلاحه عند رفاقه او على السيارة لكن في هذه الحالة الاخيرة ونتيجة لتعرض السيارات للسرقات فكثير من الناس سرقت اسلحتهم من على السيارات ومع تكرر مثل تلك الحوادث اخذ الناس يبحثون عن محلات لايداع حاجاتهم لدى اصحابها حتى يفرغون من اعمالهم. ومع تزايد الاتجاه نحو منع الدخول بالسلاح الى قاعات المحاكم او الهيئات الاخرى زاد الاقبال على طلب هذه الخدمة الامر الذي اوجد محلات متخصصة لها او ممارساتها الى جانب تجارة التجزئة ويمضي سعيد موضحاً بقوله يأتي الشخص الينا ويطلب ايداع سلاحه وقد يكون السلاح مسدساً او كلاشنكوف او غيره من الاسلحة الخفيفة فنقوم بدورنا بأخذه منه وتسجيل اسمه على ورقتين صغيرتين تحملان نفس الرقم ومختومتين بختم المحل وتلصق احدى تلك الاوراق على قطعة السلاح والاخرى نعطيها لصاحب السلاح ليتسنى له ان يبرزها عند قدومه لاخذ سلاحه. وبالطبع فان هذه الخدمة بمبلغ رمزي يتراوح بين عشرين ريالا الى خمسين ريالاً فالمسدس نأخذ مقابل ايداعه عشرين ريالاً فيما نتقاضى خمسين ريالاً مقابل ايداع بندقية الكلا شنكوف او غيرها من البنادق الاخرى. ارباح ومشاكسات ويقول علي سالم ان هذا العمل له مردود جيد يختلف من يوم لاخر حسب عدد الزبائن مشيرا الى ان احسن عائد يحصل عليه في مطلع كل اسبوع حيث عادة ما يقبل الناس على انجاز معاملاتهم وحاجياتهم بشكل اكبر من ايام نهاية الاسبوع ويتراوح العائد اليومي ما بين ثمانمئة ريال كحد اعلى واربعمئة ريال كحد ادنى وهو مبلغ ضئيل اذا ما قورن بحجم المسئولية الملقاة على صاحب المحل لانه اذا ما تعرض للسرقة فهو مسئول عن تعويض صاحب السلاح بمبلغ يعادل قيمة القطعة المسروقة ولهذا يتعين على القائم بهذا العمل ان يكون دائم اليقظة والحذر والا اصيب بنكبة كبيرة وربما دخل بمشاكل مع اصحاب السلاح المودع لديه خاصة ان اغلبهم من رجال القبائل المشاكسين او من العسكر. ومن الشروط الواجب توفرها في مقدم هذه الخدمة الامانة والنزاهة وان يكون معروفا لدى الجهة التي يعمل بجوارها والا استطاع ان يهرب بما لديه من امانات كما يتعين عليه ان يكون حريصاً في تدوين البيانات وتسجيلها لان اي خطأ قد يقود الى الدخول بمشاكل ومهاترات مع الزبائن في حالة اختلاف البيانات عن تلك المقيدة في الدفتر وعلى الورقة المتروكة على قطعة السلاح المودعة في المحل ومما يدخل في اطار الحرص عدم ترك المحل للاطفال لان فضولهم قد يقودهم الى العبث بالسلاح ويحدث ما لا يحمد عقباه. وعما اذا كانت هناك مشاكل يتعرض لها اصحاب هذه المحلات يقول سالم ليس هناك مشاكل بالنسبة لي لكن احد القائمين بهذا العمل وممن أعرفهم جيدا كان احد الاشخاص اودع لديه جنبية غالية الثمن وعن طريق الخطأ سلمت لشخص اخر وبعد معرفة الامر وذهاب الشخص الاخر دخل صاحب المحل بمشكلة مع صاحب الجنبية الحقيقي ولكن لحسن الحظ ان بيانات ذلك الشخص كانت مدونة لدى المحل الامر الذي مكن المباحث ورجال الشرطة من الوصول اليه واسترجاع الجنبية التي اخذها واستغرق الامر اكثر من اسبوع ظل خلالها صاحب المحل ومالك الجنبية الاصلي في أخذ ورد بشكل يومي الى ان حلت المشكلة وهذا في حد ذاته درس للجميع ليأخذوا حذرهم من مثل تلك الاخطاء التي قد يترتب عليها مشاكل عديدة. السلاح الابيض يشار الى ان كل محلات امانة السلاح لا يودع لديها السلاح الابيض «الجنبية» ماعدا بعضها وتحديداً منها المحلات المتواجدة بجوار المستشفيات والجامعات التي تحظر الدخول اليها بالجنبية تفادياً لحدوث مشاجرات ومشادات بين الطلبة والمدرسين او بين اقارب المرضى والاطباء في المستشفيات وعلاوة على منع الدخول بالسلاح الى بعض الهيئات فهناك مصالح اخرى مازالت تحظر الدخول اليها بالهاتف الخلوي «النقال» او بالبيجر نظرا لما تسببه من ازعاج فيضطر اصحابها الى تركها وايداعها في محلات الامانة هذه واذا كان الهاتف الجوال الى وقت قريب ظل ممنوع الدخول به الى اغلب الهيئات والمصالح الرسمية فانه مع انتشار GSM خففت الكثير من تلك المصالح من اجراءات المنع التي كانت تطبقها في الماضي. ولا يستبعد الكثير من المتابعين لانشاء مثل هذه الاكشاك والدكاكين وجود علاقة بين اصحابها وبين القائمين على حراسة بعض المؤسسات والوزارات والهيئات التي تحظر الدخول اليها بالسلاح لقاء مقابل مادي يحصل عليه الحراس من أصحاب تلك المحلات بل هناك من يذهب الى الجزم ان بعض تلك المحلات يمتلكها احد الحراس انفسهم او اقارب لهم لما لها من عائد مادي مجز يفوق في بعض الاماكن المزدحمة بالمترددين ما يتقاضاه الحراس انفسهم. وإجمالاً يمكن القول ان هذه المحلات اخذت في التزايد والانتشار الواسع مع اتجاه السلطات اليمنية الى تطبيق اجراءات رادعة تحد من انتشار حمل السلاح في المدن الرئيسية او الدخول بالمرخص لها الى الكثير من الهيئات والمؤسسات العامة ما جعل من هذه المحلات الصغيرة تشكل نشاطاً اقتصادياً مربحاً لاصحابها يؤمن فرص عمل لا بأس بها للعديد من الافراد الذين يقدمون هذه الخدمة الفريدة ويحد من حجم البطالة المنتشرة في البلاد.