اختص البناء المعماري التقليدي اليمني بميزات جمالية وفنية مازال يحافظ عليها ويتوارثها الابناء عن الاباء والأجداد مع محاولات دؤوبة من الاضافات والتجديد، الذي يواكب تبدل اذواق الناس ويلبي رغباتهم. ومن تلك الخصائص التي تطبع الفن المعماري اليمني النقوش الزخرفية والمنمنمات الفسيفسائية التي تضفي على المبنى جمالاً وروعة من الداخل والخارج. وعلاوة على تلك النقوش تظل القمرية واجهة جمالية تشد الناظر اليها وهي بشكلها المقوس الذي يعلو النوافذ وبألوانها البراقة المضاءة اللامعة. ومن أجل الحفاظ على تلك الخصائص يحرص جميع اليمنيين على اضافة تلك اللمسات الفنية على منازلهم سواء منها القمريات او الخرشات الجبسية المعلقة والمحفورة في اسقف المجالس وغرف الاستقبال والصالات المفتوحة. ويوضح امين محسن العماري صاحب مركز المواهب النموذجي لاعمال القمريات والخرشات حول هذه الصنعة والأطوار التي مرت بها بقوله البداية القديمة في اليمن لهذه الابداعات هي ان اليمنيين القدماء كانوا يستعملون احجار الرخام الابيض الميال الى اللون الزجاجي ويضعونه في الفتحات العليا لنوافذ المنازل والغرض من ذلك هو السماح لدخول الاضاءة الى المنزل علاوة على منظره الجمالي. وسمي هذا الشكل بالقمرية لانه كان يسمح بمرور الاضاءة الهادئة الى الداخل التي تشبه ضوء القمر بعد هذه المرحلة حتى الاستخدام لهذا الشكل ظهرت القمريات الجبسية المصنوعة من الجبس والزجاج الملون وتمر عملية صنعها بمراحل مختلفة في البداية نقوم بوضع مقدار من الماء يضاف اليه مقدار من الجبس «المعروف باليمن بالجص» ثم نقوم بخلط المعجون حتى تستوي ثم بعد ذلك توضع على لوح خشبي بمعايير ومقاييس حسب شكل القمرية المطلوب ثم تبدأ عملية الرسم على ذلك القالب. وهناك انواع مختلفة من الرسومات منها الرسم النباتي والهندسي والتماثيل طبقا لطلب الزبون ورغبته. وبعد اكتمال الرسم المطلوب يبدأ حفرها بآلة كهربائية ثم نحتها وتسويتها بالسكاكين المخصصة للنحت ثم نقوم بعد ذلك بازالة القسرية من على اللوح الخشبي ونقلها الى الخارج لعرضها لأشعة الشمس والغرض من ذلك هو ان تجف وتتيبس بعد هذه العملية ننقلها من جديد الى داخل المعمل وعندها نقوم بتركيب القطع الزجاجية عليها مع خلطة لينة وخفيفة من الجبس حتى يتسنى تثبيت الواح الزجاج على الجهة الخلفية للقمرية ثم نقوم بنحت القمرية من الجهة الخارجية حتى تظهر فتحات الزجاج طبقا للشريحة المعمولة ثم نقوم بتصفية الزجاج بالماء من اجل ازالة الجبس الملتصق عليه. بعدها تعاد القمرية من جديد الى الخارج لتبقى في اشعة الشمس حتى تجف وفي هذه المرحلة تكون القمرية جاهزة لنقلها الى الزبون ووضعها في المكان المخصص لها طبقاً للمقاييس المأخوذة لها في البداية ويكون وجه القمرية الى الداخل ان كانت قمرية واحدة فقط والخلف الزجاجي يكون الى الخارج اما في حالة طلب الزبون قمريتين مزدوجتين للفتحة الواحدة فيكون هناك اختلاف في التركيب حيث يتم تركيب زجاج ابيض صافي للقمرية الاولى وملون للقمرية الثانية التي يكون وجهها للخارج وما بين القمريتين توضع مصابيح كهربائية لتعطي المنزل رونقاً وجمالاً عند اضاءتها. انواع وأسعار وحول أسعار القمريات يقول صاحب معمل المواهب الاسعار يحددها نوع العمل ونوع الزجاج المطلوب فبعض القمريات تكون من الدرجة الاولى ويكون زجاجها الاجود واكثر الزجاج جودة هو الزجاج الالماني لانه يدخل الاضاءة في النهار حسب الوانه الزاهية وفي الليل يخرج اضاءة لطيفة منها وهذا النوع من الزجاج يحتفظ بألوانه دائمة ولا تتغير بأي عامل مثل الحرارة والبرودة والأمطار وغيرها ويبلغ سعر القمرية من هذا النوع عشرة آلاف ريال اذا كانت متوسطة الحجم اما بالنسبة لبقية انواع الزجاج فألوانه غامقة ومعتمة والبعض الاخر تكون الوانه فاتحة وهناك انواع تتغير الوانها بسرعة نتيجة لأشعة الشمس. ويستطرد العماري قائلا بالنسبة لانواع الرسمات للقمريات فهي أنواع لا حصر لها ومتجددة بشكل دائم ونقوم بابتكار الجديد منها بابداعات جميلة ومنافسة لانه دون التجديد الدائم لن نقدر على المنافسة ولهذا نحاول دوما ان نجد الجديد والأجدر وبما يجذب الزبائن ويلبي طلباتهم ويرى العماري ان اقبال اليمنيين على القمريات يرجع الى البيئة المعمارية اليمنية التي اخترعت هذا الفن وطورته لان القمريات تضفي على المعمار اليمني جمالاً مميزاً يلفت الانظار خاصة انظار الوافدين الى اليمن من السياح الى درجة ان اكثر السياح الاجانب عندما يأتون الى اليمن ولشدة ما تجذبهم القمريات يقومون بشراء قمريات صغيرة للزينة ويأخذونها الى بلدانهم كتحف منزلية في بيوتهم او مكاتبهم وأسعار هذه القمريات رغم ارتفاع ثمنها الا ان السياح يقبلون عليها حتى باتت صناعتها منتشرة عند صناع التحف التقليدية بشكل كبير. اما بالنسبة لنا فليس لدينا الوقت الكافي لصنع مثل تلك القمريات نظرا لانشغالنا باعمال كثيرة. الامر الاخر الذي يفسر اقبال اليمنيين وحرصهم على القمريات هو ان منظر المنزل او الفلة او القصر لا يكتمل جماله الا بالقمريات التي تسمح بدخول الاضاءة الهادئة وبأقواسها الفريدة التي تحاكي النمط المعماري الاسلامي ابان ازدهار الحضارة الاسلامية. وعن الخرشات والزخارف على السقوف والجدران يقول امين العماري عن طريقة صب الخرشة وتشكيلها في البداية نقوم بتثبيت قضيب من الالمنيوم على الجدار وقضيب اخر من الزاوية الاخرى وتكون عملية التثبيت بخلطة من الجبس قوية وسريعة التماسك ثم بعدها نعمل الخلطة المناسبة وتعبأ في الزاوية من قضيب الجدار الى قضيب السقف ونأتي بمقشطة من الخشب او غيره ويكون شكل المقشط مقوساً ونقشط فوق القضيبين حتى يتم تقويس خرشة الزاوية المشتركة بين الجدار والسقف وبعد عملية القشط يتم التنعيم بالخلطة الباردة الناعمة واللينة ثم تبدأ عملية الرسم بواسطة ادوات هندسية خاصة وهذه الرسمة غالبا ما تختار من قبل صاحب الفيلا حسب الاتفاق وبعد الانتهاء من عملية الرسم تبدأ عملية الحفر بالسكاكين ويليها عملية النحت لكي تظهر الاوراق والغصون للنقوش المرسومة حتى تبدو وكأنها منظر طبيعي. وعقب ذلك تجري عملية التلوين لتلك الاشكال والرسوم المنحوتة فلون الزهور يكون باللون الاصفر والازرق او الوردي والغصون والسيقان لها الوانها الخاصة بها وتتوقف جمالية اللون على طريقة المزج والخلط للألوان حتى نصل الى الالوان المرغوبة اما عمل الجفات الجبسية في وسط السقف تكون اشكالها دائرية او ثمانية او بشكل النجمة فتصب في البداية وبعدها تنحت حتى تأخذ شكلها المراد وهناك جرشات خاصة بالجدران يطلق عليها «سلوسي» ومقاسها يتراوح بين عشرة الى اثني عشر سنتيمتراً وتكون عبارة عن اطارات حول النوافذ او حول اقواس القمريات من الداخل وهناك الرفوف المنقوشة وعموما كل هذه الاشكال رسوماتها مختلفة عن خرشات السقوف منها ما هو نباتي ومنها ما هو هندسي... الخ. قوالب ونقوش يدوية ويقول العماري في هذا السياق ظهرت النقوش المستوردة التي تكون عبارة عن رسمات محددة سلفاً تستورد من الخارج والذين يعملون بهذا النوع من الخرشات ليس بامكانهم ان يظهروا اي مهارات ابداعية لان الرسومات محددة بقوالب سلفا تأتي جاهزة وكثير منهم لم يتعلموا المهنة على اصولها ولا يجيدونها ولا يرى العماري في هذا النوع من القوالب الجاهزة تحدياً للصناعة التقليدية التي يقوم على اعتبار ان اغلب الناس يحبذون النقوش المنحوتة يدويا على تلك المحفورة مسبقاً في تلك القوالب المستوردة المصنوعة من البلاستيك والاهم من كل ذلك ان عمر هذه الديكورات المستوردة قصير جدا بينما عمر الخرشة اليمنية طويل جدا وتبقى في اماكنها لقرون طويلة دون ان تتناثر او تتساقط والشواهد التاريخية عبر ذلك كثيرة في الابنية العريقة وقد ظهرت مثل هذه الخرشات المستوردة بين 1985 وحتى 1988م. الا ان الاقبال عليها بعد ذلك تراجع كثيرا بسبب العيوب التي اكتشفوها فيها وهي تساقطها وتناثرها بعد فترة قصيرة من تركيبها ولهذا اخذ الكثيرون يتركونها ويتجهون الى الخرشات التقليدية ولهذا نحن نقوم بعمل الخرشات لمرة واحدة بينما القوالب الجاهزة تتطلب التجديد كل عشر سنوات وهذا مكلف ماديا ومهدر للوقت وللجهد. ولهذا استطيع ان اجزم ان تأثير هذه النماذج المستوردة لا يؤثر على المهنة بما مقداره حوالي خمسة بالمئة فقط والدليل على ذلك ان محلات القمريات والخرشات الجبسية في تزايد مستمر. يخلص المتابع لشروحات المختصين في مثل هذه الأعمال ان تلك الجماليات الشاخصة على المباني اليمنية بأشكالها التقليدية تقف خلفها تراكمات من الارث الفني العريق وخبرات تلقفت ذلك الارشاد وطورته على الدوام بما يستجيب لتصور اذواق الناس وميولهم وانه مثل ذلك العمل له قواعده وأساليبه التي ينبغي التقيد بها حتى تظهر المباني بأبهى حلة والطف منظر كما هو واقع الحال في سائر المدن اليمنية التي لم تتخل عن التقاليد المعمارية تلك.