رغم ان الانتاج المحلي في الدراما التلفزيونية لم يحقق بعد أي طفرة خصوصا من ناحية الكم فان النوعية التي يتميز بانتاجها سنويا «عمل واحد» تلفزيون الشارقة تتمحور حول رؤية فنية واعية وهي منح الفرصة كاملة للعنصر الاماراتي في التأليف والتمثيل ليعبر عن هوية هذا الوطن فكريا وفنيا في مهرجان رمضان التلفزيوني الذي يشهد كل سنة زخما غير عادي في عدد المسلسلات المعروضة من مصر وسوريا والكويت والسعودية والبحرين وقطر وعمان ثم الامارات التي مازال انتاجها متواضعا من ناحية القدرة على المنافسة والتصدير والاختراق لمحطاتنا الخليجية والعربية الاخرى. ومع ذلك يبدو ان رمضان المقبل سيشهد تطورا ملحوظا في الاعمال الدرامية التي يجري تصويرها حاليا فمنذ اسابيع قليلة مضت انتهى تلفزيون ابوظبي من تصوير الدراما الخليجية بعنوان: «عمى الالوان» من تأليف الكاتب جمال سالم بطولة نجم الكوميديا القطري غانم السليطي مع مجموعة من ممثلي وممثلات الخليج والوطن العربي. وحاليا يقوم تلفزيون الشارقة بتصوير المسلسل المحلي الجديد الذي يحمل اسم: اخر ايام العمر للمؤلف الشاب سالم الحتاوي ومن اخراج حسن بو شعيرة وبطولة نخبة كبيرة من ممثلي وممثلات الامارات منهم احمد الجسمي، مرعي الحليان، غزلان، سيف الغانم، محمد العامري، عبدالله مؤمن، حنان المري، آلاء شاكر، فاطمة الحوسني، احمد عبدالرزاق، محمد غباش، فاطمة البنداري، بلال عبدالله، صالح البحار، محمد الصم ويقوم بوضع الموسيقى التصويرية والالحان لاغنيتي التتر في المقدمة والنهاية ابراهيم الاميري ويتم تصوير هذا المسلسل في مدينتي عجمان والشارقة. وفي موقع التصوير التقينا عددا من اعضاء فريق العمل. الفكر والقيم مؤلف المسلسل سالم الحتاوي يقول ان الفكرة والاحداث الدرامية هي تجسيد حي للصراع القائم في الفكر والقيم والمبادئ والعادات والتقاليد بين جيلين جيل ما قبل النفط وهم الاباء والاجداد وجيل اليوم من الاباء الجدد والشباب حيث ان التواصل الاجتماعي بين هذين الجيلين يكاد يكون مفقودا بفعل الحضارة الجديدة وحياة المدنية الحديثة التي افرزها النفط وأتت بأفكار وعادات وقيم مجتمعية تصطدم بهذه المفاهيم القديمة والعادات التي كانت سائدة في الامارات والخليج بشكل عام. ويضيف الحتاوي ان هذه التحولات الاقتصادية بدأت منذ منتصف السبعينيات ولهذا لم يكن من المنطق ان نرسم الشخوص كآباء وابناء وانما رأيت ان الشخصية الرئيسية التي تجسد قيم الماضي وعاداته وتقاليد هي في أخ اكبر يدعى «فاضل» احمد الجسمي وهو مصاب بداء العقم فلم ينجب ولذلك طلق زوجته، اشفاقا عليها من الحرمان من الامومة وهو احد الاثرياء في سوق السمك يمتلك المراكب والمحلات والعمال والتجارة لكنه متمسك بالقيم والتقاليد العريقة في ممارسة الحياة ويريد ان يفرض ذلك على باقي اشقائه من الجيل الجديد وهنا ينشأ الصراع الدرامي المتنامي مع حلقات المسلسل المتتالية والتي ينتج عنها مشاهد وصور وسلوكيات منها ما هو مخل او منحرف او مناف للقيم والعرف ومنها ما هو مثير ومقصود ومتعمد في عملية الطرح للقضايا والموضوعات الاجتماعية التي يزخر بها العمل وتكشف وتغري الكثير من الممارسات الخاطئة في سواء من الاباء او الابناء في مجتمع معاصر يتعاطى مع آليات ولغة الحضارة الحديثة دون فهم او وعي حقيقي بمخاطرها مما يؤدي الى التفسخ الاجتماعي والانحراف والفشل واحيانا يصل الامر ببعض الشخصيات غير السوية الى دخول السجن! ويؤكد الحتاوي ان هذا المسلسل نقطة تحول رئيسية في فكره الذي بدأ ينتقل في الفترة الاخيرة من الابحار دوما للتراث واستلهام مفرداته وقيمه الى مشكلاتنا وقضايانا المعاصرة بشكل مباشر وملامس للواقع تماما! حالة عامة اما بطلة هذا المسلسل فهي الممثلة الشابة غزلان وتقوم بأداء شخصية «منى» وهي شقيقة الفنان «حسون قوانات» مرعي الحليان وهي كما تقول غزلان حالة نسائية عامة وسائدة في الخليج والوطن العربي عموما وفي الامارات ايضا حيث تقع الفتاة دوما في حب ابن العم الذي تراه مبكرا وتتعرف عليه بسهولة نظرا للظروف الاجتماعية التي تبيح مثل هذا الاختلاط حتى في اشد المجتمعات المحافظة لكن عادة ما يكون هذا الفتى او ذاك مشغولا بفتاة اخرى ويتعامل مع ابنة عمه كأخت حتى بعد ان يتزوجها يتركها مهملة ويبحث عن المتعة بعيدا. وهنا تطلب الزوجة الطلاق وتقف هذه الشخصية حائرة مترددة بين هذا الحب من طرف واحد وبين رغبة اخيها في ضرورة مقاضاة طليقها «بدر» محمد العامري والحصول منه على نفقة لتربية ابنته وهي ايضا ظاهرة متفشية في المحاكم الشرعية بالامارات والخليج! وتضيف غزلان ان اهم ما يميز هذا المسلسل انه اماراتي 100% ويتعرض لقضايانا ومشكلاتنا التي نراها ونعيشها بشكل يومي ولهذا لا توجد اي مشاهد او مواقف مفتعلة وانما الايقاع الاخراجي يسير باسلوب سلس ومقنع ليستعرض هذه القضايا والسلوكيات المرفوضة وايضا المواقف الجادة والمقبولة اجتماعيا! زحف المادة احمد الجسمي كبطل للمسلسل يقول بأن المبادئ والقيم والاخلاق النبيلة والعادات الاصيلة في مجتمعاتنا العربية عموما وفي الخليج والامارات خصوصا حقيقة هي في خطر لأنها تتراجع امام زحف المادة ومغريات هذا العصر عصر التقدم والتكنولوجيا والسهر والسفر والاختلاط بالثقافات والعادات الغربية التي عادة ما تأكل او تذيب ثقافتنا وهويتنا ونصبح دون ان ندري مجرد آلة في ماكينة العولمة ولهذا يحاول «فاضل» الاخ الاكبر ان يمسك بزمام الامور اجتماعياً لان الاسرة هي اللبنة الاولى التي تشكل خلايا هذا المجتمع ومهما كلفه ذلك من عناء وصراع ومواقف عدائية مع اهله واشقائه فهو لا يسمح قط بالتسيب او الانحراف ويتصدى لاشقائه بغية ان ينتبهوا للخطر وان يعملوا بجد واجتهاد حتى ينجحوا ويصيروا من الرجال الذين هم على قدر المسئولية وهذه القيم قد لا تجد من يقدرها في هذه الايام لذلك جاءت شخصية «فاضل» عاقراً!! وتقوم الممثلة فاطمة الحوسني بدور «ثوره» وهي الزوجة الاولى «لخالد» سيف الغانم وتعمل محامية ونتيجة لاهمال زوجها وهو من اقاربها وعدم مبادلتها مشاعر الحب والزواج من احدى الوافدات تقول فاطمة بأن هذه الشخصية هي احدى ضحايا زواج الاقارب الذي يتم دون حب او اختيار ولهذا تتجه نوره لملء هذا الفراغ في الاهتمام بعملها كمحامية وعندما يقع طليقها التي كانت تحبه في ورطة تدافع عنه وتكسب القضية وهي شخصية مثالية تحب دون اية اغراض مادية وتخلص في حبها حتى بعد طلاقها وهو من الادوار الجديدة في مسيرتي الفنية وفيه مساحة كبيرة للتعبير عن هذه المشاعر الانسانية نظرياً وعملياً. واضافت فاطمة الحوسني انني اجد سعادتي الكبيرة في العمل داخل الدولة لان بلدي عندي اهم واولى ولهذا اصبحت انتظر مثل هذه الفرصة السنوية واتفرغ لها تماماً وارفض العمل في الكويت أو السعودية الى ان ينتهي تصوير هذا المسلسل!! اما دور «مريم» العانس فتجسده تمثيلا الممثلة حنان المري اذ تقول بأن هذه الحالة من العنوسة منتشرة بشكل كبير في الامارات ودول الخليج وهي من المشكلات الاجتماعية التي لا تحظى بالرعاية والاهتمام او البحث لايجاد حلول ولذلك فإن «مريم» تبدو امام الجميع راضية بقسمتها ونصيبها في هذه الحياة لكنها عندما تخلو الى نفسها تبدأ دواخلها في الظهور وتبرز كل مشكلاتها فتصل الى مرحلة من الضيق من الجميع من كل البشر وهذه الحالة النفسية سرعان ما تتحول الى مرحلة اخطر عندما تبدأ بالغيرة من شقيقاتها المتزوجات او اي امرأة متزوجة، لهذا تبدأ في تكوين عالمها الخاص وتتحول الى انسانة عصبية لا تتحمل اي كلمة من اي احد ثم تشعر بأنها اصبحت العبء الاكبر على الجميع ولذا تصاب بحالة احباط واكتئاب نفسي وتضيف حنان المري بأن هذه الحالة توصلها الى العيادات النفسية والمستشفيات وتستمر في هذه الحالة الى ان تزداد حدتها فتسافر للعلاج وينتهي المسلسل وهي في حالة سفر دائم للخروج من هذه الحالة وهو من اهم الادوار في المسلسل حيث يعتمد على التعبير الانفعالي الحاد ويحتاج للتركيز والمعرفة العلمية ببعض المسائل الاساسية في علم النفس حتى يأتي التجسيد قريباً من الواقع فهو دور تمثيلي يحتاج لجهد كبير وتعب حقيقي! شخصية جديدة أخيراً يقدم شخصية «حسون قوانات» الفنان مرعي الحليان وهي شخصية جديدة جداً في الأعمال الدرامية في التلفزيون والمسرح ومفردة «قوانات» تعني «اسطوانات» الاغنيات وهو يمثل دور فنان أصيل يستلهم موسيقاه من التراث ويعبر عن الطرب بالعزف المنفرد على العود، ويجيد مرعي الحليان هذا العزف بمهارة، ثم يؤدي بعض الاغاني والمواويل لكن هذا التيار في الغناء الآن كفن راق وجداني يخاطب المشاعر والأحاسيس وهو اتجاه مرفوض من كافة مؤسسات الانتاج الفني والمحطات التلفزيونية والقنوات الفضائية وهو كفنان حقيقي لا يتراجع ويظل طوال عمره ومهما كلفه ذلك من مشقة صامداً لا يسقط في مستنقع الغناء الهابط محافظاً على هويته وأصالته وفنه الجميل، وهذه الشخصية المطحونة والمقهورة مادياً واجتماعياً ونفسياً من آليات عصر العولمة، هي شخصية حقيقية من الواقع وتعبر عن آلاف الناس البسطاء، بل الملايين الذين يعانون من ضنك المعيشة وعدم القدرة على توفير الضروريات الحياتية اليومية رغم انهم من الموهوبين موهبة صادقة وحقيقية، لكنهم لا يجدون الفرصة لتحقيق أي مال أو شهرة أو مجد شخصي أو اجتماعي! ومن المرشحين للقيام بأدوار غنائية في المسلسل المغنية رباب والمطرب حسين الجسمي. ويتم التصوير حالياً في عدد من الفيللات السكنية بعجمان ثم ينتقل المخرج حسن بوشعيرة الى عدد من أماكن التصوير الاخرى في الشارقة كالمحاكم والسجون وسوق السمك وشاطيء البحر ومرسى السفن وبعض المطاعم والفنادق والمصحات النفسية والمستشفيات وغيرها