رغم أن دورها صغير ويستغرق عددا محدوداً من الحلقات، إلا أن الفنانة الكبيرة هدى سلطان وافقت على أدائه مؤكدة سعادتها به بل وحرصت على التفرغ له تماما لمدة شهر كامل. بهذه الكلمات قدم المخرج هاني إسماعيل، الفنانة القديرة هدى سلطان، وهو يتحدث إلى أسرة مسلسل «حلقت الطيور نحو الشرق» الذي يتم تصويره الآن داخل مدينة الإنتاج الاعلامي. قالت هدى سلطان لـ «البيان» في حفل الاستقبال المصغر الذي أقيم لها قبل بدء التصوير انها مثلت دور الأم أكثر من 20 مرة في أعمال سينمائية وتلفزيونية، ولكنها في هذه المرة تشعر أن الوضع مختلف رغم أن دورها في العمل هو أيضا دور أم لشابين في عمر الزهور ساقهما قدرهما للاستشهاد في المواجهات العسكرية والسياسية التي خاضتها مصر ضد إسرائيل فخلال حرب السويس عام 1956 سقط الشقيق الأكبر، وبعده بعدة سنوات يسقط الشقيق الثاني شهيدا قبل بدء معارك أكتوبر 1973 عندما قامت المخابرات المصرية بزرعه داخل إسرائيل لتنفيذ مهام معينة تساعد على نجاح عبور خط بارليف وتحرير سيناء من إحتلال دام 6 سنوات. واجب قومي ـ قلت لهدى سلطان: لماذا إصرارك على أداء دور أم الشهداء في حلقات و«حلقت الطيور نحو الشرق» ؟ ـ تقول: دور «أم الشهيد» لا يعادله بالنسبة لي اي أدوار أخرى، فهو أولا واجب قومي لكل ممثلة تجيد تقديم هذه النوعية من الأدوار المهمة في تاريخنا العربي. وثانيا لابد أن نوضح للناس كيفية صناعة البطل الشهيد فالبيئة التي ينشأ فيها هؤلاء الشباب هي التي تتولى إعدادهم لهذه المسئولية، فعلى كل أسرة أن تعلم أولادها حب التراب الوطني لبلده، وضرورة الانتماء له والدفاع عنه بكل السبل والطرق. وقد كان لي تجربة مماثلة منذ عدة سنوات من خلال فيلم «حكايات الغريب»، ولكنها لم تشبع ولعي بهذه النوعية من الأدوار.. بل أنها زادت التراكمات بداخلي، خاصة مع تصاعد العمليات الاستشهادية ضد إسرائيل في الأراضي الفلسطينية حيث وجدت نفسي أعود وأغني للشهيد مع كوكبة كبيرة من زملائي، ووقتها تخيلت نفسي في مكان كل أم فلسطينية قدمت ابنا أو ابنة واتخذت قرارا بأنني لابد أن أترجم هذه المشاعر والاحاسيس من خلال قيامي بتمثيل دور أم للشهداء، لأقول للدنيا كلها ولإسرائيل بالتحديد أن المرأة العربية في كل مكان واحدة.. بصرف النظر عن جنسيتها أو انتسابها لهذا القطر أو ذاك فهي «مصنع» إعداد الشباب والفتيات وسقوط شهيد من أبنائها يدفعها إلى تقديم غيره من الأشقاء دون أن يصيبها ألم أو جزع، فعقيدتها ثابتة وإيمانها راسخ ومبادئها لا تقبل المزايدة أو المساومة. ـ ما هي تفاصيل دورك في هذه الحلقات؟ ـ أنا أم من أسرة بسيطة فقدت الزوج وتفرغت لتربية أولادها، وكان لديها شابان أحدهما استشهد في حرب 1956، ويمثل دوره إبراهيم يسرى، وشقيقه الثاني يمثل دوره فتحي عبد الوهاب تزرعه المخابرات المصرية داخل إسرائيل قبل حرب أكتوبر 1973، ويستشهد أيضا في نهاية الحلقات بعد أن يكون قد أدى المهمة المكلف بها على أكمل وجه. وابني هذا الذي يستشهد قبل بدء حرب أكتوبر اسمه «مصطفى الحسيني» وحكايته داخل إسرائيل هي موضوع المسلسل الذي أطلق عليه مؤلفه اللواء مختار عز الدين «وحلقت الطيور نحو الشرق». ولن أحرق الأسباب الحقيقية لهذه التسمية حتى يتم عرض العمل! محطات مهمة ـ دور الام بعيدا عن مسلسل «وحلقت الطيور نحو الشرق» له محطات مهمة في حياة هدى سلطان، فماذا تقولين عن تلك المحطات؟ ـ محطات «الأم» عندي كثيرة ولها مكانة خاصة في سجلي الفني، فمثلا «أمينة» في ثلاثية نجيب محفوظ التي قدمها المخرج الراحل يوسف مرزوق في حلقات تلفزيونية كتبها محسن زايد، ثم دور «الحاجة آمنة» في مسلسل «زيزينيا»، وشخصية «نفيسة هانم» والدة سليم باشا البدري في حلقات «الحلمية»، و«أم حسن» في مسلسل «أرابيسك»، و«فاطمة تعلبه» في حلقات «الوتد»، والأم الثرية التي تعاني متاعب الوحدة بعد انشغال أبنائها عنها في مسلسل «البحث عن السعادة». وهي كلها نماذج مختلفة لشخصية الأم مأخوذة من واقع الحياة كما هي بدون إدخال أية رتوش عليها، لتظل صادقة في عيون المشاهدين. ـ قبل أن تصبح هدى سلطان واحدة من أشهر أمهات السينما المصرية حاليا من كان مثلك الأعلى من الممثلات اللاتي قدمن أدوار الأم في الأفلام المصرية القديمة؟ ـ السينما المصرية عبر تاريخها الطويل قدمت ممثلات ليس لهن مثيل في أداء شخصية الأم بمختلف أنواعها، كالأم الطيبة أو الشريرة أو القاسية والعنيدة أو الساذجة أو الأنانية. فهناك فردوس محمد وعلوية جميل وثريا فخري وزوزو نبيل وزوزو ماضي وأمينة رزق وميمي شكيب وآمال زايد وزوزو شكيب، وغيرهن من كبار الفنانات صاحبات الريادة في هذا المجال. وقد تعلمت وأخذت من كل هؤلاء أشياء كثيرة جداً جعلتني اليوم أمسك جيدا بخيوط كل شخصية أمثلها، وصنعت لنفسي أسلوبا خاصا لا يتشابه مع أحد لأنني كنت حريصة على ألا أقلدهن. فالصورة الأصلية لا يمكن تقليدها أبدا، وهذا هو سر نجاحي في أنني صاحبة شخصية مختلفة عن غيري في أداء دور الأم بكل مراحلها وأنواعها، وقد أصبح هذا واضحا بعد أن أثبتت التجربة بأنني أعيش الآن أحلى سنوات نضجي الفني كممثلة . ـ متى تعودين للغناء مرة أخرى؟ ـ أعود للغناء كلما أتيحت لي الفرصة، ثم أنني لا أترك أية مناسبة تمر بوطننا العربي إلا وأمسك بالميكروفون وأغني وسط الناس وأهتف بحب الوطن وأدعو للحب والسلام القائم على العدل، واحترام حقوق أمتنا العربية في استرداد الأرض الفلسطينية المغتصبة وقيام دولتها المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.