من بين الاشباح البيئية العديدة التي تواجه الانسانية في القرن الحادي والعشرين، كالتسخين الأرضي وتدمير الغابات المطرية والافراط في الصيد من المحيطات، يحتل نقص المياه العذبة، رأس القائمة خاصة في الدول النامية. فلا يمر شهر من دون ظهور دراسة جديدة تقدّم تنبؤاً تحذيرياً يزيد من عمق القلق حيال ما يصفه احد الخبراء في البنك الدولي بـ «الحساب المروّع للمياه». أشار تقرير حديث للأمم المتحدة الى ان 27 مليار شخص سيواجهون نقصاً حاداً في المياه بحلول عام 2025 اذا استمر الاستهلاك بالمعدلات الحالية. وتبرز هذه المخاوف حول مستقبل يعاني من نقص المياه من نمو متوقع في عدد سكان العالم منذ أكثر من ستة مليارات نسمة حالياً الى ما يقدّر بتسعة مليارات نسمة في عام 2050، ومع ذلك، فإن كمية المياه العذبة على سطح الكرة الأرضية لا تشهد ازدياداً يذكر. فحوالي 97% من مياه الأرض هي مياه مالحة في البحار والمحيطات. وحوالي 2% من مياه الأرض هي مياه متجمدة في الصفائح الجليدية والانهار الجليدية القطبية وجزء من واحد في المئة فقط متوفر للشرب والري والاستخدام الصناعي. غير ان الاخبار القاتمة المتعلقة بالمياه ليست شيئاً ينتمي الى المستقبل فحسب، فهناك اليوم ما يقدر بـ 12 مليار نسمة يشربون من مياه غير نقية، وحوالي 25 مليار نسمة لا يملكون حمّامات ملائمة أو شبكات للصرف الصحي. ويموت أكثر من خمسة ملايين شخص سنوياً من أمراض مرتبطة بالمياه مثل الكوليرا والدوسنتاريا. وفي جميع انحاء العالم يقوم المزارعون والبلديات بضخ المياه من الأرض بوتيرة أسرع من امكانية تعويضها. ومع ذلك، فإن هناك بعض الأفراد والمنظمات والشركات التي تعمل على حل مشكلة النقص في المياه. البعض يعمل على احياء أساليب تقليدية، مثل جمع مياه المطر، وآخرون يستخدمون تقنيات القرن الحادي والعشرين لتحقيق هذا الهدف. ولكن الجميع يشتركون في شيئين محددين وهما: الرغبة في الحصول على كفاءة قصوى من كل قطرة مياه والايمان باستخدام حلول محلية وحوافز في السوق الحرة في حملاتهم للحفاظ على المياه. إن ما لاشك فيه هو ان المياه العذبة في الأرض يتم استهلاكها باسراف وبخاصة في الزراعة التي تستحوذ على 70% من مجمل استهلاك المياه. واستغلال كل قطرة مياه بات أمراً واجباً، وذلك لأنه مع تنامي عدد سكان الأرض وارتفاع الطلب على الغذاء فإن الري غير المقنن يشكل تهديداً خطيراً على الانهار والمستنقعات والبحيرات. وعلى سبيل المثال، فإن النهر الاصفر الصيني الذي يتم استنزافه من قبل المزارعين والمدن، لم يصل الى البحر في معظم السنوات من العقد الماضي. وفي أميركا الشمالية لم يقتصر الضرر على نهر كولورادو الذي وصل بالكاد الى خليج كاليفورنيا وإنما تعداه العام الماضي الى نهر ريوغراندي الذي جفّ قبل ان يختلط بخليح المكسيك. وفي آسيا الوسطى انكمش بحر الأرال الى النصف بعد ان بدأ السوفييت بتحويل مجاري الانهار لري القطن ومحاصيل أخرى. وفي أماكن اخرى، كان الجفاف مصير عدد لا يحظى من الانهار الصغيرة. تعتبر ولاية غوجارات الهندية الجافة خير دليل على ما أحدثه الاستهلاك غير المقنن للمياه. لقد شهدت غوجارات شأن جارتها راجستان تنامياً في الزراعة المروية التي تعتمد على المياه الجوفية التي تستخرج باستخدام مضخات كهربائية. وهذه المضخات الكهربائية التي تضخ المياه لري الحقول هي في الواقع الآلة التي أحدثت الثورة الخضراء في الهند. وقد تم تحقيق هذا الانجاز الذي مكّن البلاد من زراعة ما يكفي من الغذاء لسكانها البالغ عددهم مليار نسمة، بسبب الزيادة الكبيرة في ضخ المياه الجوفية لأغراض الري. ففي أواسط الخمسينيات من القرن الماضي، كان هناك أقل من 100 ألف مضخة آلية تستخرج المياه الجوفية للزراعة في الهند. أما اليوم فهناك حوالي 20 مليون مضخة قيد العمل ويزداد العدد هذا بمقدار نصف مليون مضخة سنوياً. ولكن الاستخدام غير المقنن لهذا القدر الهائل من المياه الجوفية جاء بثمن باهظ، فمع قيام المزارعين بسحب المياه تفوق قدرة الطبيعة على تعويضها، تم انستنزاف الأحواض المائية الجوفية الى درجة بات معها نصف الهند الآن يواجه مشكلات ناجمة عن الافراط في ضخ المياه الجوفية مثل النقص في تلك المياه أو تدفق المياه المالحة الى الآبار الساحلية. إن مشكلة الافراط في استخدام المياه الجوفية الى درجة الاستنزاف ليست محصورة بالهند وإنما تتخطاها الى دول أخرى كثيرة من بينها الولايات المتحدة التي تتعرض مياهها الجوفية للاستنزاف وبخاصة في ولاية تكساس التي تم استنزاف ثلث مخزونها من المياه الجوفية. ومن الدول الأخرى التي تعاني من مشكلة نقص المياه الصين والمكسيك والاردن ومعظم دول أفريقيا التي تفتقر للوسائل الحديثة في استغلال المخزون الجوفي من المياه. ضرار عمير أحد السدود في الاردن نهر ريوغراندي في المكسيك جف قبل ان يصل البحر