يبدو ان حظ الانسان في الحياة من الألم يفوق بكثير حظه من السعادة وان ما نتصوره سعادة انما هي اللحظات الخالية من الألم، واتعس الناس في احيان كثيرة هم الذين يعانون من مشاكل نفسية يظل المريض يخفيها لسنوات وسنوات وهو يتألم دون ان يشعر به احد بل ويجاهد لكي يخفي حالته الغريبة حتى عن اقرب الناس اليه، فالامر مخجل وغريب تلك هي حدود معرفتنا بالامراض النفسية، ان ننفيها عن انفسنا في حالة معاناتنا منها حتى لا يتهمنا الآخر بالجنون، هكذا بكل بساطة تخلط ما بين حالات التخلف العقلي وبين مشاكل نفسية يمكن ان يتعرض لها اي انسان في اية لحظة، بل يمكن ايضا ان يعاني الاسوياء بمجرد ان يعايشوا المرضى والمرض قد يكون مختفيا وغير ظاهر وهناك ستكون المشكلة اصعب واعقد فأنت تتعايش وتتعامل مع انسان يبدو ظاهريا انه سوي او هكذا يبدو في اعين كل الناس، إلا انك تعاني من سلوك وافكار غريبة تصدر عنه ولا تعرف كيف تتعامل معه، حتى انت نفسك لا تصدق انه مريض، الغريب اننا حتى الآن لانزال نتعامل بتحفظ شديد وسرية بالغة مع مشاكلنا النفسية على الرغم من تقدمنا في المجالات العلمية على مستوى التحصيل والتخصص ولايزال بعضنا يتردد امام فكرة الذهاب الى عيادة نفسية، اذا ما شعر بأنه يعاني من اضطرابات معينة خشية ان تلاحقه نظرة المجتمع السلبية، وبما اننا نعرف ان المرض النفسي في حالات كثيرة تعود اسبابه الى احداث الطفولة المبكرة نتساءل بعفوية، هل نحن بعيدون عن هذه الامراض؟ وهل طرق التربية المتبعة تكفل الحماية؟ وكيف نتعامل مع صفة المريض النفسي عندما نسمعها؟ وهل تستطيع الاعتراف بمرضك ام انك تداريه، هذه الاسئلة وغيرها طرحتها «دنيا الناس» على فئات مختلفة من الجمهور وعلى المختصين وكان ما يلي: من وجهة نظر محمد بكري «موظف» اننا لا نزال نتعامل بحذر مع ما يسمى بالمرض النفسي بل هناك من لا يعترف بالمرة بهذا المفهوم اذ ان حدود قناعته ومعرفته بالامراض هو ان تكون عضوية اي انه يشعر بألم في مكان ما من جسده فيعرف انه مريض وقليلون هم الذين يعترفون بالمرض ويحاولون ان يتخلصوا منه وهم بهذه الخطوة انما يقطعون شوطاً كبيراً من عملية العلاج اذ ان الاعتراف او الافضاء بما في دواخل النفس يعتبر عملية في غاية الصعوبة اذا ما اخذنا بعين الاعتبار النظرة المجتمعية القاسية تجاه المريض النفسي ووصفه بالجنون في اغلب الاحيان، والحق اننا لا نستطيع ان نلوم مجتمعاتنا على هذه النظرة كون اننا لا نزال في طور التلقي والتعلم ولا نزال نعاني من نسبة كبيرة في الامية الابجدية ومن بعض السلوكيات والمفاهيم المتوارثة لذلك يصعب على معظم الناس ان يتقبلوا فكرة ان يكون هناك مريض نفسي، فالثابت لديهم هو ان يكون الانسان سوياً أو مجنوناً اما ما عدا ذلك فلا وجود له. نظرة الشك ويضيف محمد قائلا: الحق ان المشاكل العصرية والضغوطات المتتالية على انسان هذا الزمان كفيلة بأن تخلق حالات عدة من الامراض النفسية، واكاد اجزم بأننا جميعا مرضى نفسيون كل واحد منا يحتاج الى طبيب خاص يلازمه في جميع اوقاته، واذا نظرت الى اطفالنا الآن وكيف يتعاملون مع الكبار لاكتشفت بأن هناك خللاً ما في التربية يحدث بقصد او دون قصد لكن في المحصلة النهائية نحن نساهم بشكل كبير في خلق اجيال تعاني من كبت وضغوط نفسية من المؤكد انها ستتفاقم مع تقدم السن، واذا اخذت امثلة لما يحدث في المدينة التي يفترض فيها زيادة الوعي بهذه المشكلة قياساً لما يحدث في الارياف فإنك ستصطدم بارقام فظيعة لحالات المرض النفسي، ان شرخا ما يحدث في النفسية العربية كون اننا نحمل في داخلنا مجموعة من القيم الاخلاقية والتعاليم الدينية اكتسبناها عن طريق التربية في البيت والمدرسة، لكن ما ان يكبر الانسان حتى يجد نفسه امام معطيات اخرى يصعب التعامل معها، ومن هنا فإن نظرية التأثر تكون واقعة لا محالة، اما سلبا أو ايجابا وفي الحالتين لن يسلم المرء من هزات عنيفة وقاسية بينه وبين نفسه، وهذه الهزات ربما تؤدي الى اضطرابات نفسية يمكن ان تتفاقم اذا لم يتداركها الانسان، لذلك نحن بحاجة الى جهد كبير لكي نصل بالمعلومة الصحيحة في هذا الشأن الى قطاع كبير من الآباء والامهات لكي ينتبهوا منذ البداية الى اولادهم، اما الكبار انفسهم فهم الاقدر على معرفة ما يدور في خلدهم وليس عيبا ان نراجع الطبيب المختص حتى ولو من باب التطهر النفسي الذاتي، ويكفينا ان ننظر بعين الشك والريبة لمن يدخل الى عيادة نفسية، فربما يكون ذلك الشخص افضل منا ومن نفسياتنا. فكرة سيئة ومن جهتها تقول بسنت محمد «موظفة» ان اكتشاف المريض أو معرفته يظل عصيا على الانسان العادي لاننا لسنا امام مريض عادي، والدليل على ذلك ان الطبيب المختص يحتاج الى اكثر من جلسة لكي يحدد اذا ما كان الانسان الذي امامه مريض ام لا، ولا يحتاج الى عدة جلسات اخرى. لكي يحدد نوع المرض في حال ثبوته، وبالتالي فإن المرض النفسي موجود داخل كل انسان حتى يثبت العكس، اذ اننا في منطقتنا العربية لا نتعامل إلا مع الحالات المتأخرة جداً من المرض ونغض الطرف عن الاشارات والاعراض الاولية وهذا ترجع اسبابه الى اننا نفتقد الوعي الكافي بماهية المرض النفسي ومدى خطورته على المريض نفسه وبالتالي على المحيطين به، اما عن اعتراف المريض بما يشعر به دون ان يخجل من احد او يحسب حساب كلمة من هنا او هناك فهذا ليس مطلباً ورجاء بل هو ضرورة ملحة تكون نتائجها في صالح المريض وليست ضده، واذا كان المجتمع لم يزل رافضا لتقبل المريض فهذا خطأ الجميع ولا يمكن ان يتحمل الفرد وهو في موقف ضعيف اخطاء الكل، ان الفكرة السيئة التي يتبناها المجتمع، وعملية الخلط العجيبة بين الجنون والمرض النفسي هي الجنون بعينه، ومع ذلك فإن الحد الذي وصلنا اليه في طريقة تعاملنا وتقبلنا بصدر رحب لمجموعة الامراض النفسية لهو مبشرة بالتفاؤل مقارنة بما كان يحدث حتى وقت قريب، واعتقد ان المجتمع الذي يستطيع ان يشخص علاته دون خجل أو خوف ويعالج مشاكله النفسية عن طيب خاطر وتفهم هو مجتمع صحيح البنية ويعتمد على عناصره في جميع المجالات فمواجهة الذات ومعرفة انفسنا لهي البداية الصحيحة للانطلاق من دون عقد نفسية تعرقل طموحاتنا، وفي هذا الجانب تكون المسئولية ثقيلة للغاية على الكبار بصفة عامة سواء داخل الاسرة او خارجها لكي يتفهموا هذه الاشكالية ويعملوا على تفاديها وان يتخلى كل من الأب والام عن بعض الممارسات الخاطئة في طريقة التربية والتنشئة وان يراعيا قدر الامكان نفسية الطفل بشكل متوازن، واذا كان من كلمة اخيرة فهي اعتراف صريح باننا في حاجة الى جرعة اضافية موجهة للجميع تفسر معنى المرض النفسي واسبابه واعراضه. دور الاحلام وفي رأي عمر عبدالعزيز ـ موظف ـ ان المرض النفسي موجود وبشكل مخيف بيننا سواء كان هذا القول يغضبنا او نتقبله والشواهد على ذلك كثيرة جداً، لان الغاء شيء موجود لهو قمة المأساة هكذا نحن ننفي من الوهلة الاولى ان يكون بيننا مرضى نفسيون واذا تعلق الامر باحدنا نسارع في رفض الشيء وكأننا ندفع عن انفسنا تهمة او سبة معيبة، مع ان المرض النفسي لا يمكن البت فيه بشكل قاطع إلا عند الطبيب المختص، اي انك لا تستطيع بأي حال من الاحوال ان تثبت او تنفي وجود المرض عندك او عند غيرك اللهم إلا اذا كانت الحالة متأخرة جدا واعراضها واضحة في السلوك او الحديث، اما ما عدا ذلك فإن بعض الامراض النفسية تكون خافية حتى على المريض نفسه ومن هنا كانت مشكلتنا منذ البداية مع تقبل المفهوم والتعامل بصدق ووعي وبشكل جدي وحضاري مع هذه القضية واعتقد اننا الآن نسير على الطريق الصحيحة بفضل التعليم ومبادرات وسائل الاعلام من حين الى آخر في الشرح او الاستعانة بالمتخصصين لالقاء الضوء على الخلفيات النفسية التي تكمن وراء حدث او فعل ما قام به احد الاشخاص. ويضيف عمر: بالنسبة لاعتراف المريض بمرضه سواء امام المختص او امام الناس فلا اعتقد ان هذا ممكن إلا في حالات نادرة يكون فيها المريض واثقا من نفسه ومسيطراً على حالته، والاعتراف بتفاوت من شخص الى آخر حسب طبيعة المرض، اذ لا يمكن ان ننسى الاقاويل والحكايات التي تروى في المجالس حول تصرفات الناس بشكل عام، فكيف الحال اذا تعلق الحديث بإنسان مريض غير قادر على التحكم في حركاته وكلامه، فالبعض يتخذ من هؤلاء مادة للسخرية او للتقليل من شأنهم علاوة على وصفهم بالمجانين، فمن باستطاعته ان يواجه مثل هذه الاتهامات؟ والشيء الآخر والاكثر قسوة هو ان آراء المريض لا تؤخذ على محمل الجد وينظر اليها على انها كلام تافه، اما اسباب المرض فهي كثيرة ولكن لكل حالة مرضية اسبابها الخاصة ولا يمكن ان نعمم الظروف الاقتصادية أو انفصال الوالدين او القسوة في الطفولة على جميع الامراض، وهذا بالطبع يعود الى ذوي الاختصاص ليفندوا الاسباب عند كل مريض على حدة. رأي اختصاصي ولكي نلقي الضوء على الموضوع من زاوية اكاديمية توجهنا بالاسئلة والاستفسارات الى الاخصائية النفسية الدكتورة لطيفة خادم فقالت: من المؤكد اننا نتحدث عن اشكالية شائكة كوننا لم نعتد في منطقتنا العربية ان نناقش مشاكلنا النفسية بوضوح ومن دون خجل، بل وان الغالبية لاتزال تخلط بين المريض النفسي ومن هو مختل عقلياً ولذلك نحن بحاجة لمزيد من التوعية في هذا الجانب، ونحن من جانبنا سنقوم بعرض بعض الحالات المرضية والسلوك المترتب على كل حالة حتى نضع القاريء ولو بشكل عام امام هذه المشاكل النفسية من باب العلم بالشيء منوهين بأننا فقط سنعرف بالحالة دون الدخول في تفسيرات معقدة لن يتسع المكان لها، وأول هذه الحالات هو ما يعرف بـ «منجهاوزن» وهذا المرض ينحصر في ايذاء النفس البدني الشديد من اجل اكتساب التعاطف من الآخرين، ويوجد هذا المرض بين الكذابين والذين يسرقون، ويتميزون بأنهم يعرفون معظم المصطلحات الطبية وكذلك يعرفون الوظائف الفسيولوجية في الجسم، اما التوحد فقد كان يعتقد سابقا انه نوع من الفصام او الفصام الخاص بمرحلة الطفولة وفي العام 1980 اكتشف انه مرض آخر وهو اضطراب في التواصل بمعنى ان المريض لا يستطيع التفاهم مع الآخرين وحتى مع والدته واعراض هذا المرض يمكن ان نلخصها في جمل مختصرة اولها ان مرضى التوحد لا يستطيعون النظر الى العين مباشرة بل ينظرون خلال الشيء وليس اليه، ثم انهم يسيرون على اطراف الاصابع مع حركات في اليدين اثناء السير، علاوة على انهم يفتقدون الى التواصل الوجداني وايضا لا يتألمون لانهم يفتقدون للادراك ثم انهم لا يحبون أن يحضنهم احد، وهناك ايضا اعراض اخرى كضرب الحائط بالرأس. وجميع اعراض مرض التوحد تظهر في السنة الاولى من عمر الطفل، وهذا المرض من اسهل الامراض تشخيصاً ولكن من اصعبها علاجاً. وتضيف د. لطيفة: هناك ايضا مرض السادية يكون المريض في حالة من الانتشاء والتلذذ بتعذيب الآخرين عكس الماسوشية التي يتلذذ المريض معها بتعذيب النفس، وهناك مرض البارانويا وهو نوع من انواع الانهيار العقلي او الاضطراب في التفكير وهو الشعور بالاضطهاد كذلك الشعور بأن هناك من يريد التخلص منه، ولا يثق بأحد، ودائما يحس بأن هناك من يراقبه، وقد يشكو من ان الطعام الذي يقدم اليه مسموم، أما الانفصام فهو من الاختلالات الذهانية التي تتميز بالانسحاب من الواقع وباضطراب الملاءمة الانفعالية وبالغريب من الكلام والفكر والاعراض الحركية والهذيان والهلوسة، وقد يبدأ هذا المرض مبكراً جداً في حياة المرء اي خلال العشرينيات من العمر وهناك انواع عديدة للانفصام، اما الشخصية السيكوباتية «المضادة للمجتمع» فهي على خلاف دائم مع ما يحيط بها ولا يمكن الاعتماد عليها لانها عاجزة على الارتباط مع الآخرين بأية درجة من العمق واصحاب هذه الشخصية لهم عدة ملامح منها قلة النضج الانفعالي وانعدام روح المسئولية كذلك سوء القدرة على الحكم وادراك الامور، اضافة للاعتقاد الراسخ بأنهم في حصانة من القوانين وملامح اخرى عديدة. وتستطرد لطيفة: لقد وضع علماء كثيرون في علم النفس نظريات للشخصية الانسانية ومن بينهم ايزنك الذي وضع لها اربع سمات اولها الانبساط، وهو شخص يتميز بأنه اجتماعي يحب الحفلات والصداقات المتعددة ويحب المخاطر ويتصرف بوحي من اللحظة الراهنة، كما يتصف بأنه مغرم بالفكاهة والمداعبات، اما الذهان فيمكن وصف الشخص ذي الدرجة المرتفعة على بعد الذهانية بأنه مترو لا يهتم بالآخرين وغالبا ما يكون مزعجاً وقاسياً وهو يميل الى الاشياء الشاذة والغريبة يأتي بعد ذلك «العصاب» والشخص العصابي دائم القلق والاضطراب كثير الهموم يعاني من الكبت والاحباط كما يعاني من مختلف الامراض السيكوباتية ويغالي في التعبير بطرق قد تكون متناقضة، يبقى الميل للكذب او التصنع واختفاء الحقيقة اثناء تطبيق الاختبار والتظاهر او التزييف هو العامل الوحيد الذي يؤثر في تباين درجة الكذب، اما المريض بالاكتئاب فهو شخص من الصعب مجاورته بسبب انه يكون في غاية القنوط وهو يحط من قدر نفسه الى درجة مؤلمة ويعود عليه الحزن في كل تصرفاته وافعاله وهو على يقين من انه عديم الجدوى وقد يصرح احيانا بأنه يحمل وزر شيء فظيع وهو لا يرى في ماضيه او مستقبله شيئاً من الامل. وهناك نوعان من الاكتئاب الاول بسيط حيث يكون المريض حزينا ومهموما تملؤه الشكوك واحتقار الذات ومتبلدا غير مبال بالحياة، وهو قادر على ان يلبي حاجته الاساسية ولكنه يحتاج لمن يشرف عليه وقد نتوقع منه التفكير في الانتحار ومحاولة الاقدام عليه، اما النوع الآخر فهو الاكتئاب الحاد وهو صورة مضخمة من اعراض الاكتئاب البسيط فالمريض سقيم قانط وقد يرفض الكلام، قليل الافكار ويوجه الاتهامات الى نفسه وفقدان الوزن هنا هو المشكلة الخطيرة وقد نجده يهذي بآثام ارتكبها وهو عموما ينشغل بذنوبه واخطائه، يبقى لدينا القلق ويعد من اكثر الحالات العصابية ازعاجا ومن اعراضه العرق والاسهال وعدم الارتياح كذلك تزايد معدل التنفس وتوقع الخطر المحدق، والقلق خبرة مفزعة من الناحية الذاتية او الشعورية وفي ميسور الشخص السوي ان يتعرف قليلا على طبيعة هذه الخبرة خلال الوقائع السوية للقلق فنحن نواجهه جميعا في اي وقت من حياتنا وتتفاوت شدة اعراض عصاب القلق من شخص الى آخر فقد تكون الحالة لدى البعض طفيفة وقد تصل عند الآخرين الى حالة شديدة عنيفة حتى يمكن ان نسميها بحق رعبا، والقلق استجابة سوية تنبيء باقتراب الخطر ولذلك فإن استجابة القلق بوصفها كذلك ليست بحد ذاتها شاذة، ولكن استمرار تنبيه القلق مع انعدام الخطر الحقيقي يعتبر امرا شاذا، والقلق اذا ما استثير يؤدي بالجسم الى ان يعد نفسه للتهديد القائم ومن هنا امكن ان نفهم كيف ان المشاعر الذاتية والتغيرات الفيزيولوجية التي تقع في حالات القلق مناورات استعداد وتهيؤ للقتال او للهروب. تحقيق: عز الدين الاسواني