لسنوات طويلة ظل الفنان السوري همام الحوت بعيدا عن النجومية والاضواء رغم انه كان يقدم اعماله المسرحية بدأب ونشاط ملفت في مدينته حلب حيث تعرف عليه الجمهور المسرحي هناك وتناقلت وسائل النقل العامة والخاصة، مسرحياته الناقدة عبر اشرطة الكاسيت إلا ان جاءت الفرصة الذهبية التي لم يكن يتوقعها هذا المسرحي الدؤوب. واستطاع همام الوصول الى دمشق من اوسع الابواب وليحقق مسرحيته الاشهر «طاب الموت يا عرب» التي عرضت في العديد من المهرجانات والفعاليات الثقافية كما عرضت في العديد من الدول العربية كما يقدم الآن وفي هذه الفترة مسرحيته الثانية «ضد الحكومة» والتي حضرها مؤخراً محمد مصطفى ميرو رئيس الحكومة السورية وكانت ملاحظاته وانطباعاته جيدة حول هذا العمل المسرحي الملفت. ترى هل تحول همام حوت الى ظاهرة مسرحية ملفتة في المسرح السوري يعاني كغيره من المسارح العربية من أزمات متعددة وهل حقق هذا الفنان شرط الفرجة الجماهيرية المسرحية رغم الطابع الانتقادي الساخر في اعماله. «البيان» حاورته في هذا اللقاء الخاص حول عمله الاخير واعماله السابقة ونظرته حول خصوصية المسرح الانتقادي الذي يقدمه بالاضافة اى مواضيع وقضايا مسرحية مختلفة نتابعها في هذا الحوار: ـ ما الجديد الذي تقدمه في مسرحيتك «ضد الحكومة»؟ ـ الجديد الذي اقدمه هو المسرحية بحد ذاتها خاصة وانها تحمل الكثير من الافكار والمقولات المهمة سواء على الصعيد المسرحي الفني او على صعيد البناء الفني لتسلل الافكار والمواضيع في هذه المسرحية التي اعتبرها خطوة جديدة في مشروعي المسرحي الذي ابدته منذ سنوات طويلة وقد قدمت السنة الماضية مسرحية «طاب الموت يا عرب» التي كانت صرخة ألم في ليلنا الطويل المليء بالمآسي والتضحيات باعتقادي ان المسرح كي يكون ناجحاً على المستوى الفني والانساني يجب ان يكون ملتصقاً بهموم الناس بشرائحهم المختلفة والمتعددة فالمسرح ليس ترفاً اجتماعياً نرتاده في اوقات الفراغ للتسلية واللهو. ـ ولهذا السبب ترى الاقبال الجماهيري على اعمالك؟ ـ اعتبر ذلك نتيجة طبيعية فعندما تكون قريبا من هموم الناس يكونون قريبين منك، المسألة سهلة والمعادلة الفنية لا تحتاج للكثير من التعقيد وهذا هو سر اعجاب الجمهور بما اقدمه رغم طول مدة المسرحية الذي يصل الى حوالي ثلاث ساعات ونصف ومع ذلك لم اجد متفرجاً واحداً يغادر القاعة قبل انتهاء العرض وهذا دليل على انه متجاوب معه ويرى فيه الكثير من الواقعية والقرب منه واتذكر جيداً فترة عرض مسرحية «طاب الموت يا عرب» الذي كان يشبه الى حد ما ظروف عرض المسرحية الحالية «ضد الحكومة» من ناحية الحضور وهذا مؤشر جيد انني اسير في الاتجاه الصحيح وانني اقدم اعمال متابعة بشكل جيد. ـ يبدو عنوان مسرحيتك الجديدة ملتفاً فهل النص انتقادي لدرجة انه ضد الحكومة؟ ـ ابداً طوال عمري لم افكر في تيار المعارضة والدخول في مشاكل مع الحكومات والانظمة العربية وانما عملي المسرحي الجديد هو ضد الظواهر السلبية في الممارسات الحكومية وفي طريق تطبيق الانظمة والقوانين الحكومية هذا ما احببت الوصول اليه وايصاله للجمهور كذلك الأمر بالنسبة لمسرحية «طاب الموت يا عرب» صحيح انني قدمت نماذج وشخصيات معروفة في الساحة السياسية لكنني لم أفكر وأقصد انتقادها والتشهير بها وانما حاولت الاقتراب من الحالة الراهنة التي نعيشها كعرب في وسط عالمي يسعى لفرض هيمنته علينا وعلى مقدراتنا وانسانيتنا. ـ ولماذا اخترت الانتقاد والكوميديا كمجال لتقديم طروحاتك المسرحية؟ ـ لا ابالغ اذا قلت لك انني لم اختر الكوميديا كونها الوسيلة الاقرب للوصول الى الجمهور وانما لأن هناك الكثير من الأفكار والقضايا التي لا يمكن طرحها وتناولها بطريقة مباشرة وهذه حقيقة درامية يعرفها جميع من يعمل في هذا الوسط، وباعتقادي ان الكوميديا الانتقادية هي الوسيلة الاكثر نجاعة وقدرة على ايصال هذه الهواجس والافكار في اطار فيه الكثير من الواقعية اولا وانا اشدد على هذه النقطة كثيرا لانني ضد الكوميديا المبالغ فيها على حساب الفكرة الاساسية لذلك ارى ان الكوميديا الانتقادية المتوازنة مع نفسها والقادرة على امساك العصا من المنتصف هي الناجحة في الوصول الى توصيف لحالة المسرحية المراد التعبير عنها. ـ لكن يقال دائما ان الرقابة العربية لا يناسبها هذا اللون المسرحي المحبوب جماهيريا؟ ـ في كثير من الأحيان يبدو سؤالك منطقيا ومحرجا في هذه الناحية على اعتبار ان الفنان وخاصة من يعمل في المسرح ليس مطالبا بتقديم حلول او اقتراحات حلول للمشاكل والقضايا الشائكة في الحياة وبما ان هذه المطالبة حق مشروع ولا احد يجادل فيها تبقى مسألة طرح هذه المسائل بالطرق المختلفة فهناك من يفضل الالتفاف عليها بأساليب متعددة وهناك من يفضل تناولها من وجهة نظر رسمية في حين اعتقد ان الاسلوب الافضل هو التعاطي معها دون مراوغة وبأسلوب ليتقبله الجمهور سواء عبر الكوميديا او التراجيديا وانما الأساس في هذا التعاطي هو الصدق والشعور بالمسئولية واقصد هنا مسئولية الكلمة والفعل الدرامي والمسرحي. ـ كيف تجد تجاوب الجمهور العربي مع أعمالك؟ ـ الحمد لله أشعر دائماً بالمحبة والصدق الذي يغمرني به الجمهور المتابع لأعمالي والذي أفكر دائماً ويهمني جداً تواصله مع ما أقدمه من مقولات وأفكار استمدها من الواقع والحياة بشكل أساسي. ـ ألا تشعر بالسعادة لنجاحك المسرحي في وقت يعاني المسرح العربي من مشاكل كثيرة تتعلق بشكل خاص بالفرجة المسرحية بالدرجة الأولى؟ ـ لا أحب كثيراً التنظير في هذه المسائل ولكنني أرى ان المشكلة الأساسية في المسرح العربي هي الابتعاد عن الهموم اليومية والواقعية للناس فمن غير المنطقي والمعقول الحديث دائماً عن مسرح شكسبير والمسرح العالمي والابتعاد عن الهموم المحلية، ولو نظرت الى أغلب التجارب المسرحية الناجحة على مستوى الوطن العربي تجد انها اعتمدت بشكل أساسي على البيئة المحلية واقتبست الكثير من الشخوص والأحداث من هذه البيئة والمسرح في الكويت والخليج ومصر ولبنان وفي تونس ايضاً أكبر مثال على ذلك. ـ البعض يتحدث عن ان الساحة المسرحية خالية من الوجوه الكبيرة مما أتاح لك فرصة التألق والنجومية؟ ـ لا أعتقد ذلك لأن الساحة المسرحية في سوريا الآن تحفل بالعديد من الفرق والعروض التي تقدم على مدار الموسم المسرحي بدءاً من عروض المسرح القومي المتنوعة مروراً بعروض الفرق الخاصة التي يشرف عليها فنانون ونجوم يمتلكون الخبرة الجيدة والدراسة الاكاديمية، وبرأيي ان الساحة تتسع للجميع، وأقصد هنا التجارب المسرحية المتعددة حتى لتجربة المسرح التجاري الذي يملك جمهوراً وشريحة معينة من المشاهدين. ولكن يبقى لكل مسرح توجهه الخاص ورواده، وما يقال بأنني وصلت الى مرحلة النجومية فلا أعتقد ذلك ولا أقول هذا الكلام من باب التواضع وإنما لقناعتي بأنه لا وجود للنجم في المسرح، فهناك العرض المسرحي الناجح والتجربة المسرحية الناجحة، لكن لا يوجد شيء اسمه نجومية للممثل وإنما جماهيرية وقدرة على التواصل وايصال الافكار النجومية باعتقادي حلم نسعى اليه سواء في التلفزيون أو السينما وحتى لو سلمنا بوجود نجومية معينة في المسرح فإن الوصول اليها يتطلب الكثير من السنوات الطويلة من الجهد والتعب والخطوات الجادة في هذا الاطار.