قادتني قدماي الى عدد من دور العرض السينمائي في مدينة الاسكندرية خلال الاسابيع الماضية بحكم المهنة لتقصي الحقائق عن افلام الصيف ، التي حظيت باقبال الجماهير وتمكنت من حصد ملايين الجنيهات من جيوب جمهورها الجديد من الشباب وهم ليسوا من «الغلابة» على اية حال بل معظمهم من الطبقة الطفيلية التي افرزها عصر الانفتاح الاقتصادي منذ منتصف السبعينيات. وهذه الرؤية الاجتماعية لتحليل ظاهرة فنية من وجهة نظري هي مفتاح الحل لازمة السينما والمسرح التي تتأرجح منذ ان وضعت حرب اكتوبر اوزارها بالمشهدية السياسية الفظة في محادثات الكيلو 101 واعتبار القضية النضالية في حكم المنتهي وبدأت مصر مرحلة جديدة من الانفتاح الاقتصادي على الغرب فظهرت في الفن مقولة: النجاح الجماهيري وشباك التذاكر في مواجهة آراء ورؤى الكتاب والنقاد التي عادة ما تأتي على النقيض وكانت البداية الفنية لهذا الانفتاح الاقتصادي على ما اظن اغنية عدوية «السح الدح امبو» التي حصدت خمسة ملايين جنيه بحلول العام 1974. من هنا لا ارى اي تحليل او نقد فني حقيقي لظاهرة ازمة السينما والمسرح وتدني مستوى الغناء دون معرفة واعية بنوعية هذا الجمهور الذي يتوجه له هؤلاء المتورطون بالفن السابع وبهدف تجاري بحت جعل الصحافة المكتوبة طوال الاشهر الثلاثة الماضية توجه اليهم سيلا هادرا من عبارات ومفردات النقد اللاذع مثل: الابتذال ـ التفاهة ـ السطحية ـ الاسفاف واوصاف مثل افلام الهلس او البزنس او المقاولات. بينما استضافت بعض الفضائيات ومعظمها قنوات خاصة ابطال هذه الافلام وقدمتهم على انهم قد اصبحوا فرسان الساحة ونجوم الغد. وحتى نستطيع ان نرى الصورة على حقيقتها سنتحدث عن بعض هذه الافلام ولكن بعد ان نحلل نوعية هذا الجمهور الذي يصنع بالملايين التي يدفعها في شباك التذاكر هذه النوعية من نجوم الفن الجدد الذين لايتمتعون قط بأي قدر من الثقافة باعتبار الفن فكرا وفلسفة وبنية اساسية في مدماك الحضارة الانسانية برمتها! اثرياء ولكن! هذه هي الطبقة الجديدة التي برزت في المجتمع المصري مع التحولات السياسية والاقتصادية التي افرزتها عملية الانفتاح الذي اطاح بمفاهيم وقيم وتقاليد مجتمعية سائدة منذ قرون. وبدأت آليات السوق تفرض شروطها وتخلق فئات عديدة ممن يحملون مهنة «اعمال حرة» وظهر البزنس والتجارة والاستيراد دون تصدير والعمولات والصفقات وبدأت تتكون طبقة جديدة من الاثرياء ثراء طفيليا اطلق عليه المثقفون الثراء بلا سبب فمعظمهم كانوا من الفقراء والمعدمين وهنا تشوهت ملامح الطبقة الوسطى ناقلة الثقافة والحضارة للاجيال الجديدة وباتت الطبقة الثرية الثانية «بفلوسها» اصبحت اعلى من الطبقة البرجوازية والاوستقراطية ايضا ونظرا لان معظم ابناء هذه الطبقة كانوا من العوام والدهماء والمعدمين لم يكن لهم اي اسهام يذكر في الحياة الثقافية او السياسية لكنهم امتلكوا فجأة الشركات والعمارات والسيارات الفخمة الفارهة والشاليهات وكل مظاهر الغنى الفاحش وبالتالي اصبحوا يشكلون الذوق العام في الفن الذي يتسم بعدة اوصاف منها الضحك.. الفرفشة والانبساط الرقص والغناء بمفردات والفاظ السوق والفهلوية وقد لاحظت ان معظم رواد السينما من شباب هذه الطبقة يصلون بسيارات خاصة فخمة ويأكلون البيتزا والهمبرجر والكنتاكي ويلبسون ثيابا مستوردة وقد احتوت هذه الطبقة ايضا عددا كبيرا من ابناء العاملين في الخارج خصوصا في منطقة الخليج وهم لايدخلون السينما او المسرح الا جماعات تتكلف اي مجموعة منها في سهرة سينمائية ما يصل الى الالف جنيه وفي المسرح ما يتجاوز الثلاثة آلاف جنيه وتلك هي نوعية الجمهور الذي «بفلوسه» يصنع لنا مثل هذه النوعية من الافلام!في معظم او غالبية الصحافة المكتوبة مازالت للكلمة قدسيتها وللرسالة الاعلامية اهميتها في التوجيه والتوعية والنقد بشكل موضوعي ولذلك وجدنا مثل هذا الهجوم الشرس على كل هذه النوعية من افلام سينمائية صيفية ساخنة بالمعنى الجنسي دون ان يكون لها اية علاقة بالفن الجميل والحقيقي وهذه هي سمة الفن الفاسد. اللمبي ولنبدأ باللمبي هذا الفيلم الذي بلغت ايراداته ما يقرب من 17 مليون جنيه في اسبوعين بينما «امير الظلام» لم يحقق مليونا واحدا في الفترة نفسها ومن قبله فيلم «الساحر» لمحمود عبدالعزيز الاقل في الايرادات من امير الظلام ـ كما تفوق اللمبي على فيلم محمد هنيدي واشرف عبدالباقي «صاحب صاحبه» واحمد السقا ومنى زكي «مافيا» وهاني رمزي «محامي خلع» وكل الافلام الاخرى لشعبان عبدالرحيم ومحمد فؤاد واحمد آدم وغيرهم والسؤال لماذا؟ والاجابة ببساطة ودون اية حذلقة ان اللمبي كان اكثر هذه الافلام واقعية الى حد ملامسة الايدى فالصورة الكاريكاتورية التي قدمها الممثل الشامل محمد سعد عن مشكلة البطالة المزمنة في مصر والتي يعاني منها اكثر من سبعة ملايين شاب معظمهم من خريجي الجامعات جعلت جمهورا اضافيا من الطبقة الوسطى ومن الفقراء يذهبون لمشاهدة الفيلم رغم ما فيه من سلبيات عديدة اهمها التقليدية السينمائية المستهلكة في القصة والسيناريو والحوار الذي كتبه احمد عبدالله مؤلف فيلم الناظر وعبود على الحدود وغيرها من الاعمال المتواضعة فكريا وفنيا كما ان المخرج لم يستطع توظيف امكانيات وطاقات الممثل محمد سعد بشكل تقني فجاءت حركاته في الرقص والغناء شبه ارتجالية واهمل المخرج طاقات الممثلة نشوى مصطفى وحلا شيحة وافلتت عبلة كامل بذكائها من سلبيات الاخراج كما سقط المخرج في ظاهرة النجم الاوحد كبطل للعرض فضاعت منه خيوط كثيرة اما ما كتب عن تشويه اغنية ام كلثوم «حب ايه» على طريقته. فمثل هؤلاء الكتاب هم من عبدة الاوثان بدليل ان الرقابة تراجعت وقررت تصدير اللمبي للخارج وكانت كثرة الاغاني دون توظيف درامي الخطأ الفادح ومع ذلك انا ارى ان اللمبي لممثل مغمور مثل محمد سعد افضل بكثير من امير الظلام فلماذا؟ أمير الظلام بعد فترة من الغياب عن السينما شعرت ان عادل امام يستعد فنيا لعمل كبير وقد حدث بالفعل فها هو الزعيم يقدم اعز ما يملك «ابنه رامي» كمخرج شاب على طبق من فضة كخادم أمين للنظام الحاكم ليس ذلك فقط بل ولرئيس هذا النظام الذي تأتي لاغتياله فرقة ارهابية عالمية لكن الجنرال المتقاعد من الجيش الذي اصيب بالعمى ليس بسبب المعارك والعمليات الحربية وانما لانزلاقه على قشرة موز في الملهى الذي يراقص فيه قبل العمى وبعده الحسناوات والجميلات وقد اختار شيرين سيف النصر لتكون العنصر التجاري الجميل في مشاهد مفتعلة من القبلات والاحضان والضرب على مؤخرتها وكأنه لا يوجد للفيلم نص ولا مؤلف وبعد ذلك يستطيع الزعيم اقصد الجنرال الاعمى ان يحلق بطائرة حربية مع حبيبته وفني بالمطار فوق القاهرة في مشهد طويل ثم يهبط في مكان عام دون اية كوارث واخيرا يقوم هذا الجنرال الاعمى بانقاذ حياة رئيس الجمهورية واحباط خطة الاغتيال عندما يقضي تماماً بعدة حركات بهلوانية من السينما الساقطة في هوليوود على اعتى عصابة ارهاب دولية مدججة بالسلاح ومكونة من سبعة مجرمين عالميين. انها فنتازيا من النوع المسف وكاوبوي مصري يستعد للاعتزال وقد نشر العديد من الصحف خبراً عن اكتئابه الشديد لفشل هذا الخفاش الليلي غير القادر على اصطياد اي فريسة. صاحب صاحبه سقطة سينمائية جديدة لهنيدي واشرف عبدالباقي وهذا الفيلم نسخة ممسوخة ومشوهة من فيلم قديم لعادل امام وسعيد صالح بعنوان: سلام يا صاحبي مع الفرق الكبير في التأليف والتمثيل والاخراج فالقصة فكرة ضالة وقديمة والنص مترهل لانها تدور حول صديقين احدهما يعمل في الخليج والآخر مقيم في بلده مصر ويحاول بألاعيب وحيل سينمائية كوميدية ان يستبقي صاحبه في مصر عندما يذهب للاجازة والمبرر هزيل هو رعاية امه التي يرعاها نيابة عنه في غيابه لها طرح درامي حقيقي ولا موضوع او قصة تستحق السرد ولا تحمل اي احداث او صراعات او تطرح مشكلات حقيقية ولكن البديل في مصر للمسافرين في الخارج يجده هنيدي عند رجل اعمال يملك مزرعة للبجع ويحب ابنته الجميلة فيقنع صديقه بأنه سيتزوجها وسيعمل الاثنان في تلك المزرعة.. مواقف كوميدية معادة ومكررة وغير مضحكة بالمرة بل وجدتها ثقيلة الظل وفيها من السذاجة ما يجعلك تشفق على الكوميدي الاول في مصر «هنيدي» ومحاولات صبيانية من اشرف عبدالباقي لاستجداء الضحك من المشاهدين. انه الفن التجاري بعيداً عن المعنى والمغزى والدلالات والاسقاطات والطرح الجريء لقضايا حقيقية ساخنة ومشتعلة ولهذا اطاح اللمبي ايضا بهذا الفيلم الهابط! مافيا فيلم من بطولة احمد السقا ومنى زكي كثنائي سينمائي حقق النجاح والنجومية في السنوات القليلة الماضية لكن «مافيا» كوكتيل من افلام الجاسوسية والوطنية وبهارات وتوابل عن احداث الارهاب ومنظماته في العالم واقحام اسماء لها شهرتها العالمية في الدين والسياسة مثل البابا وكوفي عنان وغيرهما والحديث عن المخابرات وعصابات ارهابية خارج مصر تمارس القتل والتصفيات الجسدية لاعدائها داخل مصر مسألة طويلة عريضة وقصة هلامية الابعاد والاهداف لكن الفيلم يعزف على الية الاكشن والغناء والكوميديا كعناصر جذب واستثمار حيوية وخفة الممثل احمد السقا بطل العرض في النط والقفز من على الحبال الى اعماق البحر ومفردات ولغة سينمائية رديئة الصنع ولهذا لم يصمد كثيرا فيلم مافيا ايضا امام اللمبي!! محامي خلع آخر هذه الافلام بعنوان «محامي خلع» من تأليف الكاتب المخضرم وحيد حامد واخراج الشاب محمد يس ومن بطولة الممثل هاني رمزي ككوميدي جديد مع الكوميديان المخضرم وحيد سيف الى جانب حنان ترك وحسن حسني القاسم المشترك الاكبر في كل افلام الشباب والوجوه الجديدة مع داليا البحيري وعلا غانم. وقد توفرت لهذا الفيلم بعض العناصر التي كان من المفترض ان تؤهله للتصدر واعتلاء القمة اولا لانه للكاتب المتميز وحيد حامد والقضية المطروحة بالفعل ساخنة جدا في مصر منذ سنوات وتتميز بالحساسية لانها قضية دينية ولها ابعاد اجتماعية معاصرة ووجود نجمين للكوميديا احدهما شاب هاني رمزي والثاني من جيل الستينيات وحيد سيف يمنح المخرج الشاب فرصة التطوير والتجديد في الأداء السينمائي وكذلك الاستفادة من مدارس الكوميديا القديمة لكن المفاجأة جاءت من كاتبنا وحيد حامد الذي فضل استثمار قضية الخلع ليعزف عليها لحناً مضحكاً وفضل الهروب من الباب الخلفي واتكأ تماماً على ان الفيلم لا يهدف إلا للضحك بعيداً عن الطرح الجاد والعميق لقضايا المرأة بشكل عام وفوت وحيد حامد فرصة ذهبية للابحار ضد التيار وأوجد شخوصا حقيقية وواقعية كان يمكن ان تعطي للفيلم زخما فنيا وتشد انتباه الناس بشكل لافت واكتفى بالسخرية من المرأة التي ارادت خلع زوجها لانه «يشخر» بصوت عال ومزعج وهو نائم ومشكلة هذا الفيلم الحقيقية من وجهة نظري ان وحيد حامد بعد عادل امام يسعى بقدميه الى هؤلاء النجوم الجدد كبديل للزعيم بينما الصحيح ان يسعى اليه مثل هؤلاء الجدد ليستفيدوا من خبراته ونصوصه وافكاره وقد اعترف وحيد حامد انه ارسل احد السيناريوهات «ديل السمكة» للممثل محمد هنيدي ولم يكلف هنيدي نفسه عناء الرد على وحيد حامد وما اختلف فيه بشدة ما كتب عن ارتداء المذيعة التي تقوم بالتمثيل في الفيلم للمايوه وكأن المايوه لا يلبس إلا في الغرف المغلقة بينما شواطيء العجمي ومارينا والمعمورة مليئة بالنساء اللاتي يرتدين المايوه البكيني. إن سلبيات هذا الفيلم اكثر من ايجابياته لذلك سقط ايضا جماهيريا امام اللمبي. بهجة الساحر بداية أفلام الصيف كانت لمحمود عبدالعزيز ورضوان الكاشف في فيلم الساحر وقد يكون هذا الفيلم الأقل في الايرادات من كل افلام الصيف لكنه بالتأكيد افضلها فكريا وفنيا رغم بعض السلبيات التي اراها في اختيار «الماشطة» وهي المرأة التي كانت تقوم بتجهيز النساء للعرس وهي مهنة قديمة انقرضت لان اي شارع في مصر لا يخلو من وجود كوافير رجالي وحريمي وكذلك العزف على العربة الكارو بينما اصبحت «البيك آب» تملأ الحواري في كل احياء مصر والاغنية الصاخبة لمحمود عبدالعزيز عادي في المعادي وكذلك في الزمالك لا تتناسب وايقاع الفيلم وآلية السرد ولغة رضوان الكاشف السينمائية ولكن الفكرة جيدة جداً لأنها تكشف ببساطة ان الفقير المعدم يريد المال من الاثرياء بينما هذا الثري يريد من الفقير شرفه وكرامته، وفيلم بهذا المعنى كان من المفروض ان يتصدر شباك التذاكر في الزمن الجميل، أما في هذا الزمن فإن مثل هذه الأعمال قد تخسر ويندم منتجوها، ولهذا رحل الكاشف في أحزان البنفسج بينما ترك لنا بهجة الساحر رغم صعوبة الزمن الآني! ملاحظات بعض الملاحظات التي اود عرضها بسرعة، وهي ان هذه الأيام الصيفية الجديدة مليئة بالمواهب من الممثلين والممثلات، لكن تنقصهم الثقافة كاطار عام يتحرك من خلاله الفن ولهذا لم يستطع أحد منهم بعد ان يفهم ان السينما ببساطة شديدة هي صناعة وليست ملاهي أو كباريهات، وان السينما تاريخ فني خالد إذا كانت الصناعة متقنة، بينما هي أعمال مخلة بالأدب والذوق الفني إذا كانت هشة وتجارية بحتة ومجرد بحث عن عمل وجمع المال. وأخيراً فإن الفن السينمائي الجيد بالضرورة يحقق مكاسب مالية عالية إذا اتكأ على الرقي والرصانة والابداع الحقيقي في التأليف أولاً وفي الاخراج والتمثيل ثانياً.