شاءت الظروف ان تكون عودة الفنان عبدالرحمن أبوزهرة الى خشبة المسرح القومي على يد لينين الرملي بعد غياب استمر حوالي خمسة عشر عاما، وهو نفس المؤلف الذي قدم معه للمسرح الكوميدي عرض «اللهم اجعله خير» منذ ثماني سنوات واخرجه محسن حلمي أما اخر عروضه للقومي فكان منذ 15 عاما بعنوان «لعبة السلطان» تأليف د.فوزي فهمي واخراج الراحل نبيل الألفي. الجديد هذه المرة ان أبوزهرة عاد للقومي كنجم متعاقد وليس موظفا بعد خروجه على المعاش منذ أكثر من عامين والطريف أنه الوحيد المخضرم الذي يشارك في العرض وسط مجموعة كبيرة من الشباب مثل مصطفى شعبان ولقاء الخميس وسامح الشجيع ونور ومحمد الدسوقي. يجسد أبوزهرة في هذا العرض شخصية «سيد فطيس» الشاعر الشيوعي المثقف المتمسك بقيمه ومبادئه والذي يلتف حوله الشباب من كل الطبقات ويتخذونه مثلا اعلى رغم ملابسه الرثة ومظهره البائس. يعيش سيد فطيس على هذه المبادئ الى ان تتغير الظروف الاقتصادية والاجتماعية فيغير جلده ويسعى لكسب ود رجال الاعمال الكبار لكي يستفيد من صحبتهم ويتخلى عن دوره وكتبه وهو ماسبب صدمة للشباب الذين آمنوا بأفكاره وأحبوا اشعاره وشعاراته، وعن هذه التجربة يقول أبوزهرة: أنا وافقت على العمل أولا لانني كنت مشتاقاً جدا للوقوف على خشبة المسرح القومي والاستمتاع بهذا الصرح الشامخ الذي قضيت فيه أربعين سنة من عمري، بصراحة المسرح القومي وحشني جدا ولم أكن أتصور أبدا ان ابتعد عنه كل هذه السنين ولكن عندما تلقيت نص مسرحية «تحب تشوف مأساة®. بالطبع لا هأهأهأ» اعترضت على اسم المسرحية ولم اتقبله بسهولة، يعني تقدر تقول عمل لي صدمة لكني وجدت الشخصية التي أجسدها مشجعة على قبول النص وخاصة انني اتهمت من قبل بالشيوعية وعانيت من هذه التهمة سنوات طويلة. كما ان تجربة العمل مع الشباب في حد ذاتها كانت دافعا اخر على القبول والحمدلله ان الجمهور تجاوز مسألة الاسم الغريب للمسرحية وبدأ الاقبال على العرض بشكل ملحوظ. ـ مشوار الفنان عبدالرحمن أبوزهرة الذي قارب على 43 عاما من أين بدأ؟ ـ البداية كانت مجرد حب لهذا الفن الجميل منذ أيام الطفولة من خلال مشاهدة الافلام السينمائية، ولم تكن هناك اية علاقة أو حتى حلم بالاتجاه للفن فأنا من مواليد محافظة دمياط وانتقلت الى القاهرة وعمري ست سنوات مع والدي الذي كان يعمل مدرسا وعشنا في شارع الجيش بالقرب من ميدان باب الشعرية وكانت هناك سينما شهيرة نذهب اسبوعيا واحيانا كنت اذهب اليها يوميا في أيام الاجازات الى ان بدأت موهبتي الفنية تظهر في مدرسة خليل اغا الثانوية فقدمت من خلال المسرح المدرسي مجموعة من العروض على نصوص عالمية وحصلت في احداها على الجائزة الذهبية من الملك السابق فاروق باعتباري الممثل الأول على مستوى المدارس الثانوية وبسبب هذه الجائزة فكرت جديا في احتراف التمثيل والالتحاق بالمعهد العالي للفنون المسرحية ولكن شقيقي الأكبر رحمه الله كان له تحفظات على هذه الخطوة واقترح علي ان التحق بالجامعة واحصل على مؤهل عال وبعد ذلك يمكن ان التحق بالمعهد وبالفعل التحقت بكلية الآداب وتخصصت في اللغة العربية بهدف اكتساب مهارات وخبرة في اللغة العربية تساعدني في مجال التمثيل، ولم استطع الانتظار حتى انهي مرحلة الدراسة بالكلية فالتحقت بالمعهد في نفس الفترة ودرست اللغة العربية والتمثيل معا فكنت أذهب للكلية صباحا والى المعهد بعد الظهر. ـ ومتى انضممت للمسرح القومي؟ ـ بعد ان تخرجت في المعهد العالي للفنون المسرحية عام 1958 تقدمت مع مجموعة من زملائي في الدفعة للالتحاق بالمسرح القومي وبالفعل تم تعييننا عام 1959 وكان من بينهم الفنانة عايدة عبدالعزيز وعبدالسلام محمد وكنا كمجموعة شباب نجلس لنتابع أعمال عمالقة المسرح الذين كنا نسمع عنهم ونشاهدهم، ولكن مسألة الانتظار استمرت فترة شعرت فيها بالقلق من دور المتفرج الى ان جاءت أول فرصة للوقوف على خشبة المسرح القومي في مسرحية «بداية ونهاية» فقد مرض الفنان كمال حسين فجأة وبحثوا عن ممثل ينقذ الموقف ووقع الاختيار علي وكان من حسن حظي انني أحفظ الدور تماما لأنني كنت اجلس كل يوم في الصالة لأشاهد العرض وجسدت شخصية حسنين بطل المسرحية واثار ادائي إعجاب الجمهور والنقاد وبدأوا يتساءلون عن هذا الممثل الجديد وكانت هذه هي نقطة الانطلاق بعدها قمت ببطولة العديد من المسرحيات مثل دموع أرملة وتاجر البندقية وزهرة الصبار والمحروسة ودون جوان والجنس الثالث والقضية ووجدت هذه العروض نجاحا كبيرا وهي التي صنعت اسم أبوزهرة في الستينيات. ـ ولماذا توقفت هذه الانطلاقة في السبعينيات وهل انضمامك لحزب التجمع المعارض كان له اثر في ذلك؟ ـ بالتأكيد انضمامي لحزب التجمع اثر سلبا على مستقبلي كفنان لأنني فوجئت بأنني محاصر فنيا ومستبعد من كل الاعمال لمجرد انني عضو بالتجمع، واتهمت بانني شيوعي رغم انني لم أكن ابدا شيوعيا، أنا فقط رجل مؤمن بالاشتراكية وكان حزب التجمع في تلك الفترة هو الاقرب لميولي باعتباره الحزب الذي ينادي بالاشتراكية والعدالة الاجتماعية، وللأسف اغلقت امامي جميع الأبواب ومع ذلك لم اتراجع عن موقفي لانني لا اخطو خطوة الا وانا مقتنع بها وراض عنها تماما ولذلك فكرت في السفر للخارج وكان وقتها الباب مفتوحا على مصراعيه في الخليج لانتاج اعمال درامية كثيرة لملء المحطات التلفزيونية وقدمت هناك مجموعة كبيرة من المسلسلات والسهرات وكنت ضمن المجموعة التي اطلق عليها وقتها الطيور المهاجرة وكانت هذه المجموعة معروفة في الخليج أكثر من مصر. ـ هل ندمت على هذه الفترة؟ ـ اطلاقا، أنا كنت مقتنع بما أفعل، صحيح كانت فترة عصيبة لكن السفر للخليج عوضني عنها، وكانت فرصة للاحتكاك بمجتمعات مختلفة وصداقات جديدة، وبالعكس كانت هذه الفترة تتميز بالتوهج وقدمنا فيها اعمالا رائعة. ـ لكن زملاء هذه المرحلة سبقوك في العودة للدراما المصرية؟. ـ معظم الزملاء شاركوا في اعمال ناجحة مثل ليالي الحلمية والشهد والدموع ورأفت الهجان ولم يكن لي حظ فيها ولكن كان لي اهتمامات اخرى معظمها متجه صوب الاذاعة التي اعشقها واقدم فيها منذ 16 عاما برنامج الاطفال صندوق الدنيا وألف ليلة وليلة ولا يمنعني عنهما اي عمل اخر، بل انني ارفض اي ارتباطات تعطلني عنهما وغالبا مايكون التسجيل يوم الجمعة، ظل هذا الاهتمام بالاذاعة مستمرا مع تقديم بعض الأدوار في اعمال تلفزيونية الى ان جاء مسلسل لن أعيش في جلباب أبي مع المخرج أحمد توفيق زميل الدراسة الذي قلب كل الموازين وأدخلني الى مجال الدراما التلفزيونية من أوسع الأبواب. ـ هل تعتقد ان دور المعلم ابراهيم سردينة في مسلسل لن أعيش في جلباب أبي كان اعادة اكتشاف بالنسبة لك؟ ـ بالتأكيد فقد كان هذا الدور نقطة تحول في حياتي وفوجئت بعد هذا المسلسل أن ماقدمته طوال حياتي شئ وماقدمته في هذا المسلسل شئ اخر، سواء على مستوى الجمهور أو النقاد ورغم ان المسلسل عرض منذ حوالي خمس سنوات الا ان الجمهور حتى الآن عندما يقابلني يناديني بالمعلم سردينة وبصراحة لم أكن أتوقع كل هذا النجاح لكني سعيد به. ـ رغم هذا النجاح لماذا لم تحصل على جائزة عن هذا الدور؟ ـ للأسف الجوائز لا تذهب الا للبطل الأول فقط ومادون ذلك لا يدخل في حسابات القائمين على المهرجانات التلفزيونية، وبنفس القياس لم أحصل على جائزة عن دوري في مسلسل نحن لا نزرع الشوك رغم انني قدمت دورا لا يقل قيمة عن المعلم سردينة وهو الرجل الطيب الذي ينتشل سيدة من الضياع ويتزوجها ويؤمن لها مستقبلها، الجائزة الوحيدة التي حصلت عليها كانت عن دوري في فيلم أرض الخوف من جمعية الفيلم كأحسن ممثل دور ثان كما حصلت على جائزة أوسكار ART عن نفس الدور أيضا، وعلى فكرة موضوع الجوائز لا يشغلني كثيرا، كل مايشغلني هو الشخصية التي أجسدها، كيف أجيدها واجعلها تترك صدى جيداً عند الجمهور وطبعا هذا افضل عندي من أي جائزة. ـ ألم يحلم الفنان أبوزهرة بالنجومية؟ ـ طبعا كل فنان اختار التمثيل مهنته لابد ان يحلم بالنجومية وداخل أي فنان مساحة من النرجسية تدفعه لتحقيق النجومية، وعليه أن يوظف هذه المساحة في الاتجاه الصحيح فيجتهد فيما يقدم حتى لو كان الدور صغيرا لان الفنان يمكن ان يكون نجما ويحقق أمجاده من خلال أدوار صغيرة، أنا شخصيا مقتنع بمقولة انه ليس هناك دور كبير ودور صغير ولكن هناك فنان كبير وفنان صغير، وأنا مقتنع بأن الأدوار الصغيرة هي التي صنعتني. ـ ترددت شائعة في الفترة الاخيرة عن اعتزالك بعد ان شاهدك الناس في مسجد السيدة نفيسة مرات عديدة؟ ـ علاقتي بمسجد السيدة نفيسة علاقة روحانية، فأنا أشعر براحة نفسية كبيرة عندما أصلي هناك بجوار ضريحها وأنا مثل الآلاف من مريديها الذين يترددون بانتظام على المسجد ولكن ليس معنى ذلك ابدا انني افكر في الاعتزال، فأنا ليس لي عمل اخر غير التمثيل، ولا أجد فيما أقدمه مايدعو للاعتزال فأنا أقدم فنا راقيا محترما لا أخجل منه. ـ ولماذا لم يسمح الفنان أبوزهرة باتجاه ابنائه للتمثيل؟ ـ أنا لم أتدخل في اختياراتهم فابني أحمد اختار الموسيقى واصبح من أكبر عازفي البيانو في العالم، وابنتي سحر التحقت بالمعهد العالي للفنون المسرحية لكنها لم تكمل المشوار وهي التي قررت ذلك بعد ان تزوجت من زميلها الفنان مفيد عاشور، أما ابنتي أمل فقد اختارت التدريس بالجامعة وحصلت على الدكتوراه في الأدب الفرنسي