يقول عابد بن ثاني بن سيف المري (80 سنة) أن الماضي كان أفضل حالا من الحاضر، فعلى الرغم من انشغال «أهل البحر» في الغوص على اللؤلؤ وصيد السمك، إلا ان علاقاتهم الاجتماعية، كانت أكثر ترابطا وتلاحما عما هي عليه اليوم، وبات البعض اليوم يكثر الاعتذار، ويعلق تقصيره عن تلبية دعوة زيارة أو صلة رحم وتقاعسه عن أداء الواجب تجاه أقاربه بأمور العمل، وتعدد رقعة مسئولياته. ولكن اليوم عندما تعزم جارك يرد عليك: «جريب الله يبجيك»، بينما كان الجار في السابق يبحث عن جاره ويحرص على زيارته مشيا على الاقدام ان لم يجد (دبشه) يقطع على ظهرها الكيلومترات. وأضاف ان منطقة الجميرا الساحلية لم تكن في ذلك الحين مأهولة بالسكان، كما هو الحال عليه اليوم بل كانت المساكن عبارة عن خيام متباعدة يفصلها عن بعضها البعض مسيرة ساعات على الاقدام، وتمر أشهر القيظ دون ان يشعر بها أحد، خصوصا على ساحل الجميرا حيث نسيم البحر، إذ لا ماء ولا كهرباء، ويرحل البعض إلى المزارع حيث يقضي فيها الصيف، حتى اذا حان أوان الغوص عاد. كما كانت المساجد عامرة بالصغار والكبار، بعكس اليوم حيث لا يرتادها سوى كبار السن وبعض من رحم ربي، اما المساكن فكانت تبنى من (الدعون) اغصان النخيل، والسعف، وكان الرجل لا يملك في افضل حالاته أكثر من 10 روبيات، ويكافأ الغواص ان كتب له فيما استخرجه من محار دانة ب40 روبية. وكان في دبي سوقان على ضفتي الخور من جهة ديرة، وبر دبي، ويمتد من البنك البريطاني إلى الرفاعة، وكان هناك سوق (البانيان) عند العبرة، وكان من تجار السوق في تلك الايام المرحوم عبيد بن حزيم، وابراهيم الخياط الذي كان يتاجر بالجاكيتات التي يحرص الاهالي على اقتنائها أيام الشتاء، وارتدائها في الاعياد والمناسبات. وكنا نرمض في ايام الصيف ويغسل احدنا وزاره ويضعه على جسمه لتلطيف الحرارة وينام، وكان البعض من سكان ابوظبي يحرص على قضاء الصيف معنا، وكانت مزارعنا مفتوحة على بعضها وليس ما يمنع أحدا من دخولها، فاذا حان موسم الحصاد تقاسمناه مع اصدقائنا وأقاربنا، وكذلك الحال عندما ننهل من ثراء البحر سمكا، حيث لم يكن ايامها من يشتري السمك ولا من يتاجر بمحاصيل المزارع. وإذا مرض احدنا بحث له الآخرون عما يشتهي أكله، فالمريض عادة ما يعزف عن الطعام المعتاد، وتستهوي نفسه أكلة معينة أو ثمرة مثل الرمان وما شابه ذلك. وعندما نشبت الحرب العالمية الثانية انقطع عن المنطقة الارز وسائر انواع المؤونة، فلجأ الأهالي إلى نبات السيداف يخلطونه بحبوب القمح، ويضرب إلى ان يصبح عجينا. ولان الغوص كانت المهنة الرئيسية التي يقتات منها سكان المنطقة فقد حاولت في بدايات حياتي ان ابحث عن عمل في السعودية بعد ان حظي الكثيرون على فرص عمل هناك، ولانه لم يكن العمل بجوازات السفر قد بدأ عندنا فقد تقدمت بطلب خطاب هو بمثابة تأشيرة الدخول تقدمت به مع 9 آخرين من رفاق السفر إلى بن مزينة، بمقابل 100 روبية، وأمضاه عبيد بن جمعة الكعبي. وكان من بين من دعيت لمرافقتي إلى السعودية أحمد بن عبيد بن مسحار وكان شاعرا، غير انه رفض ان يقدم على هذه الخطوة، وانشد يقول: ناكل السيداف والغاف من دارنا ما هوب يالين لو يومنا بيعد بآلاف للمملكة ما هوب عانين! وبعد 10 أيام من السفر وصل بنا المركب إلى شواطئ الدمام، ونزلنا في منطقة الخبر، وما هي إلا أيام حتى تلقت السلطات السعودية برقية من المغفور له الشيخ راشد بن سعيد تدعو إلى ضرورة عودة المقيدين في رسالة عبيد بن جمعة الكعبي إلى ارض الوطن، وذلك للحد من الهجرة إلى خارج الوطن، وبالفعل فقد استقلينا المحمل، وفي طريق العودة كان موسم الغوص قد شارف، فعرجنا على البحرين حيث خرج معنا مجموعة من الرجال، وبعد مضي شهرين قفلنا عائدين إلى الديار لنشتغل في مهنة صيد السمك. وكان لوالدي محملان لأسفار الغوص على اللؤلؤ، ومن بعده سيطرت على الخشب، وكنت مسئولا عن 25 فردا في البيت، وكانت المحامل تصنع محليا بتكلفة تتراوح ما بين 250 إلى 300 روبية يتم اقتراضها في الغالب، وتوفى قيمتها من ثمن بيع (القماش) اللؤلؤ إثر العودة من رحلة الغوص، حيث كان يخرج من دبي ما بين 300 إلى 400 محمل للغوص على اللؤلؤ، وكان كبار تجار دبي من امثال الفطيم، وجمعة الماجد، يقتاتون من هذه المهنة. وكان بحارة المحمل يتعاملون مع بعضهم البعض اثناء رحلة الغوص كأنهم اسرة واحدة وجسد واحد وكانت هذه الاسرة تتكون من النوخذة وهو صاحب الامر والنهي والذي يقوم بتقسيم الارباح على الغيص وفي بعض الاحيان كان النوخذة هو صاحب السفينة وفي أحيان اخرى يعمل النوخذة لدى صاحب السفينة اما الغواص فهو يقوم بأشق الاعمال وهو الغوص في الاعماق تحت الماء معرضا نفسه للاختناق ويعاونه في عمله (السيب) الذي يقوم بجر حبال الغواصين وسحبهم من المياه ويراقبهم اثناء الغوص وهناك (المجدمي) وهو الشخص الذي يتولى امور المعيشة على ظهر السفينة واما (الرضيف) فيقوم بمساعدة الغواص. ويستطرد مشوار ذكرياته في عالم الغوص واللؤلؤ قائلا: كنا لا نعرف الاستيراد لادواتنا التي نستعملها في الغوص حيث كان رجال الغوص يستعملون ادوات يدوية مصنوعة بالكامل محليا في الديرة وبأيدي ابنائها الذين احترفوا العمل اليدوي!! فهذه كانت بداية الصناعة الوطنية. وكان يحرص بن عويش وهو من (الطواويش) على زيارة نواخذة محامل الغوص في عرض البحر ليشتري منهم محصولهم من الدانات، ولكن اصحاب المحامل التي لا تزال رهن القروض لم يكونوا يتعاملون معه حتى يصلوا في نهاية الموسم إلى الدائن ويسلموه حصيلة ما جمعوه، فيأخذ حقه، ويتقاسم النوخذه ما تبقى مع فريق العمل الذي رافقه رحلة الغوص. أسفار الغوص وفي بعض الاسفار بحثا عن الؤلؤ كانت المغاصات تحدد عند (صير) جزر أبوظبي مثل اليارات، العليوي، أريلة، المعترض، بو صور، العميري، بالشعرية، بالحصا، ام العنبر، بالزريع، الفلان، بالبزم، المدورة، ام الشيف، بو حصير، ام الصلصل، الحواد، حالة دلما، وكانت جميعها مغاصات ثرية باللآلئ، وكان الاهالي يحرصون على ارسال مركب محمل بالمؤونة عندما تطول بنا مدة السفر، من ماء ورز، وتمر، وخشب، وعندما تعترض طريقنا الريح ونحن في عرض البحر نخفف من الاثقال والاوزان التي نحملها على ظهر المحمل، وان كانت ماء للشرب أو زادا نقتات منه. وكان النوخذة يعرف مواقع المغاصات برمي (البلد) وهو عبارة عن ثقل مسطح القاعدة مربوط بحبل، يسقط إلى القاع، ويرفع فإذا تبين التصاق تربه على قاعدته عرف انه سقط على جرف وصخور فثبتت التربة عليه، وهو دليل انه (غيص) مغاص للؤلؤ، أما ان لم يتبين في قاعدته شيء عرف انه لم يصادف سوى قاع البحر. وقد حدث ذات مرة وان هبت الريح بعد يوم عمل شاق راح الجميع يغط في نوم عميق، ولم يوقظنا سوى رذاذ الماء المتناثر من الامواج العاتية التي راحت ترفع السفينة عاليا تارة وتخفضها إلى الاسفل تارة أخرى، وقد استمر الوضع على هذه الحال من صبيحة اليوم وحتى حلول الليل ورمينا على إثرها (الدقل) لتثبت السفينة، حتى هدأت ثورة البحر، وبلغنا ميناء دلما، وتزودنا منه باحتياجاتنا من(الزهاب) الماء والزاد. ويقول ان (حياة) والدي كان يخبرنا عن (هير) مغاص، يسمى بالزريع لا يرى بالعين المجردة من سطح البحر وكان محمل احد النواخذة يدعى البصري يقبع عنده، فسلم الوالد عليه، وقال له انت تغوص عند بالزريع، ففوجئ كل من بالمحمل بفطنته، وعندما (ضرب الهوا) هبت الريح، قطع حبل (السنة) التي يرتكز عليها محمله في البحر، فلجأ والدي إلى (البندر) الميناء، حتى ان هدأ هياج البحر وعاد إلى موضعه، وقال لصاحب المحمل (السنة) تحتكم، وبالفعل ذهب بعضهم للبحث عنها فوجدها جاثمة اسفل المركب حيث حدد المكان بدقة متناهية. ويضيف: ان الهيرات التي جلبنا منها اللؤلؤ كانت عميقة جدا ومهمتنا في البحث عن المحار والارزاق شاقة للغاية خاصة أن حياة الغواص معلقة بحبل زميله (السيب) وربما يغفل (السيب) عنه فتحدث مخاطر عديدة للغواص ولذلك كان للغواص مكانة متميزة فهو الذي يباشر استخراج اللؤلؤ من قاع البحر وكان الغواص يلقى اهتماما وحفاوة واحتراما كبيرا بين اهل الديرة كما كان يشترط في الغواص أن يكون قوي البنية خبيرا بالقاع وما به من اخطار وكيفية تفاديها فقد كان الغواصون يؤدون عملا خطيرا ويتعرضون للاسماك والحيوانات البحرية المفترسة والمؤذية وكثيرا ما كان يرى الغواص اسماك الجرجور في قاع البحر وهي تمر امام ناظريه وعندها يلجأ الى حيل كثيرة للهروب منها وتجنب هجومها وبمناسبة الحديث عن الجرجور فقد كان يطلق على الغواص الماهر لقب (الجرجور) للدلالة على مهارته وقدرته على تحدي المخاطر ولذلك كان النواخذة يتنافسون ويحاولون جذب هؤلاء الجراجير او الغواصين الماهريين للعمل في مراكبهم ورغم مخاطر هذه المهنة فقد كان اجرها بسيطا لا يتعدى قليلا من الروبيات، وجوال أرز او سكر وبعض الادوات للغوص. وفي الايام الاخيرة من حقبة الغوص على اللؤلؤ بدأ اللؤلؤ الصناعي الياباني يظهر على السطح وقد عاد المرحوم محمد بن احمد من سفره إلى الهند خالي اليدين بعد ان عرض عليهم اللؤلؤ الصناعي الياباني فلم يكسب اهتمام احد، وما ان وصل حتى اصيب بمرض وتوفي على إثره. وعرض اليابانيون على الفردان شراء (القماش) اللؤلؤ الطبيعي، وبعد ان كان كل محمل يمضي إلى رحلة الغوص يحمل على متنه حوالي 100 رجل، بدأ العدد يتناقص، تدريجيا، واصبح كل من له محمل يشتغل لنفسه، إلى ان استبدلت محامل اللؤلؤ بمراكب لصيد السمك. حياة الترحال وأفاد ان السابقين اعتادوا حياة الترحال، فإذا لم تعجب احدهم البقعة التي يقيم عليها، سواء بفعل حالة الطقس أو شح المياه، أو الامان حمل رحله وأسرته، ومضى إلى حيث المكان الملائم، ولم يكن فصل الشتاء قديما يخلو من امراض الحمى، و(الوهف) ومن الحشرات مثل الكت، والبعوض، حتى ان ام سقيم التي أقطنها سميت بذلك نسبة إلى الامراض والاسقام التي كانت تسود المنطقة في تلك الحقب. ومن بين العائلات التي قطنت المنطقة قوم الطاير، وبن ثالث، وبالعبيدة، والراعة، والعيالة، والزفين، وكنا جميعا طوائف، ولم يكن بيننا غريب، وكل يعتد بجاره. وفي وقت لاحق بدأ التوجه إلى البناء، وكان أول ما قمنا به هو تسوير الارض التي نقطن عليها بحائط، وكانت تأوي في البيت الواحد ما يتراوح ما بين 6 إلى 7 عائلات، حيث تقيم كل عائلة خيمتها، ويتشارك الجميع في شراء (الدعون) واقامة (العرشان) بيوت الخشب، والخيام، وكانت السماء تجود على هذه الارض بالمطر الذي لم يكن يقتصر هطوله على فصل الشتاء وحسب، بل حتى الصيف كان له نصيب من العطاء، وقد كانت لنا خيام في تلك الايام، ومن شدة السيول التي توالت على مدى اسابيع نبت عليها (عرايين) نبات يعرفه أهل الصحراء، وكان البعض يأكل الظب، ويحتفظ بسلاح لصيد الطيور، ونصطاد في الجولة الواحدة ما بين 40 إلى 60 طيرا. وتشكلت فيها بدايات تجارة السمك، حيث كان السمك يملح ويجفف، ويباع في اسواق العين بعد ان يمضي على ظهور الابل مسيرة 8 أيام، ونمضي أشهر القيظ هناك، ونقفل عائدين إلى ديارنا بالرطب والتمر. وبدأنا نستأجر (بيادير) عمال للعناية بالمزارع، والمتاجرة بمحاصيلها المتواضعة، كما كان البعض يتاجر بالرقيق، وكان الخادم يشترى بين 30 و35 روبية، وفي ايام الاستعمار الانجليزي، حدد الانجليز منطقة الحطبة بالشارقة لعتق العبيد، وكان كل من هرب من سيده وبلغ تلك المنطقة، اصبح في قيد الاحرار، وكان لدينا في آخر الايام 6 عبيد يعاونوننا على نصب الخيام، وحفر الآبار، وسقاية المزارع، إلا انهم هربوا جميعا، إلى تلك المنطقة، وما هي إلا أيام حتى عاد بعضهم فعمدنا إلى بيعهم على الفور. وتمثل مجالس (الفريج) في رمضان احدى السمات البارزة لمجتمع عالم الغوص واللؤلؤ حيث كنا نعرف بعضنا بعضا ولا يتخلف احد عن حضور (المرمس) المجلس وخاصة رمضان وكنا نتحدث في مجالسنا بكافة امور حياتنا ويسأل الجار عن جاره والحاضر عن الغائب ونتداول فيها مختلف القضايا. وكانت (المرامس) المجالس عامرة بأهلها رجال الحي ويسودها الاخاء والتراحم والتعاون فيما بين ابناء (الفريج) على حل مشاكلهم ورغم قلة الاوزان بالماضي الا انه لم يكن بين ابناء الفريج فقير ولا محتاج. وقال ان المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم طيب الله ثراه سيظل احدى العلامات الفارقة فى تاريخ دبي الحديث تماما مثلما سيظل اسما يتعالى فى تاريخ دولة الامارات وعلوه يصنع من نور ذلك لان رحلة دبى باتجاه التطور والازدهار ترتبط بعلاقة روحية خالصة بين كل حبة رمل على أرض الامارة وروح سموه عليه رحمة الله. وتحدث عن النعمة الكبرى التي منحها الله عز وجل لابناء الامارات وهي تولي صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة مقاليد الحكم ويقول: جاء زايد الخير فكثرت الارزاق ومنح ابناءه المواطنين كل شيء ولم يبخل علينا بالمال ولا بالعلم ووفر لنا المسكن، المعاشات، المزارع، المدارس والعلاج بل منح الشباب منحة الزواج حتى يساعدهم على الاستقرار فنسأل الله له العمر الطويل. حوار : خالد درويش