في الفجرية تعالى وشيش اللوري قادما من بعيد فأيقظ الجميع في «نزل المصاروة» سٌمي النزل هكذا وبالوقت صار يأوي بشرا من كل جنس. هو لا أكثر من شبه الأسطبل.. ساحة تجاورت فيها المراتب والأمتعة. أسرع الرجال يلملمون أشياءهم في صرر. وقبل أن يكتمل صحوهم كانوا جالسين في صندوق اللوري يدخنون ويفكرون بيوم أسود جديد. أحصاهم كاتب الأنفار وسجل أسماءهم وأحكم السائق إغلاق باب الصندوق. وانطلق الركب الذليل قاطعا صمت الفجر بخبط جوانب اللوري الذي كان ينشال وينحط مع انبعاجات الطريق.وهم يتخبطون ويتشبثون وتضرب أيديهم الهواء. وحيث ينحرف اللوري يظهر من بعيد تجمع بيوت قليلة على الطريق. هناك يتوقف للحظات ريثما يقفز بعض رجال جدد إلى الصندوق، حتى إمتلأ بالرجال والوجوه الصفراء الذابلة، والصور. جيء بهم من شتى فجاج الأرض. من يد إلى يد. ومن عربة إلى ظهر سفينة إلى طائرة إلى عربة، في كل مرة ينادى فيهم فيترصصون صفوفا غير التي كانت. حتى تسلمتهم اليد الأخيرة هنا. وما بقى عليهم سوى تسليم الجوازات وتعقب إشارات اليد الأخيرة إلى هنا وهنا فيكون الرزق. ثم كلمة من هنا وكلمة من هناك، صارت لهم لغة منطوقة تساندها إشارات الأيدي وإيماءات الوجوه في خليط عجيب يصل ما بينهم. الله يهون دي غربة.. ولا هم الدنيا فلوس. ريالات مصري..دولارز.. مصاري. قال أحدهم ضاربا فوق جيبه.. «عاشت الأسامي يا سي بارتللو» وأشار بسيف يده في الهواء علامة السفر.. «منين بلد.. فاميليا؟». ـ فلبينو. ـ أجدع ناس. ابتسم البعض للبعض، وسريعا تآلفوا. وراحوا يرددون أسماء لبلدان وأشخاص وموانئ وأرقام رحلات وينتسبون إلى وقائع مؤلمة قريبة وبعيدة.وكأن أبا الناس كلهم واحد، وأمهم واحده معروفة. ومسالكهم واحدة. وحوادث الدنيا واحدة مكرورة. هي أن يموت أحدهم أو تنزل بآخر مصيبة. سرت الألفة ونفدت السجائر. أحكموا لف الشيلان ضد لفحات الهواء البارد. وضد زغب الزهور البرية الصفراء المشوكة يذروها الهواء في الوجوه والأقفية. وحولهم يشق اللوري المدى العريض صحراء قاحلة موحشة إلا من كرات باهتة الخضار وأعشاب ضالة كثيفة الشوك. أما الأفندي كاتب الأنفار فكانت جلسته دائما إلى جوار السائق الهندي انشغل خاطره بصور شتى حملها صوت أم كلثوم من مسجل العربة.. الله ياست.. وارتسم لعينيه مشهد حفلة مزدحمة بالرجال والنساء بملابس السبعينيات المميزة. نساء بدينات مصبوبات في تاييرات بيضاء بصف زراير كبيرة وعقود ذات حبات كالبندق. وشعور مصففة على ذات النحو تحتها وجوه سمينة مبتسمة. أما أكمام التاييرات فتنحشر فيها سواعدهن الى ما تحت الكوع. رقابهن ممتلئة تحيطها تقويرة صدر التايير.. واصابعهن التي تصفق ملأى بالخواتم، الى جوارهن رجال هم ايضا على نحو واحد نحاف في الزي الرسمي. السجائر بين اسنانهن يبتسمون فتظهر عظام الوجنات كظلال غائرة. شواربهم كثيفة وشعورهم قصيرة، يرفعون ايديهم بالتصفيق فوق رؤوسهم اظهارا لحماسهم العاطفي. منهم ذو المنصب وقليل الشأن والحكام، يجمعهم (جددت حبك ليه، وأكاد أشك في نفسي لأني أكاد أشك فيك وأنت مني، وطوف وشوف جمال النيل وآمن بالمحبة والسلام.. والله ياست). زمن راح وزمن جاء.. وتغيرت المدن مثلما تتبدل طباع النساء. القاهرة مدينة حقيرة.. ليس بالضبط، إنما امرأة تظل تداعبك بالأحلام دون أن تمنحك شيئا. (2) ها قد جئتك بالمال فبأي طريقة سوف تحترمينني؟ في الطريق من المطار الى قلب القاهرة واحشائها، شخصت له حياته كلها. لسنوات طويلة ظن انه يعرف هذه الشوارع وعمائرها ذات البواكي. الأضواء والسيارات والكباري وزحام الشوارع. غير انه ينفذ اليوم الى نخاعها الحقيقي حيث كل شيء يتم نفيه واحلاله بغيره في هدوء. بدت له القاهرة في الليل سفينة عملاقة شائخة تتلألأ بالنور. تتكسر كل يوم، قطعة فقطعة في عرض البحر من غير أن تنطفئ عقود النور حول أبنيتها وأبراجها. يتهشم منها كل يوم ضلع، ويمارس كل ناج حياته في ذات مساحة سقوطه. متعلقا بعارضة خشبية، وباحثا حوله عن الفرصة الكاملة للإفلات. ومتكيفا كل حين مع قانون المدينة الجديد. وان فقد العارضة فعليه ـ من غير ان يخجل من ذلك ـ أن يخطفها من غارق اخر انها السرقات الهادئة المحاطة بالابتسامات والايماءات المهذبة، والاعتذارات الكثيرة التي لا لزوم لها. في كافتيريا المطار سألته مريم قبل أن يغادر الى الطائرة: ـ هل لك عمل مضمون تسافر لأجله! ـ أنا وظروفي.. ثم انني هنا ليس لي عمل. ـ لماذا كنت تقود المظاهرات وتعرض نفسك وعلاقتنا لكل هذه المتاعب؟ هل كنت تقبض أجرا؟ ـ أجرا؟! انه مقاومة للظلم، لما ينوي السادات أن يفعله بنا جميعا. ـ وهل كان عبدالناصر يفعل شيئا آخر؟ أنا لم أعش في أيامه سوى طفولتي الأولى أيها العجوز وأسمع من أبويّ عنه كلاماً طيبا. ألقت عبارتها بصوت يرتعد من البرد بهمهمة لعوب. لم تفلح شخصيتها الصارمة ولا استقامة حياتها أن تحجب الأنثى فيها بصورة تامة. وكان أقل من هذا كافيا لتحريك فتى مفصول من الجامعة ومطارد من البوليس. نزع عاطفته عن قلبه مثلما تقشر ثمرة الفاكهة. قال لها ان السادات يكره مصر والمصريين. وأن عبدالناصر مثله مثل ملايين المصريين الطيبين لم يفكر بأن عليه ألا يستخف بأي شخص حقير الشأن، فمثله يكون ممتلئا بالشر. وفي هذه المرة لن يؤذي الشر شخصا أو أسرة أو قرية.. بل وطنا كاملا. ـ لكنك لم تقل لي.. أليس النضال ضد الظلم عملا يدفع عنه أجر! ألم يكن لمصطفى كامل وسعد زغلول وعبدالناصر نفسه رواتب عن نضالهم. لم يدر كيف يشرح لها الامر غير انه ادرك لحظتها ان مريم تنتمي الى الزمن الجديد. وانها من جيل ينتسب بكليته الى زمن يتم زرعه في الضمائر.. فلكل شيء ثمن، ومن غير ان يشعر أحد أن ثمة خطأ اقترب موعد الطائرة فودعها وفي نيته ألا يعود مهما وعد ومهما ضحكت تلك الضحكة التي تحرك قلبه الى الحياة. ـ لا تنس ان تكتب لي. أشارت الى القلم في جيب قميصه كانت أهدته اليه ليكتب به أشعاره.. قلم حبر، مدركة بأن ليس هناك كاتب غير مولع بالاقلام.. الحبر منها بالذات. ومن ناحيته كان يتحسسه ويذكر بفرح قديم قلم الأبنوس والتروبن. وكيف ينضغط الورق تحت السن الذهبي، فيعطي احساسا لا بأنه يكتب كلمات، انما بفن الحفر، أو يعوقه شمع الورق فيكابد في ضغط السن واظهار حرف ضائع أو نقطة مراوغة قد تذهب بالمعنى على عكسه كان ما أمتع طقوس تنظيفه وتحميمه وملئه بالحبر.. قلم فضي ثمين وثقيل يتلقى عن القلب نبضة فنبضة. به سيقاوم غربته مثلما قاوم به قبل السفر شعوره بالانحطاط كمصري في بلده. كل مطالبه هو أن يسن حواسه من أول ولوجه باب المطار وحتى عودته من جديد. فيأخذ باله الى وجوه البشر والى الأخوة التي تسقط حواجز اللون والعقائد واللغة والفارق الحضاري. والتي تجعل التخطاب وديا والابتسامة حاضرة. فالجميع مثلنا يعانون ألاعيب الساسة، والكذب الاعلامي، وتوحش رأس المال ومعطوبي الفكر والموظفين المرتشين. وبالمرة سيرى مصر من خارجها ربما أحبها أكثر وربما كرهها أكثر. بهذا القلم الثقيل سيكتب كل شيء. وسيلجم ذاكرة القلم لأجل ذاكرته الحية. ولن يدعه يشرد به مباعدا المسافة بين عقله وأصابعه. ما كاد يخطو من باب صالة الوداع، حتى انقلبت الدنيا والتفت نحوه الشقر والسمر والصفر بكل أنواع العيون المفزوعة. اذا انطلقت سارينة مثل صفارة الغارة بمجرد أن مر من بوابة الكشف عن الأسلحة. وبلحظة خاطفة أحاطه جنديان وضابط بأسلحة مشهرة وعلت الهمهمة بكل اللغات وتوقف الجميع عن اداء مايقومون به لتتطلع العيون صوبه. اصطحبه رجال بملابس مدنية الى غرفة بعيدة. وجاء اخرون وبأيديهم أجهزة جعلوا يرسمون بها خطوطا على ملابسه، فتطلق المجسات زنا مريبا وحين بدا مستسلما أمروه أن ينضو ملابسه غير ان الجالس على المكتب والذي بدا انه اعلاهم رتبة أمرهم ان يكفوا. ونهض مقتربا منه ثم مد يده الى جيب القميص قائلا بنبرة المداعبة. كل ده قلم؟ استخرجه من جيبه وهو ينظر في عينيه نظرة الفوز.. وبعيني خبير. وراح يقلبه لعينيه ويفتح غطاءه ويقفله مردفا. هذه الأجهزة حديثة، حساسة لأي شيء معدني. الأفضل أن تدعه عنك. سوف يسبب لك المتاعب أينما ذهبت. (3) فاتت الأيام ولم يعد (نزل المصاروة) ملائما لكاتب أنفار. تراكم لديه الوقت ما يكفي لسكنى المدينة. ولم تعد جلسته الى جانب سائق اللوري بل صارت له عربة يحلم كل حين بجلبها معه الى مصر وصار له ان يخاطب كل ذي غترة وعقال ويخاطبه ونسى بالوقت الكآبة التي كانت تلم به كلما اقترب والانفار خلفه في اللوري من مواقع العمل.. الذي يبدو قاحلاً في الأيام الأولى. ثم بعد أسابيع يبدو له مثل غابة من الأشجار مقطوعة عند جذوعها.. وبعد أسابيع أبراج شاهقة تتخللها وتحيطها الاوناش العالية وبمرور الوقت تصير العمارة اثنتين ثم عشرة ثم مالا حصر له. بينها شوارع ولها أسواق ومحلات. في عودته المسائية طابت له الرجعة على قدميه، عبر الشوارع النظيفة، والبيوت العالية. قال لنفسه.. أتمشي بعض الوقت.. هذه الشوارع اشبهت شوارع مصر ـ تنهد وقال ـ فينك يازحام. ترك لأقدامه الطريق. يلج شوارع ويفوت اخرى تحاصره مصابيح على جانبي الأسفلت تكشفه وتعري خبيئته ظل يدخل ويخرج حتى بلغ تفاريع معتمة على تخوم المدينة لها بنايات واطئة الى الجانبين. والى أحد هذه البنايات مال فغمته على بابها رائحة بول وعطن معبق برائحة السجائر الممنوعة. على باب هذا (النزل) الجديد لا يقول احم ولا دستور. بل يبصق ويبول جنب الحائط، ويقذف عقب سيجارته ويتلمس في الظلام طريقه. ليستوي مخنوق القلب بين أعمدة اللحم المتراصة وشخير النيام.. لا يتقلق أحدهم فيحادثه. يتمدد ويغمض عينيه ويروح يتنفس من ذات الحلم الذي سد على الروح مسالكها. خلاص هذه اخر سنة لي. الولد اخضر شاربه وكبر والبنت صارت عروسة ونطق رمانها وتضحك المرأة ضحكة فرحانة فيها تكلف الخجل، فيضغط على زر المسجل ليعيد الضحكة من جديد. ثم يقلب الى وجه الشريط الاخر ويسمع رسالة الولد ورسالة البنت ويعيد السمع قائلا لنفسه.. الله يقسي قلوب الشبان عليها لحد أن أرجع. ظل الحنين يلاحيه ويلاطمه. وسيجارة من سيجارة ضرب الشوق في قلبه كما السوس في الخشب وتأبى عليه النوم رفس الغطاء وقال.. أنزل وأتمشى لحد أن يجئ النوم سار دائخ الرأس ثقيل الخطى يتطلع الشوارع الخاوية والعمائر الصامتة تمتد خلفها الصحراء أسلمت الساعة الى الساعة ومضى يوغل في تلافيف الليل ذي المصابيح القوية وعض في قلبه ناب الوحشة فقال.. أمضي ناحية السوق السهران. شملته رعشة كالكهرباء كادت أن تفوقه تراءى لعينيه أولاده يتشاجرون تزجرهم امرأته ذات الجلباب البليل المتسخ عند الفخذين. يعابثها فتصده وترده ثم تلقفه فوق الحصير.. وتذوب كالزبد في ملوحة عرقه. كانت كل الدكاكين مغلقة. خطف بصره عند الناصية (كلوب) مضاء فوق عربة فاكهة. حواليه أقفاص ملآنة، وأكوام مرصوصة وصوت أم كلثوم يصدح من مسجل ضخم بينما ينثر الفكهاني الماء فوق الأكوام فتتندى خدود الثمار وتلمع تداويرها اليها مال سائر الليل وراح ينتقي ويعبئ هذا في أكياس وذا في قراطيس هذا تحبه البنت وتلك يغضب عليها الولد. أما الفراولة فلأم العيال الحلوة طيبة القلب.. وهذا للعجوز اللئيمة.. حماته. هفا القلب منه، وأحس دقاته عبر ساعديه فأحكمهما حول لفائف الفاكهة. وواصل سيره مذكرا نفسه ان الولد طلب منه كراسة مربعات وفرجارا. وطلبت البنت كراسة رسم وألوانا. قال لنفسه.. عسى ان أجد مكتبة عم شحاته سهرانة. سرى في بدنه دبيب حلو فحث الخطى منه وغمره النشاط ومضى يحك شوك ذقنه المهملة من أيام تداوير الثمرات الفواحة. عرج من شارع الجامع الكبير الى المزلقان. عبر الى حارة الشونة المزدحمة بشرفات خشبية متداعية الى الجانبين بها أصص زرع كثيف وثمة غسيل منشور ترف فيه نسائم الليل. ومن حارة طالعة الى حارة نازلة لها بيوت غاطسة الاعتاب. عليها نسوة تدلقن أواني الماء، فترفع الكلاب النائمة رؤوسها متثاقلة لتحتج بنباح كسول. ثم ترتخي متثائبة. يشاكسها أولاد عليهم مزق وسخة فلا تأبه لهم. عن اخر سور المدرسة مال ليلقى التحية على سهارى القهوة. وربما وجد صهره فيعاتبه بالمرة ويقول له.. لم كان كل هذا الشجار.. نحن أهل، عيب الخصومة، نحن أهل. ثم الى حارة المصرف. من هنا المعدية. عبرها وحيا فتحية القابلة، وكانت في ضوء القمر تدعك يديها وقدميها وتصب الماء وتتمتم. المدى الى سكون، وهو الى رفيف القلب الفرحان. طلعت عليه جحافل كلاب سائبة تتنابح. تدبر أزقة ودروبا غير مدقوقة، ومطالع ومنازل يحيط بها هسيس الليل بالنوافذ الخفيفضة التي تبوح بضوء خفيف من خلف خصاصها وراح يمتزج في أذنيه الأزيز المعشش في الأركان الرطبة بالهمهمات، بالسعال بنقيق ضفدع الحقول والبرك، بصفير قطار بعيد. يعجنها جميعا صوت أنفاسه ووجيب قلبه. على مدخل الزقاق ستتعرف المرأة صوت قدميه.. وتسأل.. لم تأخرت يارجل؟ وتهرع لتحمل عن ساعديه وتقول له كأنما عفوا.. العيال ناموا. فيرد صحيهم يتعشوا. ثم تروح وتجيء كنحلة بينما يعلو صوت الوابور. استعدل صاحبنا الأكياس والقراطيس الى صدره واندفع قلبه يبث كل الدماء في قدميه، وفي لسانه بأغنية يحبها. عند دكان سليمان الحلاق حاصره ثانية تنابح الكلاب وراح يتعقبه كما لو كان غريبا عن الناحية فأسرع الى حارة الفرن التي أنس منها أصواتا ونورا خلف الشبابيك وبكاء رضع وهدهدات أم وطرطشة صنبور مفتوح وتشاجر صغار وصوت طفلة تذاكر نشيدا وراديو يخروش بأغنية لعبد الوهاب. وكلمات يطوق المكان ويواصل الطواف ويتدبر دوربا ومسالك الى ان ارتبك حاله وزلقت قدمه ووقع وانفرطت الأكياس والقراطيس وتدحرجت الثمار وانهرست حبات الفراولة فوق الأسفلت ونزلت سائلها الأحمر ملطخة يديه وهدومه. فقرفص في موضعه في عرض الطريق يبكي وينهنه كالأطفال. (4) قالت له مريم: ـ افتح قلبك للدنيا شوية، قلبك مقفول قفلة سودا. الدنيا تسير وأنت واقف. ـ وكيف افتحه؟ إن الصدفة تعمل اليوم بقصدية تعاطف إنساني حقيقي. مثلما عملت من قبل بكل ما في الشر من قصيديه.. (إن المتوسطين بارعون في جمع المال. وهذا مايجعلني أتعزى بقيمة ماأفعله. أكثر الناس يتجهون الى جمع المال ويوفقون الى ذلك. لكن من منهم يقدر على اختيار كاختياري. لانه يحتاج الى المشاعر والذكاء، يبدو يامريم ان عمل المال أقل مشقة من عمل أي شيء آخر. أجابت مريم. لا تشغل بالك ما أجمل أن تمطر الآن ليستتم جمال القاهرة. غير انها لم تمطر، وازدادت بردا من ذلك الذي يتآمر على الفقراء. فأمسك بيد مريم كأنما يرى شخصا اخر غيره وانثى اخرى غيرها. ومن حارة الى حارة راح يتفحص المكان بعد غياب كانت الاشياء المفاجئة قليلة.. خرابة صارت بناء شاهقا، أو محلا تم تجديده وتغير نشاطه وشارع صار أعرض بعد ازالة صف بيوت عن كل جانب كانت المدينة التي تتحول ببطء لا يشعر ساكنوها تباغته بتبدلاتها المفاجئة. وكان الليل يظهر للسائر وحيدا ـ صحبة امرأة ـ عمارة عريضة ترتفع بألوانها وأضوائها وسط البيوت القزمة والأعشاش الباقية.. وسط العتمة وأصوات الماعز والدجاج وأحبال الغسيل والروائح الشتى. ترتعش من هذا الاحتفال الليلي التماعات خفيفة من الفقر النبيل.. الفقر الذي لم يعد نبيلا انما عارا، بعد ان عقدت الاجتماعات، وخيضت المفاوضات لأجل ان يبيع أصحاب الأعشاش امتارهم القليلة. ثم يقلبون رزم المال أمام أعينهم كانت المدينة مثل امرأة بمقدورها أن تتزوج أكثر من رجل فالعاطفة تتغير وفي اثرها الفكر كلما تذبذب مؤشر البورصة. ظل ممسكا بيد مريم حتى بلغا قلب المدينة. حيث ضجت عجلات الترام وهي تصحن عظام الشارع المصنوعة من الفولاذ والبازلت. تنتقل الدغدغة من القضبان الى الارصفة الى العمائر العريقة على الجانبين بجدرانها ذات اللون الطوبي. والتي تنتمي الى القلاع من فوق تظهر الحلي والعقود المقشرة والشبابيك الطويلة. ومن تحت يبقع البول جدرها وتنشع الرطوبة. وبينهما أحرف كثيرة مزدوجة لعشاق قدامى وجدد. امحى بعضها. وظل الآخر ثابتا صامدا لدى رسم القلب والسهم الشهيرين. ـ هه.. متى نتزوج؟ الزمن يمضي بسرعة. سألت مريم ولم يجبها. كان مشغولا بالواقفين على محطات الترماي التي هي جزر رفيعة تحت مظلات رفيعة.. بشر قليلون. وبالسائرين على الرصيف لا يفكرون ببهجة الحياة لأنهم يعيشونها في هذا المساء الشتوي مع الأيس كريم وصحبة النساء ومناداة الاطفال كلما اندفعوا صوب أحد الفتارين المليئة بالضوء الفوسفوري. أو أطالوا الوقوف حول بائع لعب يعرضها على الرصيف. كان المساء القاهري يغلف قامات العابرين بالضوء والعطر وبرذاذ خفيف. شعر يده وحيدة فراح يتلفت بحثا عن مريم التي ابتلعها الزحام. فواصل السير وحيدا.. متمنيا أن تمطر السماء. من سنين لم يشعر مطرا كمطر القاهرة في يناير. ـ قاص مصري