درجت العرب على ان تطلق في ميدان السباق عشرة من الخيل العراب، وسمّت كلّ جواد وفق ترتيبه في السبقِ باسم يليق بمكانته: فأولها المجلّي، وثانيها المصلّي، والثالث المسلّي، والرابع التالي. وبقية العشرة المرتاحُ، فالعاطف، فالحظي، فالمؤمّل، فاللطيم، فالسكّيت. ولما كان الاول هو الذي يذهب بشرف السبق، فقد كرّمته العرب باسمين يقرّان له بالتفوق، وهما السابق والمبرّز. وما ادري ايحافظ القائمون بأمور السباق في (ندّ الشبا) على هذه الاسماء، ام يستبدلون بها اسماء محدثة؟ اما في مضمار الاستباق في ابداع ما سُمّي (شعر التفعيلة) فقد تنازع شرف السبق فيه اربعة من مهار الشعراء المهرة، ظهرت محاولاتهم قبل ان ينصرم النصف الاول من القرن العشرين. وبعد الاحتكام الى الحكام امكن ترتيبهم على نحو منصف، يراعي المبنى والمعنى والزمن، فكان بدر شاكر السياب المجلي، ونازك الملائكة المصلية، وعلي احمد باكثير المسلي، ولويس عوض التالي. ومن مسوغات هذا الترتيب ان محاولة لويس عوض شابتها او شاب العامية، والعامية مهما تجمل وتمتع لا تجاري الفصحى، ولهذا اخرجت محاولتة من الميدان لئلا يسابق الهجين الخالص، وان ترجمة باكثير لمسرحيات شكسبير جعلت مضمون المحاولة اجنبياً ولفظها عربياً، وهذا الجمع بين الدخيل والاصيل شكل آخر من اشكال التهجين. فلم يبق في الحلبة غير داحس والغبراء، اي: لم يبق فيها غير بدر ونازك. فلماذا كان السياب المجلي؟ حينما ظهرت نذر النكبة المشؤومة احس العرب، ولا سيما الشباب، ان طائفة من القيم قد تكبت، واشرفت على الانهيار، وان الامة العربية كلها اصبحت في حاجة ملحة الى حركة فكرية، تغير طرائق التفكير والتعبير التي الفتها. وربما كان الشعر العمودي ابرز الاركان التي بدأت تتصدع. وقبل ان يتداعى بناؤه تداعى الغيارى على مستقبل الشعر العربي الى ترميمه لئلا ينهار. لقد دعا المجددون الى التطوير لا الى التدمير، والى بناء القصيدة الجديدة من الحجارة القديمة، اي من التفعيلات المألوفة وفق تصميم غير مألوف، فيه من الاتباع مثل ما فيه من الابداع، لأنه يحافظ على الوحدة النغمية، ولكنه يعيد توزيع الوحدات على ضوء المغنى، فيقدّ تفعيلات كل سطر على قد معناه، فلا يضطر الشاعر الى الايجاز المخل، ولا الى الاطناب الممل، وخيل الى النقاد الذين أرخوا شعر التفعيلة ان بدراً ونازك كانا فرسي رهان، وانهما تعاورا قصب السبق، فساووا بينهما. وعلة هذه المساواة ان تجاربهما الشعرية في هذا المضمار ظهرت في عام واحد، هو عام 1947م، اذ نشرت نازك قصيدتها الاولى، وعنوانها (الكوليرا)، ونشر السياب مجموعته الاولى، وعنوانها (ازهار ذابلة)، وكلاهما طلع على القراء والنقاد بنمط من النظم جديد، وهو شعر التفعيلة. واذا جاز لنا ان نحتكم الى الزمن وحده رجحنا السياب على اقرانه كلهم لا على نازك وحدها، لأنه ضمن مجموعته الاولى (ازهار ذابلة) قصيدة عنوانها (هل كان حبّاً)، وذيلها بتاريخ النظم، وهو 29/11/1946م، وهذه الارقام تعني انه سبق لويس وباكثير والملائكة جميعاً بعام، غير ان هذه الارقام اعطت السياب حق السبق، لا زهو الاعتزاز بكمال الانجاز، ومنحته شرف المباهاة بالابداع، لا الرقي بالابداع الى افق الامتاع. لقد كان عليه ان ينتظر عاماً او عامين حتى يفوز بكمال الانجاز وجماله، ونجاح التجربة وسيرورتها. والقصيدة التي ساقت اليه فضل السبق هي (انشودة المطر) التي ظهرت قبيل بداية النصف الثاني من القرن العشرين. فما اهم السمات التي جعلت هذه القصيدة رائدة الطريقة الجديدة؟ لعل اهم السمات التي شقت لأنشودة المطر طريقها الى قلوب البشر اصرارها على الارتباط بالتراث العربي الاسلامي والاقتباس منه. ولا يفهمن من ارتباطها هذا ان صاحبها كان ضئيل الحظ من اداب الغرب. فقد درس السياب شعر الانجليز بلغتهم، واطلع على ادب الروس مترجماً، وعلى ثقافة اليونان والرومان، وما انطوت عليه من رموز واساطير. غير انه لم يجعل قصيدته معرضاً لهذه الالوان من الثقافة لئلا يجبه بها قراء الشعر العربي الذين الفوا الزهاوي والرصافي وشوقي فينصرفوا عنه. وادل ما يدلك على ذلك اقتباسه قصة ثمود من القرآن الكريم، وانذاره حكام العراق آنذاك بأنهم سيلقون ما لقيت ثمود، حينما تهب عليهم رياح الثورة، فتقتلعهم من جذورهم، وتلقيهم خارج التاريخ العربي كله: أكاد اسمع العراق يذخر الرعود ويخزن البروق في السهول والجبال حتى اذا ما فضّ عنها ختمها الرجال لم تترك الرياح من ثمود في الوادِ من اثر ان انشودة المطر احسنت اي احسان حينما استلهمت القصة القرآنية التي يؤمن بها المسلمون ايماناً عميقاً، لا يشوبه شوب من شكّ، اذ قطعت الطريق على اساطير اليونان التي اخذت تتسلل من الالياذة والاوديسة الى غيرها من القصائد. وبهذا الصنيع تجنبت الوقوف في قفص الاتهام لتدفع عن نفسها تهمة التقليد الاعمى للمذهب الرمزي الغربي. وابتعدت عن المنزلق الذي وطئته قصائد حديثة اخرى مفرقة في الغموض، واضفت على تجديدها درعاً سابغة، تحميها من سهام النقد المحافظ، ولا تحول بينها وبين الفوز بالقبول من النقد الحديث. وثانية السمات مخالطتها البيئة التي تكنف احداثها وموضوعها. فهي تعالج وضع العراق قبل الثورة على الملكية والاقطاع معالجة تغلف الفكرة بالصورة، وتستمد خطوط الصور والوانها من ارض العراق وشجره وقواربه النهرية والبحرية ومجاذيفه واشرعته، واغاني عماله الصابرين: أكاد اسمع النخيل يشرب المطر واسمع القرى تئن والمهاجرين يصارعون بالمجاذيف وبالقلوع منشدين: مطر.. مطر.. مطر فمن يقرأ القصيدة ترفل امام عينيه مجموعة من الالواح الفنية، ترسم سواد العراق وخليج البصرة وصياديه وفلاحيه، فيحس الشكوى من الظلم، والتذمر من الاستغلال، لكنه لا يجد ذكراً لاقطاع، او تنديداً يبغي، بل يجد اسراباً من غربان، وارجالاً من جراد، تذهب بالمغانم وتكتسح المواسم، وتترك الهشيم والرميم للرعاع والجياع. وفي العراق جوع وينثر الغلال فيه موسم الحصاد لتشبع الغربان والجراد وتطحن الشوان والحجر رمى تدور في الحقول، حولها بشر مطر.. مطر.. مطر.. وثالثة السمات ـ وهي سمة صوتية خالصة ـ وزن القصيدة المحدث المتفرع تفرعاً عضوياً من بحر قديم، وهو بحر الرجز المبني من وحدة موسيقية (تفعيلة) راتبة النغم، وهي (مستفعلن). ولك ان تتساءل عن الدافع الذي حمل السياب على اختيار هذا البحر من ستة عشر بحراً، برغم ما وجّه اليه الاقدمون من نقد ساخر حينما سمّوه، ليسره وانتشاره، (حمار الشعر). اقول: تخيّره السيّاب لثلاثة اسباب: اولها: انه باجماع النقاد والادباء القدماء والمحدثين اقدم البحور واعرقها، ومن يركبه، او يجعله عماد التجديد لا يتهم بأنه من اهل البدع المستنكرة. وثانيها: إن وحدته النغمية وهي (مستفعلن) تتحول الى خمس تفعيلات، وهذا التحول المتعدد الوجوه يضع بين يدي الشاعر لحناً ليناً يتيح له ميداناً واسعاً للحركة. وثالثها: ان الاقدمين استعملوه باطوال متعددة. فالتام من ست تفعيلات، والمجزوء من اربع، والمشطور من ثلاث، والمنهوك من اثنتين، ولا اظن ان في عروض الشعر العربي بحراً اطوع من هذا البحر لمن يضيق بالتفعيلات المقسومة المرقومة، ويميل الى التفريع والتنويع. انه كموج الشاطئ امتداداً وارتداداً، وكالطاووس انكماشاً وانتفاشاً، ولو عدت الى المقطعة الاخيرة التي تخيرتها لك من انشودة المطر لوجدت الدليل على ما ازعم: فالاول (وفي العراق جوع) من المنهوك، والثاني (وينثر الغلال فيه موسم الحصاد) من المجزوء. والثالث (وتطحن الشوان والحجر) من المشطور. ارأيت الى هذا التنوع الغني؟ بهذا التنوع لم يخرج الوزن على عروض الخليل، بل بقي في حدود الرجز. وكل اما اضافه الشاعر الى الوزن واجمل ما اضافه انصاف التفعيلات، وهي: مطر، مطر، مطر. التي يوحي ايقاعها السريع بوقع حبات المطر من السماء على الارض. ولما كانت السمة الاساسية التي تميز شعر التفعيلة من شعر العمود تنوع حروف الروي والقوافي واختلاف الاسطر في عدد التفعيلات فإن السياب استطاع ان يحقق بهذا التوزيع البديع تجديداً لا يستنكره المحافظون، ولا يزري به المجددون، فجاءت انشودة المطر بنت التليد، وام الجديد. أفلا يحق لنا ان نجعلها رائدة شعر التفعيلة؟