في هذه الحلقة يتحدث المؤرخ والناقد السينمائى بارتملي عن دور تأخر الاستديوهات في السينما الالمانية في التأثير السلبي على التعبيرية حيث يرى ان السينما التعبيرية الالمانية اصبحت مشتتة، حيث اكتفت بالاشكال والمضامين التي قدمت من قبل.. لذلك سنتابع الرصد الدقيق لهذه الاشكالية، وغيرها من تفاصيل التعبيرية. ما الذي آلت اليه التعبيرية عندما دخلت في فترة متأخرة، الاستديوهات؟ كما كان متوقعا (فالسينما «ايضا» صناعة) اصابها الفقر واصبحت مبتذلة مشتتة ضامرة واكتفت بالاشكال والمضامين التي استثمرتها من قبل. اما ان ندعى كما يفعل البعض، ان التعبيرية تتلاشى في السينما وان السينما التعبيرية الالمانية لم توجد قط، فذلك تحريض مجاني. لقد استخدمت التعبيرية استعارات ـ او تنازلات ـ مأخوذة من الرومانسية السوداء (هوفمان، هانز هينزايورز) والرواية «القوطية» (برام ستوكر، شيريدان لوفانو) والعجائبية (ادجار آلان يو، لوفيج تيك، شاميسو) والقصة البوليسية والمغامرة الغرائبية. ولقد انحدرت الى الزخرفية وانحطت الى اقصى حد، غير انها (بوصفها رؤية ومذهبا جماليا) ظلت حاضرة، بنسب متباينة ايما تباين، في عدد من الافلام الالمانية في بدايات العشرينيات. ولكن يظل تحديد الافلام التعبيرية «الحقيقية»، الاقرب الى التعبيرية «الاصيلة»، في ظل هذه الظروف، مسألة ذاتية، حيث يختار كل متفرج افلامه التعبيرية. يشترك المذهب التعبيري والسينما التعبيرية (ولندرج فيها (Kammerspie) في عدد من التيمات الشكلية والايديولوجية المتواترة، سنحتفظ من بين اكثرها تكرارا بالتيمات التالية: 1ـ المدينة والشارع ـ الغابة، تعشيقات كالتية تتداخل في تكوينات مشتقة من التكعيبية: واجهات، اسطح، شوارع، منازل، شرفات، في جو يشوبه الخطر والانبهار المضطرب والشعور بالاقصاء: «عيادة الدكتور كاليجاري» (1919) و«راسكولينكوف» (1923) اخراج روبرت فين، «الجوليم ـ المسخ» (1920) اخراج بو فجنر وكارل بوير، الانوار الثلاثة 1921 ومتروبوليس (1926) اخراج فريتزلانج، «شبح» (1922) و«فاوست» (1926) اخراج مرناو، «الكنز» (1923) اخراج بابست «عيادة الصور الشمعية» (1924) اخراج بول ليني. 2ـ الرجل الآلي، الدمية. صور المخرجون استلاب الفرد بواسطة الانسان الآلي (كما في فيلم متروبوليس)، والانسان الذي يسير اثناء النوم (كاليجاري)، والمسخ اخراج اوتوريبر عام 1916 والمهرج والامعة والفزاعة (خيال المآتة ـ كما في فيلم «خط السكة الحديد» اخراج لوبو ـ بيك عام 1921) والتمثال الذي تدب فيه الحياة (كما في فيلم «الجوليم»). ان الميكنة الهندسية تنسخ وتدين واقع الانسان فاقد الانسانية، المتشييء بفعل البيروقراطية الآلية والصناعة الرأسمالية والنزعة العسكرية والظلم البورجوازي. يفضل الممثل التعبيري (إميل ياننجز، كونراد فيدت، فرنر كروس، بول فيجنر، فريتز كورتيز، رودلف كلين ـ روج، بريجيت هلم) الاداء الجسدي وهيئة الجسد والايماء على الكلمة، ويتحرك ثقيلا كسيرا بلا انتظام، او ببطء كالحجر، كما لو كان غارقا في حلم او في مأساة يعجز عنها الوصف. 3ـ الدائرة والزاوية: بالنسبة للتعبيرية، تعد العجلة والسيرك ولعبة الخيال الخشبية في الملاهي، والابواب الدوارة، مثلها مثل التحول الى آلة والتحلل، اشكالا للقدر، بالاضافة الى الحلزون والخط الملتوي كالثعبان والسباق في مضمار دائرة والنبتة المتسلقة كما في افلام «كاليجاري»، «آخر الرجال» (1934) اخراج مرناو، «من الفجر الى منتصف الليل» (1920) اخراج كارل هينز مارتن، «اصيل» (1920) اخراج روبرت فين. اما الزاوية الحادة والمثلث والخط المائل والخط المستقيم المتقطع ـ وهي صور من قسوة الواقع ـ فتثقل هذا القدر بجذورها الاجتماعية. 4ـ المثيل، الظل. تعبر هذه الشخصيات عن ازمة هوية، وهي استعارات لانقسام الذات الممزقة بين الخير والشر، بين الأنا الواعية واللاوعي. ان القرين ينفصل عن الحياة ويعيش حياة مستقلة، يحل محل نفسه ويقوم بالافعال مكانها، وفقا لغرائزها الخفية ورغباتها المكبوتة، سواء خلقه ساحر تحت التمرين كما في «الجوليم» ٍمٌفه و«نبات اللفاح» اخراج هنريك جالين (1928) او خرج من مرآة «طالب من مدينة براغ» اخراج ستيلان ري وهانز هينز ايورز، 1913 او انبعث من سحر الضوء («كشاف الظلال» اخراج ارثر روبنسون، 1923). 5ـ التمرد الاخلاقي ضد البورجوازي. ان البورجوازي، الذي يقدم عادة بثياب القرن التاسع عشر، مرتديا قبعة التشريفات العالية والردنجوت (اللذين يظهرانه بظهر هندسي ويجعلانه اكثر بورجوازية) هو الرجل القوي، الاعلى مرتبة، الوجيه، صاحب العمل والأب ايضا، سواء المخيف (كاليجاري، نوسفراتو، مابوز) او التافه («تورجوسي» اخراج هانزكوب، 1920، «آخر الرجال»، «خط السكة الحديد»)، اما المرأة، التي تقف منتصف الطريق بين خبث العالم وفساد البورجوازي، فإن وضعها يظل غامضا. فهي غالبا شيطانة («أصيل»، «الطريق»، «الرون») اكثر منها ملاكا، متآمرة اكثر منها ضحية. 6ـ صانع المعجزات هو موجود بشكل خاص في السينما، قادم بلاشك من تصور صوفي عن السينما نفسها: كان ميلييس ساحراً وجدت شطحات خياله جمهورا في الاكواخ والأسواق (انظر «كاليجاري»). يجسد صانع المعجزات السحر الاسود المرتبط بالعلم والتقنية ـ وهما بالنسبة للتعبيرية مصدران للجنون. وهو يهدد بالتحول الى انسان اعلى (سوبرمان)، متنبئا ربما بالدكتاتور الذي سوف يخلب ألباب الجماهير المستسلمة فيما بعد. ان كاليجاري ونوسفراتو ومابوز ونظائرهم في افلام «تورجوس» و«المسخ» و«عيادة صور الشمس» و«نبات اللفاح»، جميعهم يفتتح «استعراض المستبدين» (الخياليين، المجرمين، التاريخيين، البيتيين أو السياسيين) الذي سيسيطر على جزء كبير من سينما مرحلة ما قبل هتلر، وهو استعراض قرأه كل من سيجفرد كركوير وجورج سادول قراءة سياسية. نستطيع مساءلة روح النظام المحكم في هذه القراءة، لكننا اذا قبلنا مفاهيم العقلية الجماعية واللاوعي الجمعي والخيال الجمعي فاننا نضطر للتسليم بأن السينما التعبيرية «تبدو مثل استعارة مشوهة، تنسج مصير ألمانيا»، وهي استعارة يعلن من خلالها كاليجاري عن قدوم هتلر، ويتنبأ «متروبوليس» بمعسكرات ابادة اليهود. دراما الضوء والظل التعبيرية في السينما، افضل منها في المسرح وهي مجال الحفر والتصوير، استطاعت تنمية «دراما» الضوء والظل، وبلوغ مستوى الدراما الميتافيزيقية (افتتاحية فاوست): الضوء عادة اتفاقي (على طريقة رامبرانت) والظلال حية، تنزع الى الشر وتثير الرعب. بيد ان التعبيرية السينمائية تنحدر من الفنون التشكيلية، فالمصورون وفنانو الحفر التعبيريون الذين اصبحوا مصممي ديكور (اوكانوا اصلا مصممي ديكور في المسرح) امثال والترروهرج، هرمان وارم، روبرت نباتش، هانز بولزج، اندريه اندرييف، اوتوهنت، ارنست شترن، هانز دراير، ارنو متزنر ـ هم الذين شكلوا التعبيرية في السينما، بمساعدة كاتب السيناريو الفذ كارل ماير (1892 ـ 1944) لاشك، وبعض المصورين المتميزين مثل كارل فروند وكارل هوفمان وفرنز ارنو فاجنر وجونتر ريتو. ولهرمان وارم، أحد مصممي ديكور «كاليجاري» الثلاثة، مقولة شهيرة: «يجب ان تكون الافلام تصويرا متفتحا للحياة، يجب ان تصبح الصورة نقشا محفورا». والواقع ان الصورة التعبيرية على الشاشة تتماثل بشكل وثيق مع الحفر على الخشب في مجال الحفر التعبيري، من حيث غياب العمق وقسوة التقابلات بين الاسود والابيض، وعنف وصلابة الخط والتشويهات المبالغ فيها والاسلوبية المفطرة، كما انها تأتي بادراك جديد للمكان، حيث لم يعد المكان مدرجا بوصفه محتوى مستقبلا للاشكال وانما بوصفه بناء لذات الشخصيات النفسية. ان المكان في «كاليجاري» و«من الفجر حتى منتصف الليل» و«الجوليم»، ليس مكانا «واقعيا» بكل تأكيد ـ كما هو حال المكان على خشبة المسرح وفي الصورة الفوتوغرافية، ومثله مثل المكان في اللوحة التشكيلية «ينتمي للذهن فقط» . عادة ما يؤخذ على السينما التعبيرية استحالة التعايش بين الرسوم والعيش بين الديكور والممثلين، بين اللقطة والحجم. ولا قيمة لهذا الاعتراض الا بمدى تمسكنا بالمنظور الطبيعي للتصوير الفوتوغرافي، وهو يتهاوى ما ان نعتبر اللقطة التعبيرية مثل «كولاج» (قص ولصق) من نوع جديد، يمتص فيه الديكور (الرسم) الشخصية ويلتهمها ويدخلها فيه، ليس بلا صراعات، ويجذبها نحو التجريد، نحو الاستعارة (كان كلوديل يقول ان الراقصة التي تقف على خشبة المسرح بشحمها ولحمها ليست امرأة، انما هي استعارة) تمحو السينما التعبيرية صفة الواقعية عن ديكوراتها وشخصياتها وتضع «تزييفهما» معا موضع المنافسة. ومن هنا يقترب عالمها، في بساطته المعلنة، من عالم العرائس وفيلم خيال الظل (لوت رينجر) ومسرح الظلال والباليه ايضا (على خشبة المسرح) اكثر مما يقترب من السينما الفوتوغرافية الواقعية (حتى وان ارادت هذه السينما ان تكون لا واقعية او ان تكون كاريكاتورية).