لا يمكن أن يتحول الإبداع الفني إلى شيكات مصرفية، ولا يمكن أيضاً أن يقبل الفنان الصادق العمل بصيغة «الجمهور عاوز كده» ليضيع الابداع، ويضمحل الفن، بل ويصبح مجرد سلعة يتحكم فيها أصحاب «الجيوب المنتفخة» الذين يرون في تجارة السينما منفذاً للترويج والشهرة والأضواء فقط. وارتفعت الاصوات الصادقة الغيورة على فنها الأصيل ـ تحركوا ـ ودافعوا عن هذا المحراب المهدد قبل ان تهدمه موجات «السينما الشبابية» ـ وخذوا من الأغنية الشبابية وعظاً على ما آل إليه حال الطرب!! ـ واعملوا على ايقاف أنصار «نفع واستنفع». وضاعت هذه الأصوات بين تنويعات الصراخ المتداخلة التي انهالت لتحاصرها وتشتتها في الهواء، فانتكست صناعة السينما ومالت نحو الانحدار ليهجرها أعز وأخلص أبنائها، الذين أعطوها الكثير، وأضافوا إلى تاريخها أمجاداً من العراقة والفن الرفيع. وكما شهد التلفزيون في أواخر الثمانينيات أضخم هجرة اخراج جماعية تقدم موكبها عمالقة الاخراج السينمائي من أصحاب التاريخ ـ صلاح أبو سيف، وحسام الدين مصطفى ـ وكذلك تلاميذهم ـ علي بدرخان، وعلي عبدالخالق، وأشرف فهمي ـ الذين رأوا في التلفزيون مجالاً أكثر رحابة في تجسيد الفكر وتحويله إلى أعمال فنية راقية. تشهد السينما الآن مع نهاية عام 2002 هروباً كبيراً لممثليها أصحاب الرصيد من النجومية وشباك التذاكر، والذين حاولوا لسنوات الصمود أمام الهجمة الشرسة ـ بداية من «كمننا» ونهاية بـ «اللمبي» ـ ، وباءت محاولاتهم بالفشل، مما دفعهم ذلك إلى الاتجاه بلا تردد للتلفزيون ليشهد عام 2003 أعمالاً من بطولة عادل إمام ومحمود عبدالعزيز وأحمد زكي ونجمة الجماهير ـ كما تحب ان تلقب ـ نادية الجندي. ولا أجد غرابة في اتجاه نجوم السينما أو المخرجين قبلهم إلى التلفزيون الذي أصبح الآن من أخطر الاجهزة الاعلامية على الاطلاق وله من الامكانيات ما يتيح له الانطلاق والتفوق والقدرة على إنتاج أضخم الأعمال الفنية، وأعتقد ان أكثر الدول المتقدمة والمعروفة بغزارة انتاجها السينمائي اتجه نجومها في التمثيل ومخرجوها إلى العمل بمحطات التلفزيون، خاصة في أميركا وايطاليا وكندا وفرنسا. كما أن ظروف الواقع السينمائي الآن بأفكاره والتي يجب ألا تخرج عن حسابات النجاح الجماهيري وظروف الشباك والسوق وقفت حائلاً أمام أفكار أخرى كثيرة أوجد التلفزيون لها الأرضية الطبيعية التي تصلح لانتاجها وانتشارها، بعيداً عن حسابات صاحب الفيلم التجاري الذي «يسلقه» في أسبوع ويقبض «هبرة» قد تغنيه وتجعله من أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة، وفي رأيي أن هذه المعادلة هي السبب الرئيسي في تدهور صناعة الفيلم. لكن بالفعل الأزمة الحقيقية أو المعضلة التي طغت على السطح منذ سنوات ونتابعها ونشاهدها ونتحسر عليها فقط، هي «ذوق الجمهور» الذي يذهب ويشاهد السينما، وهو السبب الرئيسي أو المحرك الذي دفع بنجومها ومخرجيها للبحث عن مكان آخر وجمهور آخر. أسامة عسل osama614@yahoo.com