الفنان عادل هاشم له حكمة يؤمن بها ويتعامل من خلالها مع الفن، هذه الحكمة تقول ان العمل الذي تمارسه ولا تنظر فيه الى ساعتك هو العمل الذي يناسبك لذلك فهو مقتنع تماما بأن أفضل عمل يناسبه هو الاخراج المسرحي، الذي قضى فيه حوالي أربعين عاما، ولأن الاخراج المسرحي في مصر وخاصة في مسرح الدولة الذي ينتمي اليه هو معركة طويلة الأجل تتنازعه أهواء ليس فيها من الفن شيء وتحكمه توازنات خاصة لذلك فقد اتجه عادل هاشم منذ سنوات طويلة الى التمثيل بجانب الاخراج وأصبح وجها تلفزيونيا معروفا وتخصص في أدوار الباشوات فقدم نماذج عديدة ومتنوعة نذكر منها علي باشا مبارك أحد رواد التعليم في مصر ومؤسس مدرسة دار العلوم في مسلسل «بوابة الحلواني» .وقدم نماذج أخرى منها رئيس المخابرات في مسلسل رأفت الهجان والملك الصالح نجم الدين في مسلسل «الفرسان» ونور الدين محمود في «نسر الشرق» والمستكفي أبوولادة في مسلسل «بن حزم» وكانت اجادته للفصحى وصوته الرخيم من أهم المميزات التي فتحت أمامه الأبواب للأدوار التاريخية وعن سبب اجادته للفصحى يقول الفنان عادل هاشم: ـ المسألة تعود للبيئة التي نشأت فيها والمناخ الثقافي المحيط فقد كان والدي شاعرا وزجالا يجيد الحديث بالفصحى وكذا والدتي مما شجعني على الاهتمام باللغة وحين وصلت للمرحلة الثانوية بمدرسة السعيدية كانت حوارات الزملاء في الطريق الى المدرسة تناقش الخلافات بين العقاد وطه حسين والمعارك الثقافية الدائرة على صفحات الجرائد بين أحمد شوقي وحافظ ابراهيم وتربينا كجيل على اشعار علي محمود طه والأخطل الصغير وقصائد عبدالوهاب وأم كلثوم، كل هذا ساهم في تشكيل ذوقنا اللغوي والفني، الاذاعة أيضا كانت تساهم بما تقدمه في تشكيل الوجدان والارتقاء بمستوى اللغة وكان حديث الأربعاء لطه حسين نموذجاً لما تقدمه الاذاعة من برامج ثقافية لكبار الأدباء وقبل كل هذا القرآن الكريم فهو الأساسي في اللغة وكان الاهتمام كبير جدا بتدريس أجزاء منه ضمن المنهج الدراسي، باختصار كان المناخ الذي نشأنا فيه يسهم بشكل فعال في تنشيط القدرة اللغوية. ـ وكيف بدأت علاقتك بالتمثيل؟ ـ البداية كانت بسبب والدي الذي أوجد داخلي حب المسرح دون أن يدري، فقد كان يعمل مفتشا بالرقابة على المصنفات الفنية بقسم المسرح والأغاني فكان يصطحبني معه وأنا طفل صغير الى المسرح القومي لمشاهدة البروفات والعروض فأحببت هذا العالم المثير وبدأت أدخل اليه من خلال المسرح المدرسي عندما كنت تلميذا بمدرسة الملك الناصر الابتدائية بحي السيدة زينب واستمر نشاطي المسرحي كممثل ومخرج حتى انتهاء الدراسة في المرحلة الثانوية بمدرسة السعيدية. ـ ولماذا لم تلتحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية؟ ـ والدي لم يوافق على هذه الخطوة وطلب مني الالتحاق بكلية الحقوق وبالفعل التحقت بها ولكني رسبت في العام الأول بسبب انشغالي في التمثيل، وقررت الانتقال الى معهد الخدمة الاجتماعية وكان يهتم بالفنون وحصلت على البكالوريوس عام 1962 ولكن عيني كانت على التمثيل وفي نفس العام أعلن المسرح القومي عن مسابقة لاختيار ممثلين من غير خريجي معهد الفنون المسرحية فتقدمت بين 450 تقدموا للمسابقة وتم اختيار 17 فقط وتم تعييننا بمكافأة شاملة 12 جنيها وكان نجاحنا جواز مرور لعالم الاحتراف في الفن خاصة وأن اللجنة كانت تضم أسماء كبيرة مثل أمينة رزق وحسين رياض وفتوح نشاطي وزكي طليمات وأحمد حمروش وسعد أردش. ـ وكيف بدأت علاقتك بالاخراج المسرحي؟ - عند التحاقي بالمسرح القومي جسدت مجموعة من الأدوار في عروض ضخمة مثل السبنسة لسعد الدين وهبة وقمت فيها بدور رشوان بدلا من الفنان حسن يوسف الذي تقدم باستقالة من المسرح، والضابط الجريح في مسرحية «ماكبث» اخراج نبيل الألفي وبعدها بطولة «الجلاد والمحكوم عليه» لفتحي رضوان و«المحروسة» و«الفتى مهران» و«القضية» وخلال هذه الفترة كانت عيني على الاخراج فعملت مساعدا لكبار المخرجين بالمسرح القومي مثل عبدالرحيم الزرقاني وفتوح نشاطي وسعد أردش وكمال عيد لكن موهبتي في الاخراج تأصلت على أيدي الفنان الكبير كرم مطاوع الذي أعتبره أستاذي الأول وصاحب الفضل علي كمخرج، فقد ساعدته في حوالي 90 من مسرحياته، وكانت البداية في مسرحية «الفرافير» التي أخرجها ليوسف ادريس فقد أسند الي دور صغير فاعتذرت عنه وطلبت أن أعمل معه مساعدا، وكانت هذه هي البداية الحقيقية مع الاخراج، وكانت أول تجاربي في الاخراج مسرحية من فصل واحد اسمها الانس التي اكتشفت فيها الفنان محمود ياسين، فقد كان هذا العرض أول فرصة لي كمخرج وله كممثل والحمد لله أنها نجحت تماما على المستوى الجماهيري والنقدي بعدها واستمر عملي كمخرج بالقومي حتى عام 1970 بعدها سافرت لمدة 13 عاما ما بين الجزائر وباريس وحصلت على الدكتوراه من باريس في علم الاجتماع المسرحي التي أشرف عليها المستشرق التونسي جاك برك. ـ ولماذا تركت المسرح وسافرت للجزائر؟ ـ السفر للجزائر كان بتكليف من وزارة الثقافة للعمل كأستاذ في معهد التمثيل ومخرج بالتلفزيون والاذاعة وكان الهدف الأساسي هو الاسهام في تعريب اللغة هناك في اطار خطة الرئيس الجزائري في تلك الفترة هواري بو مدين، وبالفعل دربت كل مذيعي ومذيعات التلفزيون على مدار عامين بجانب عملي بمعهد التمثيل بعدها حزمت حقائبي وسافرت الى باريس لتحقيق حلم الطفولة بالحياة في مدينة النور. ـ هل كان السفر لباريس بتكليف من الدولة أيضا؟ ـ لا أنا سافرت على نفقتي الخاصة بعد انتهاء بعثتي بالجزائر وقضيت هناك عشر سنوات منذ عام 1972 حتى عام 1982 ودرست اللغة الفرنسية وحصلت على الدكتوراه في علم الاجتماع المسرحي على نفقتي وخلال هذه الفترة عملت مذيعا وممثلا الى جانب الاشراف على البرامج العربية في اذاعة باريس العربية ومونت كارلو، عملت أيضا بالمعهد القومي للوسائل السمعية والبصرية وهو من أكبر المعاهد في فرنسا وكنت المسئول عن تدريب الفرنسيين وجميع المتدربين العرب على الاداء اللغوي الصحيح للغة العربية. ـ هل أفادك الحصول على الدكتوراه في مجال الاخراج؟ ـ بصراحة شديدة اعترف أنه ليس لدينا الآن اخراج مسرحي بالمعنى العلمي لا في مسرح الدولة ولا في المسرح الخاص كل ما يقدم عروض أقرب الى الفرجة المسرحية وخاصة بالقطاع الخاص ربما أكون قد استفدت في بداية عودتي من باريس عام 1982 عندما قدمت مسرحية «بلا أقنعة» لفتحية العسال و«البهلوان» و«الزلزال» ليوسف ادريس ومجنون ليلى لأحمد شوقي ثم «ليه وليه» وأخيرا سجن النساء، لكن الظروف التي يمر بها مسرح الدولة والبيروقراطية الشديدة التي تواجه المخرجين كفيلة بالقضاء على أي ابداع لأن المخرج يتوه في دوامة العمل الاداري مع الموظفين ولا يجد الوقت ليتفرغ للاخراج والابداع. ـ هل يعني ذلك أنك قررت الابتعاد عن المسرح وبصفة خاصة المسرح القومي الذي قضيت فيه سنوات طويلة؟ ـ أنا لا يمكن أن ابتعد عن المسرح لأنني رجل مسرح بكل معنى الكلمة سواء على المستوى العلمي أو النظري، فأنا لا أشعر بوجودي الا عندما أكون على خشبة المسرح. ـ ولماذا ابتعدت عنه بعد «سجن النساء» أي منذ حوالي ثماني سنوات؟ ـ لأنني نشأت في مناخ مسرحي حقيقي في فترة الستينات التي شهدت المد الثوري وشهد المسرح فيها انتعاشا لم يحدث في تاريخه فأفرز جيلا من المؤلفين والمخرجين والممثلين كان كل شيء يسير في الاتجاه الصحيح، أما الآن فالمسائل مختلفة تماما وأتمنى أن أعود من جديد الى خشبة المسرح. ـ هل التمثيل يعوضك عن غياب المسرح؟ ـ التمثيل كما قلت هو الأكثر استمرارا ولكنه لا يعوضني أبدا عن الاخراج المسرحي رغم أنني بدأت كممثل في المسرح ومع بدايات التلفزيون في الستينيات شاركت في أهم المسلسلات مثل «الضحية» و«الرحيل» و«هارب من الأيام» و«لحظة اختيار» و«أمينة» و«الخروج من الدائرة» وحصلت على فرص كبيرة في التسعينيات خاصة في الأعمال التاريخية مع الراحل حسام الدين مصطفى في «الفرسان» الذي أعتبره أهم أعمالي و«رأفت الهجان» مع الراحل يحيي العلمي لكن الاخراج بالنسبة لي يظل هو الأساس. ـ لماذا لم تتجه لمسرح القطاع الخاص؟ ـ عملت فيه مسرحيتين فقط كممثل هما «خد الفلوس واجري» و«شارع محمد علي» لكن هذا المسرح لا يناسبني كمخرج لأن له قواعد تختلف عن القواعد التي تعلمتها في المسرح القومي. ـ شاهدناك في أعمال سينمائية متميزة مثل «رجل لهذا الزمان» و«اعدام قاض» و«هدى ومعالي الوزير» و«131 أشغال» و«عفريت النهار» وغيرها فلماذا ابتعدت بعد ذلك؟ ـ أنا لم أبتعد ولكن السينما لها حسابات وللأسف اجادتك لدور معين يسجنك في هذا الاطار، فأنا على سبيل المثال سجين لأدوار الباشا لا أعرف لماذا ومع ذلك لا أستطيع أن أرفض كل ما يعرض علي من أدوار فقط أبحث عن دور مختلف لكي أقدم من خلاله شيئاً جديداً يمثل قيمة أما الماديات فأنا لا أهتم بها لأن السينما لا يستفيد منها ماديا الا النجوم فقط.