كان عنوان الكتاب وهو «استعلم فيه عن كل شيء» يتحدث عن مضمونه. ففي داخل صفحاته التي تزيد على 380 صفحة كانت هناك نصائح لكل شيء تقريبا، من الترتيب للجنازات وحتى تقديم المقبلات الغذائية. وهذا الكتاب الذي نشر في لندن عام 1856 لم تكن تخلو منه اية مكتبة في العصر الفيكتوري. وبعد قرن تقريباً، قدر للندن ان تكون مسقطاً لرأس الشخص الذي سيبين كيف ينسج معرفة البشرية معاً ويجعلها في متناول الجميع في كل مكان. ولقد اعتبرت الشبكة العالمية «اكبر تقدم جوهري في مجال تقنية المعلومات منذ اختراع الآلة الطابعة في منتصف القرن الخامس عشر، وفي الواقع ان جوهانس غوتنبرغ لم يجن فلساً واحداً من اختراعه، فالشخص الذي جنى كل الارباح كان ممولاً جشعاَ. لم يكن الشخص الذي خلف غوتنبرغ في ابتكار التقنية العالمية بعد 500 عام سوى شخص ثوري من طراز غير عادي يدعى تيم بيرنرز لي. ولد بيرنرزلي في لندن في الثامن من يونيو عام 1955، وهو نتاج عصر الكمبيوتر، فوالداه وكلاهما عالم رياضيات، التقيا في بداية الخمسينيات عندما كانا يعملان على «فيرانتي 1» وهو أول كمبيوتر تجاري في العالم. وقبل وقت طويل من ظهور اجهزة الكمبيوتر في الكثير من المنازل، كان بيرنرز لي مدركاً للقدرة الكامنة في تلك الاجهزة، وكطفل، تحدث مع والده حول ايجاد طرق لربط اجهزة الكمبيوتر ومنحها قدرة شبيهة بقدرة البشر على رؤية الصلات بين حقائق تبدو غير متصلة ظاهرياً، ولكن ترعرعه في سنوات الستينيات لم يفسح له مجالاً لمتابعة هذا الخط، فالكمبيوتر النموذجي في ذلك الوقت كان عبارة عن «حاسبة الكترونية» بحجم غرفة كاملة محروسة من قبل مدراء للانظمة كانوا يفعلون كل ما في وسعهم لابعاد المتطفلين. غير ان هذا الواقع بدأ يتغير في بداية السبعينيات عندما كان بيرنرز لي لايزال طالباً في كوينز كولج بأكسفورد. وكان قد اختار ان يدرس الفيزياء معتبراً اياها وسيلة للجمع بين اهتمامه بالالكترونيات وقدراته في الرياضيات، غير انه وكما يحدث غالباً مع المبدعين الكبار، فقد وجد معظم الفرص للابداع خارج نطاق المنهج التعليمي. وفي عام 1975، كانت اوساط هواة الالكترونيات تضج بأخبار حول رقائق دقيقة رخيصة الثمن، والتي هي «الادمغة» الالكترونية لاجهزة الكمبيوتر الحديثة. ومدفوعاً بالرغبة في بناء جهاز الكمبيوتر الخاص به، بعث بيرنرز لي بطلب شراء 6 آلاف و800 رقاقة دقيقة، وبحلول عام 1976، كان قد اوصلها بشاشة منزلية الصنع وانتج أول كمبيوتر شخصي له، وهذا الانجاز دفعه الى السعي لتحقيق حلم طفولته المتمثل في اطلاق القوة الكامنة في الكمبيوتر. وبعد ان حصل بيرنرز لي على جهاز الكمبيوتر الاول كانت الخطوة التالية هي مشروع ما بعد التخرج ولكن لخوفه من ان يعلق في مشروع لنيل درجة الدكتوراه، اتجه الى الصناعة، وانضم الى شركة «بليسي» وهي شركة متخصصة في صناعة اجهزة الاتصالات، وانتقل بعد ذلك الى «سيرن» وهو مختبر الفيزياء الجزيئية الاوروبي، وكان بيرنرز لي حينها مهندساً متفرغاً لبرامج الكمبيوتر وقد اثار اعجاب الآخرين في المختبر بطريقته الاصيلة في معالجة المشكلات. وكانت مشكلة الحفاظ على متابعة دقيقة لعمله قد دفعت بيرنرز لي الى ابداع برنامج اتاح له معرفة اي معلومات عن اي جانب من جوانب مشروعاته التي يعمل عليها وان يرى العلاقات بينها، وهذا ذكره بكتاب كان على رف مكتبة منزله في فترة الطفولة وهو «استعلم فيه عن كل شيء»، ولهذا سمي برنامجه «انكواير» التي تعني «استعلم». وكان تصميمه يحتوي على بذور الفكرة التي اصبحت تسمى «الشبكة» غير ان برنامجه ذلك كان لايزال مربوطاً بكمبيوتر واحد، ولهذا لم يوفق في تحقيق حلم طفولته في ربط قوة شبكات كاملة من اجهزة الكمبيوتر. والمشكلة التي ظلت تواجه بيرنرز لي هي كيف يجعل اجهزة الكمبيوتر تتبادل المعلومات بطريقة خفية تجعل المستخدمين يعتقدون انهم يستخدمون جهازاً واحداً، فعاد لي الى التفكير ببرنامج «انكواير» وجعله يعمل على اكثر من جهاز كمبيوتر. والعائق الوحيد امام تنفيذ هذه الفكرة والوصول الى اقامة شبكة معلوماتية واسعة متاحة للجميع كان يتمثل في ايجاد طريقة لكتابة الوثائق تتيح للمستخدمين الانتقال على الفور من وثيقة لاخرى دون ان يقلقوا حول مكان وجودها. كانت هذه الطريقة قد ابتكرت من قبل عالم اميركي يدعى تيد نيلسون وقد اسماها «هايبر تيكست» وقد استخدمها بيرنرز لي في صميم شبكته الخاصة بالمعلومات وابتكر برنامجاً يمكنه ان يحذف ويعرض وثائق مكتوبة بطريقة «هايبرتيكست». وبحلول بداية عام 1990 كان بيرنرز لي قد انشأ اول سيرفر حاسوبي على شبكته للمعلومات. وكانت الشبكة تشمل جهازي كمبيوتر فقط، ولكنها شكلت الجزء الاول مما اسماه بيرنرز لي بـ «الشبكة العالمية». كان توسع الشبكة بعد ذلك بطيئاً في البداية، ولكنه سرعان ما شمل العالم كله، وبات عدد مشتركي شبكة الانترنت اكثر من 500 مليون مشترك حالياً. ضرار عمير