من حقنا ان نفرح كل يوم، وان نتهلل من حين لآخر كشلال، ونرقص كموجة متهادية في صيف هاديء.. من حقنا ان ننحني احتراما للذين اعادوا الينا ماضينا المسروق من حاضر فج ومهرج. فبعد ان امتلأت اذاننا بالعديد من محطات الـ «أف. ام» ومذيعين ومذيعات تشابه علينا الخط الفاصل بين ادائهم الاذاعي، وفرض علينا الاستسلام لما يقدمونه من فقرات غنائية تطفح بالميوعة والرخاوة ابعد ما تكون عن تشكيل الوجدان والاحساس، حتى اصبح القبح «فرض عين» على مسامعنا، اقول رغم كل هذا فإن ثمة رجال قادرين على اسعادنا وغزل غبطتنا وسط هذا السخام الهائل من «الاغنيات مول». فثمة قمر لجين وهب ضوءه لهويتنا الغنائية العريقة، هذا القمر الذي وجد عرشه في احدى اذاعاتنا المحلية. قناة تنقلنا طوال الوقت من قصور الترهل الى كوخ البهاء المجلجل بتجارب الاغاني الموغلة في زمن المشاعر الصادقة، وهديل القول.. عليك فقط ان تطلق اصابعك في خرخشات موجات الاثير لينفتح لك باب الدهشات لقناة اخذت على عاتقها تشييد ذاكرة القلب ورشاقة الحواس. ثمة اناس امنوا بحتمية محاربة فرقعات الفيشار وتسكعات الكلمة، وذلك في صمت قدير، ودون ثرثرة على مشروعهم الحضاري وهو ما لم يدركه ماضغو الزبد ومروجو القبح والغثاثة. بحثنا كثيراً عن شربة ماء نقية تحمينا من عطانة الواقع الغنائي حتى كاد اليأس ان يأكلنا، لولا هذه الاذاعة التي اطلقت كل سواقيها لتغسل اذاننا المجذومة بطنين الكلمة وزعيق الموسيقى، فاغتسلنا جميعاً بهذا الغيض من زهزهة الاثير. لماذا لا نلتفت لهذه المحطة الاذاعية ونعطيها حقها من الاشادة والتوقير، فهي جمال بريء واثق المحيا، اقسم على هدم كل مدارات الوجدان المزيف، وعلى اسدال ستائر الشفاء على الامراض التي اجتاحت عالمنا الغنائي والموسيقي، فلا وجود لمذيع يتقن بحة الصوت، ولا مذيعة تتمايل حنجرتها بشكل مسف، كل ما هنالك ان مسئولي هذه الاذاعة زرعوا على مدار الساعة حدائق كاملة من السنابل والياسمين تحمل عبق الماضي من الماء الى الماء. اعادوا للفؤاد رعشته، ولليل قلبه الفستقي، وللذوق المنكوب حيويته التائهة بفعل الاغاني البهلوانية. لست ادري لماذا ذكرتني هذه الاذاعة بقصة جلال الدين الرومي الذي ذهب الى سوق الصاغة ليصحح ديناره الذهبي، وما ان بدأ الصكاك في الطرق، حتى تحول الطرق الى نقر، والنقر الى ايقاع، والايقاع الى رقص وانتشاء، فأخذ الحال بن الرومي، فأشار للصكاك ألا يتوقف، وما ان صحا من حالته حتى فني الدينار. نسرد هذه الحكاية، لان ما نسمعه في هذه الاذاعة يجعلنا نتخيل مدى الميزانية المرصودة لشراء أو تأجير هذه التحف الغنائية من كل صوب وحدب، فكل الشكر والامتنان لهذا المشروع الراقي الذي لو عمم في كل بلادنا العربية لتحولت كل ذبذبات الاثير الى نبضات تعيد الحياة الى وجداننا ومشاعرنا. مجدي ابوزيد