ليست السينما التعبيرية سوى شكل من اشكال حركة جمالية اكثر اتساعاً، حيث تخص فنوناً كثيرة، والتعبيرية تقع على طرفي نقيض من الطبيعية التي تحاول بجماليتها تصوير الواقع ومشابهته واذا كان عدد الافلام التعبيرية الخالصة محدوداً، الا انه غذى التجارب اللاحقة بعمق كبير، يحاول المؤرخ السينمائي بارتلمي امنجويل رصد التيار التعبيري في السينما الالمانية عبر مساهمته في كتاب التيارات الجمالية في السينما العالمية.يميز المؤرخون ثلاث فترات في سينما جمهورية فيمار: «صدمة الحرية» (1918-1924)، «السنوات الذهبية» للاستقرار (1924-1929)، «الأزمة الكبرى» (1929-1933)، والفترة الاولى وحدها هي التي تهمنا هنا، وهي فترة التعبيرية في ديسمبر 1918، تم قمع الثورة (السبارتكيون والسوفييت) وفي يناير 1919، تم اغتيال كارل ليبنخت وروزا لوكسمبورج، دخلت البلاد عصر العنف والفوضى وافلت الاغتيال السياسي من العقاب، ووقف من خاب املهم في السلام من الملكيين والقوميين و«فرق المتطوعين»، ضد معاهدة فرساي وضد الجمهورية وضد حكومة الاشتراكيين وغذى احتلال الفرنسيين «للسار والروهر» روح القتال وعدم البؤس وامتلأت الشوارع بالمشوهين والمعوقين والمتسولين والباعة المتجولين والمتعطلين والعاهرات وبلغ التضخم مبلغاً هائلاً حتى ان طابع البريد كان يباع بملايين الماركات وتغذى «الاثرياء الجدد» على التجارة والسوق السوداء، وخشي الارستقراطيون والبورجوازية العليا والمتوسطة والصغيرة من الشيوعية، وكانت الديمقراطية تصيبهم بالقلق، وكانوا يحلمون بالاصلاح ويتوهمون او يتمنون ظهور رجل قوي، قائد او «فيوهرر»، دون ان يخلو ذلك من متناقضات اصيلة في هذا المناخ عادت التعبيرية عودة حماسية قوية، وصلت الى السينما في النهاية. حركة متعددة الاشكال بين نحو عامي 1907 و1926، كانت التعبيرية بلا شك اكثر الحركات الطليعية جذرية من بين الحركات التي ولدت خلال العقد الاول من القرن العشرين، وألهمت فنون التصوير والآداب والمسرح والموسيقى والعمارة وفي وقت لاحق (مع عرض فيلم «عيادة الدكتور كاليجاري»، 1919) السينما، تتميز هذه الحركة باستنزاف عدائي للتعبير، و«بتعصب للتعبير الذاتي»، يترجمان مبدئياً من خلال تشويه و«تعذيب الشكل»، ومن خلال اعتباطية اللون في التصوير تعرف التعبيرية اساساً في علاقتها بالحرب العظمى (1914-1918) فقد كانت تشعر بدنوها وتخشاها، وعندما وقعت شهيدة لهذه الحرب (من الموضوعات التعبيرية المتكررة آلام المسيح وعذاب الصليب)، ادانتها ولفظت المجتمع البورجوازي الذي سمح بقيامها ولقد سيطرت عليها فكرة الموت وجمعت بين التمرد والتصوف، بين اليوتوبيا واليأس. ما هي الملامح الكبرى المشتركة في مجمل هذه «المدرسة»؟ رفض الانطباعية وادانتها بوصفها اسلوباً سلبياً ساكناً، رفض المستقبلية شديدة السطحية والتفاؤل، رفض علم النفس، النزوع الى الذاتية المفرطة التي تحاول السيطرة على قلقها المحض ورفضها العالم عن طريق اعادة صنعه وتفكيكه واخضاعه لرؤيتها الخاصة. لقد اكتسب التمرد التعبيري شكل «ميتافيزيقا الارادة» (على حد تعبير رودلف كورتز) واصبح الواقع هلوسة، يختلط فيه العضوي (الحي) وغير العضوي ويتعاركان تبدو الاشياء الجامدة حية بشكل مقلق بينما يثبت الاحياء في اماكنهم ويتحللون، كما يقول فان جوخ «الكائن يغفو». خصائصها الجمالية ليست بنا حاجة لأن نذكر اذن بأن التعبيرية تقع على النقيض من الطبيعية ومن جماليات مشابهة الواقع. وسيقول احد منظريها، كازيمير اشميد، في صياغة شهيرة الى الآن: «التعبيرية لا ترى انما لديها رؤى، لا تصف وانما تحيا، لا تعيد انتاج شيء وانما تشكل، لا تأخذ وانما تبحث بالنسبة للفنان التعبيري يكتسب كل شيء وكل شكل، طاقة ما ويكشف عنها (يكتب رودلف كروتز: «تصرخ قوة الاشياء الدينامية برغبتها في ان تخلق») يجب ان تنتظم اللوحة (اللقطة في السينما والمشهد في المسرح) في مجال قوى ما، ان تتحول الى موضع صراعات تشكيلية، وقد كتب فان جوخ (احد اوائل الفنانين التعبيريين الاوروبيين): «في تصويري للمقهى حاولت ان اعبر عن ان المقهى مكان من الممكن ان يجن فيه المرء ويرتكب الجرائم» ويسعى الفنان جاهداً للتعبير عن ذلك بالرسم واللون معاً: «تعبر هذه التقابلات اللونية عن جو الاحياء البائسة الملتهب وعن معاناة شاحبة، انها تعبر عن الظلمات التي تتسلط على كائن يغفو». يؤكد فان جوخ الرسام المصور على اللون، ويؤكد المنظر كورتز على «الخطوط»: «الخط المستقيم يدفع الشعور في اتجاه مغاير مقارنة بالخط المائل، والخطوط المقوسة المذهلة تثير توافقات روحية مختلفة تماماً عما تثيره الخطوط المنسابة بتناغم» وهو ما يؤكده الفيلسوف المهتم بعلم الجمال «ولهلم رونجر» (1881-1965): «عندما يحركنا دافع داخلي قوي لا نستطيع التعبير عنه الا على الورق، تتخذ الخربشات هيئة مختلفة تماماً عن الخط المستدير يركض القلم عنيفاً وبدلاً من الانحناءات الجميلة العضوية، يظهر خط قاس حاد الزوايا متقطع دائماً ومعبر بقوة» هكذا يحدد الشكل موقف وتلقي المتفرج. ان التعبيرية هي نتاج فترة أزمة عميقة، روحية ومادية معاً، وكثيراً ما تعبر عن شخصية غير ناضجة، يرعبها المجتمع ويصيبها الزمن وفترات الانتقال بالهلع، تؤمن بأن «لا شيء عدا فترة ما قبل المولد موثوق فيه» وفي صراعات الاجيال التي تقض مضجعها (أراد الآباء الحرب ولم يصنعوها): «يظل الابناء ابناء الى الابد».