الإبداع وحده لا يكفي، بل استثماره، عبر تعزيز الشغف الداخلي للمبدع، يُعد المعادلة الأسمى، في دراسة أبعاد إنتاجه الفني، وخاصةً في بيئة الفن التشكيلي، وجماليات الخط العربي، والتصميم الهندسي والديكور. وهنا تحديداً نقدم لكم نموذجاً عملياً، من خلال زيارة ميدانية لـ " البيان "، للفنان الإماراتي حسن البلوشي، في منزله الواقع بمنطقة ند شما في دبي. قبل وصولنا إلى المنزل، لم نحمل خلفية مسبقة، عما سنشاهده، من أعمال البلوشي، تاركين للمحاكاة الواقعية، منبعاً للأجوبة، في ماهية أعماله الفنية، التي تبناه، وأهدافها، وإدراكاتها في مشهد الحراك الثقافي والفني في الإمارات. وبمجرد دخولنا إلى بوابة كهف توسدت زاوية جانبية لحديقة منزل البلوشي، واستشفافنا لمجموعة براجيل، صممت فوق مجسم الكهف، لتدير دفة الهواء في الداخل. توصلنا أننا أمام حالة اختزال لفن معاصر يبحث في مفردات تراثية، بين حولها البلوشي، أنها بحث في الفعل الفني، يحقق عبره شغف ذاتي، ولا يعمد به مشروعا تجاريا معينا، بل رغبة في تنمية إبداعاته، بأمانة فكرية تقتضي، أن يقدم الإنسان دائماً إبداعه كاحتياج أساسي، وليس عملاً ثانوياً، يرسخ به ثقافة القدرة الإبداعية، في إعادة اكتشاف الذات وتنميتها.
شرح مفصل للعمل الفني، لنموذج الكهف أو ما أسماه البلوشي مجسم لـ ملاهي، لعقد جلسات حميمية خارجية، أو محطة يستجم فيها الأطفال. حديقة المنزل، كانت الممر لتفاصيل الرحلة الميدانية، وعرفنا أن البداية كانت مع الخط العربي في فترة التسعينات، وشرارة البلوشي، لإعداد وسائل خطية، لنفسه، ولبعض الأقارب، امتدت إلى تصميم الأشكال الهندسية، باستخدام الخشب والطابوق، ونموذج مصغر لبيت والده، وأبراج الإمارات، أولى تلك المجسمات، التي انتقل بعدها للاشتغال بالديكورات، والأصباغ واستخدامات، وورق الجدران، وقال حول ذلك: " في مرحلة الديكورات، عملت مرة في بيت إماراتي، وواجهته مشكلة في التعاطي معهم، كوني مواطن، وأهل البيت وجدوا صعوبة في الحديث معي، فعمدت على أن أشتغل المجسم لهم لوحدي، ولا أعلم لماذا لا تزال، تلك الفجوة الثقافية الخاطئة حاضرة، مما منعتي من مواصلة تأسيس ابتكاراتي في هذا المنحى ". متوجهاً إلى تعلم مجال التقنيات الكهربائية وفنيات إضاءة، للاستفادة منه لتطوير مشروعه الفني.
درس البلوشي الهندسة المدنية، ويعمل الآن في مجال إداري بعيد عن موهبته، ويعود السبب بالدرجة الأولى: توفير مورد مادي، يقدر من خلاله شراء ما يدعم إبداعه، كما أوضح لنا، أن فكرة شراء المواد والتصميم، تأتي عادةً بتكلفة أقل مما تدعيه بعض الشركات. وعبر اطلاعه وجد أن المؤسسات تبحث بشكل عام عن الأعمال الجاهزة في مجال المجسمات الهندسية الفنية، والتي يستخدم فيها تقنية الكمبيوتر، وتدفع لها أسعار خيالية، تصل إلى 70 ألف درهم، بينما الأعمال، من تحمل معاناة حقيقة، يُرى أنها أعمال مكررة وسهلة ومنتشرة ولا تحمل طابعاً فريداً، كالذي يسعى البلوشي إلى صناعته. ولفت أنه طلب عرض مجموعة أعماله، من بعض الجمعيات المعنية، مقدماً أيضاً رغبة في تعليم طلبة المدارس تلك الحرف الفنية، ولكنه لم يلق تجاوباً فعلياً.
الرؤية الفنية
أثناء زياراتنا لمنزل الفنان الإماراتي حسن البلوشي، آمنا بالرؤية الفنية لأعماله، التي استشف منها، تجليات لتقاطع مع بعض التصاميم، مثل بوابة أتلانتس، في نخلة جميرا، وبرج العرب، والفوانيس. اعتمد فيها البلوشي العنصر التراثي، كمدخل لها. ولم يكتمل المشهد، إلا بزيارة بيته من الداخل، والذي أوضح أنه صممه بالكامل، من رسومات الجدران، ومكتبة الكتب، وحصالة الأطفال، وألوان الغرف، ويسعى حالياً إلى تأسيس مجسم كامل لمدينة دبي، يضعه في غرفة المعيشة.

