لا تكتب صحفنا العربية عادة، قراءات في الأصوات العالمية، بل تكتفي بنشر أخبار الوكالات عن ما فعله النجم الفلاني، وما يواجهه العلّاني، ومشكلات الطلاق والزواج، ونسب الحضور في عدد الحفلات ومهرجانات الموسيقى، باعتباره خبراً ترفيهياً. ولكن هناك ما يدعو للبحث في عالم اللغة العالمية بشكل دائم، ما يجعلنا نتوقف للتأمل كثيراً، في بعد الحس الإنساني للنغمة على اختلاف تاريخ المكان والأزمنة. الأسطورة الإنجليزية الجديدة المغنية البريطانية أديل لوري بلو أدكنز، نموذج فريد، لإمكانية الصوت العريق من تجسيد قانون خلود الحوار الأزلي بين الكلمة واللحن، لننشئ منها عبوراً مستمراَ للحياة. وبمجرد البدء بسماع إحدى أشهر أغنياتها " شخص مثلك "، تؤمن أن الموهبة الغنائية تدرج فطري ووعي حقيقي لإدراكات الحس، دونما تصنع تكنولوجي، يبهرك في خدع صناعة الصوت، بل عرض حيّ تشهد عليه الخشبة، وضجيج الجمهور بالصمت، وهدوء التحية الحارة. كثيرون هم المستمعون العرب الشباب، من تبنوا أن لها كارزما صوتية تذكرهم بالنشوة الفيروزية، في استيعاب المساحة الحرة لإطلاق الصوت، والقدرة على تكوين منظومة موسيقية متكاملة، بين العرب والغرب.

تقديس الروح

أديل من مواليد 1988( توتنهام) شمال لندن، تبلغ من العمر 24 سنة، وتستطيع في لحظة اعتلائها الخشبة، إحداث حالة من التناغم بينها وبين الميكرفون، تشعرك بأنه ليس موجوداً، وإحساسك كمتلق، مرتبط بالحركة الإيمائية بين تجانس الصوت وغمضة العين. وعندما تبدأ بوصف شكلها الخارجي فإنه بعيد كل البعد، عن اهتمامات موضة المغنيات الحاليات، بل تعتبر نفسها جزءاً من النبض، لملايين من المستمعين، الذي يحفظون أغانيها. وعندما تطلب منهم أن يغنوا معها، يتبين لك أنهم يلقون السلام الوطني لأوطانهم، وتستشعر هنا، كيف أن الموسيقى وحدها الأقدر على تقديس الروح من الداخل، وإضفاء مزيد من مزايا الإنسانية في التعاطي مع مفردات الكون على اختلاف مفاهيمها. تقرأ في حوارات لها في الصحافة أنها تأثرت كثيراً بفرق "فتيات التوابل" البريطانية، التي اشتهرت في تسعينات القرن الماضي، محققة أعلى نسب مبيعات أسطوانات في ذلك الوقت، ويجعلك تستوعب أن توجه أديل إلى موسيقى البوب، لم يأت من هوس اعتيادي، بل تأثر متأصل في ثقافة تراكمية، ضمن لها فرصة حقيقية للظهور أخيراً في ألبومها الأول بعنوان "19 " الصادر في عام 2008.

الذوق العام

يتحدث الإعلام عن الجمهور العربي، بأنه متلق متذوق للإيقاع السريع، وأن جيل الشباب، الأكثر استهتاراً في الفهم العام للموسيقى بأشكالها وأبعادها. قبل أيام، وأنا أتعاطى مع مجموعة منهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، رغبة في التعرف أكثر على الاهتمامات والتوجهات الجديدة، باعتباري أمثل جهة إعلامية مسؤولة عن قياس توجهات المجتمع وقراءتها في صحيفة ( البيان )، توصلت إلى أن الذوق العام لديهم مرتفع في الاستماع للأغاني الأجنبية ببعدها الجاد، كالذي تقدمه المغنية البريطانية أديل، إضافة إلى متابعة دائمة لها وفي انتظار متجدد، حول ما ستقدمه خلال الفترة المقبلة، مبينين أنها تشبه المطربة اللبنانية العريقة فيروز في الأداء والامتداد الصوتي، ما يؤكد لنا نظرية الذوق العام، في اقتناع الأذن دائما بما هو جميل وراق، وسقوط نظرية الرتم السريع، ليس في الزمنية المقدمة عبرها الأغنية، وإنما المضمون بأبعاده الأساسية لحواس المتلقي.

21

أصدرت أديل ألبومها الثاني " 21 " في فبراير 2011 واحتل الألبوم المركز الأول في 30 دولة حول العالم من بينها الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا، حيث تجاوزت نسبة المبيعات في الأخير إلى 208.000 نسخة في أول أسبوع له على الصدارة، وفي الولايات المتحدة الأميركية وصلت أيضاً نسب المبيعات إلى الصدارة في الأسبوع الأول فقط بمبيعات تجاوزت 352.000 نسخة، وتقدر مبيعات الألبوم بأكثر من 22 مليون نسخة حول العالم، مما أحدث لفتاً للانتباه، للعديد من وسائل الإعلام والصحف والجمهور على نطاق عالمي واسع.

فقدان عربي

نموذج الصوت العالمي مثل المغنية البريطانية أديل أدكنز، يوجب علينا التساؤل عن سبب فقدان الوطن العربي للتنوع الموسيقي، والموهبة الجادة، والاكتفاء بالترويج الدعائي لنمط معين، من الألحان والتوزيع الغنائي، ما يجعلنا نعترف أن أزمتنا في المعتقد المشوه للهدف الأسمى من الموسيقى، والغناء في تعزيزه للفكر. إلى جانب الاحتكار التجاري للنمط الاستهلاكي، في الصناعة الغنائية والموسيقية. فمن المسؤول عن التوجيه النمطي للموسيقى العربية، بحيث جعلنا متوقفين عند زمن العملاقة، ما يوجب سنة التغيير، وبروز أصوات نوعية جديدة، تضمن العهد العربي مع الفنون بأشكالها، ومنها الغناء السامي.