قد تبدو مصادفة بحتة نتجت عن ضرورات البرمجة، لكن تزامن عرض فيلمين يتحدثان عن الحب والأواصر ويحملان اسم الحب والعشق في عنوانيهما يوحي إلى أن هذا التقارب جاء مخططاً له. ففيما عُرض فيلم "حب" للنمساوي مايكل هانيكة في الصباح، فقد شاهد جمهور المهرجان في المساء فيلم الإيراني عباس كياروستمي " كما العاشق".

شريط "حب" المعروض ضمن المسابقة الرسمية للمهرجان هو العمل الأول للمخرج النمساوي مايكل هانيكة منذ فوزه بسعفة المهرجان الذهبية في عام 2009 عن فيلمه الرائع "الوشاح الابيض"، وتدور قصته حول زوجين مسنّين في نهاية ثمانينات عمريهما، يؤدّيانهما جان لوي ترينتينيان ( بطل فيلم زد لكوستا غافراس والكونفورميستا لبيرناردو بيرتولوتشي) وإيمانويل ريفا (بطلة فيلم هيروشيما حبيبتي لآلان رينييه) تنقلب حياة المسنّين عندما تُصاب الزوجة بجلطة دماغية، تضع حياتهما ومعايشتهما على المحك وأمام اختبار حقيقي.

زمان الثعلب

ويؤدي ترينتينيان وريفا دوري جورج وآن، وهما موسيقان متقاعدان. وتؤدي إيزابيل هوبير، النجمة الفرنسية التي سبق وأن عملت مع هانيكة في عدة أفلام من بينها " زمان الثعلب" و "معلمة البيانو"، في هذا الفيلم دور إبنة المُسنّين العجوزين، وهي موسيقية بدورها وتعيش في الخارج.

بدأ تصوير الفيلم في باريس في مطلع العام الماضي وسجّل عرضه في المهرجان عودة لجان لوي ترينيتينيان إلى مهرجان "كان" السينمائي الدولي بعد غياب دام ما يربو عقداً من الزمن.

و"حب" هو الانتاج الثالث الذي يجمع مايكل هانيكة بشركة سوني بيكاشيرز كلاسيك، ومن بينها شريط "الوشاح الأبيض". وأعربت شركة سوني عن ارتياحها بالتشارك والعمل مع هانيكة، وقال بيان لها "يؤكد فيلم "حب" مجدّداً بأن مايكل هانيكة واحد من أرقى المخرجين العالميين، وينتظره الجمهور الأميركي بفارغ الصبر لقناعته بأنه سيقدّم إليه تجربة إنساية غاية في الروعة" وتُضيف الشركة الأميركية قولها" نعتز كثيراً بهذا التعاون بيننا والذي رسّخ أواصر التعاون بيننا ويتيح لهذا الفنان المتميّز إنجاز أفلامه الجميلة والرائعة".

حوار هامس

كزميله أمير نادري،المقيم في الولايات المتحدة منذ سنين، والذي أنجز شريطه السابق في اليابان بالكامل، حضر المخرج الإيراني المخضرم عباس كياروستمي الدورة الخامسة والستين بشريطه عن الحب " كما العاشق" والذي صوّره في اليابان بشكل كامل ومع مجموعة من الممثلين والفنيين اليابانيين، ولم يعمل معه من فريقه الإيراني إلاّ القليلين ومن بينهم مونتير الفيلم بهمان كياروستمي.

منذ اللقطة الأولى تُخفي أحداث الفيلم مأساة قادمة، إذ يحاول "سمسار" من معتمدي الطبقة الراقية إقناع فتاة شابة على الالتحاق بزبون خاص، فيما هي تسعى للتخلّص من هذا الالتزام كونها تنتظر وصول جدتها العجوز إلى طوكيو لتناول طعام العشاء معها قبل أن تعود إلى قريتها، ولكونها أيضاً ارتبطت بعلاقة صداقة حب مع شاب يعمل ميكانيكياً في مرآب للسيارات يسعى إلى الزواج منها، ويلاحقها بالهاتف ولا تثق فيما تقوله له، وهي لا تُجيد الكذب.

وحين تقتنع على الالتحاق بالزبون مُجبرة، تكون ( هي والمشاهد في ذات الوقت) اقتنعت بأن من عليها أن تقضي الليل معه شخصية هامة، وقد يكون سياسياً كبيراً، وتتزايد حالة الترقّب في الرحلة بسيارة الأجرة صوب العنوان، ولمجرّد الوصول تحدث المفاجأة. وتتطوّر الأحداث بشكل يُشابك بين الشخصيات وتلعب الصدفة، التي بناها المخرج بشكل غير منطقي، في زيادة تعقّد لحالة التي تُفضي إلى نهاية يُبقيها المخرج متعمّداً، مفتوحة على الاحتمال المأساوي، أو على احتمال الكوميديا المثيرة للضحك، وهو ما حدثً بالفعل في نهاية العرض الصحافي، فبدلاً من التصفيق أو الصيحات الاعتراضية من قبل جمهور النقاد في الصالة فقد سادت حالة من الضحك التي فاجأت الجميع.

على العكس ممّا يخص المخرجين الآخرين، لم يَسُدْ في أجواء المهرجان ترقّب خاص لما أنجزه كياروستمي، وهو بالفعل لم يأت بجديد، فقد أنجز فيلماً إيرانياً تقليدياً ناطقاً باللغة اليابانية، ما كان له أن يُنجزه في إيران لخصوصية "عمل" الشخصية النسائية الرئيسية في الفيلم.

في الفيلم ثمة حضور جيّد للغاية للممثلين الرئيسيين الثلاثة، وسعى كياروستمي إلى تغليب الحوار الهامس والصوت الخفيض في مجمل مسار الأحداث، واللحظتان الوحيدتان اللتان نستمع فيهما إلى صرخة، لا يُرى في الأولى وجه الممثلة رين تاكاناشي، بل تلتقطها الكاميرا بعد لحظات قليلة من تلك الصرخة الاعتراضية وكأن امرأة أخرى هي من صرخت، أما اللحطة الثانية، فهي صرخة الخطيب الشاب ( أدّاه ريو كسي)، فهي مسموعة دون أن نشهد وجه الممثل. ويبدو عباس كياروستمي هنا كمن يقول بأن الهدوء الظاهر على وجه ما، لا يلغي غليان ثورة في داخل المرء.

نسخة طبق الأصل

كما حققت النجمة الفرنسية جولييت بينوش في فيلم عباس كياروستمي السابق "نسخة طبق الأصل"، وفازت بجائزة أفضل ممثلة في الدورة الثالثة والستين من المهرجان في عام 2010، فإن أداء الثلاثي، الشابة رين تاكاناشي والمخضرم تاداشي أوكونو والشاب ريو كاسي، هو أفضل مفردات فيلمه "كما العاشق"، دون تناسي الممثلة البارعة ميهاكو سوزوكي، التي أدت دور الجارة العجوز، والتي بدت كعجوز مشرقية يمكن أن تكون من سكان حي شعبي في أية مدينة إيرانية أو عربية.