في تايلاند يربطون الحظ السعيد بالجلوس على ظهر هذا الحيوان ...الفيل! ينطبق هذا على الأقل مع سكان قرية ماي سابوك بشمال تايلاند حيث يتزايد باستمرار عدد الأجانب من أصحاب البشرة البيضاء أو «الفرنج» كما اعتاد التايلانديون تسمية أولئك الأجانب الواعين لأهمية البيئة والذين يأتون من أجل الاسترخاء وسط الأفيال ويسيرون بها وسط الغابات بمرافقة خبراء من المرشدين المحليين ويتعلمون كيف يركبونها وفي أثناء ذلك يستكشفون طبيعة وحياة ساكني الجبال.

وغالبا ما يطلق اسم «الفرنج» على الزائرين الأوروبيين الذين يتميزون بالأنف الطويل ويمتلكون من المال الكثير. ويعد الألماني بودو ينس فورستر ذو «الأنف الطويلة» الذي كان يعمل حارسا لحديقة حيوان «فريدريشسفيلده» ببرلين اليوم في تايلاند واحدا من وجهاء مدربي الأفيال في تايلاند.أصبحت هذه الحيوانات في حاجة إلى مساعدة عاجلة بعد أن أصبح عددها يتناقص دوما بصورة أكبر وأصبحت حياتها محزنة في أماكن كثيرة.

ويوجد في قرية ماي سابوك معسكر أفيال أنشأه بودو ينس فورستر 64 عاما بمساعدة شريكه التايلاندي شاي نام تسيتانج على أطراف الحديقة الوطنية دوي إنثانون، ويبعد بنحو ساعة بالسيارة من مدينة شيانج ماي الكبيرة.

وأصبح هذا المعسكر محبوبا بصفة خاصة بسبب النزهات الاستكشافية التي يقدمها عن الغابة البكر والدورة التي تستمر 41 يوما لتعليم قيادة الأفيال.

ويهز الألماني فورستر رأسه مبتسما عند إجابته على سؤال عما إذا كان اتخذ القرار الصائب في الحياة مع أفيال الغابة ويقول :«عندما كنت حارس الأفيال في حديقة فريدريشسفيلده ببرلين كنت أحلم بلقاء الحيوانات على طبيعتها الأصلية».

ويضيف فورستر أنه في أقل من عام وبعد سقوط سور برلين عام 9891 سافر إلى تايلاند، وهناك تعلم الرجل ذو الشعر الطويل مهاراته من الـ «ماهوتس» وهي كلمة يطلقها ساكنو جبال جنوب شرق آسيا على سائقي الأفيال و وصل تدريجيا إلى تعلم فهم قيادة هذا المخلوق في الطرق الضيقة بالغابة ومرافقة الأفيال أثناء الاستحمام في الأنهار.

ويتذكر فورستر ما قاله له أحد سائقي الأفيال آنذاك «حرك هذا الفيل». ويقول: «وبالفعل استطعت أن احركه وسمح لي بالبقاء والتعلم، فأنا أتقبل الحيوانات والناس والطبيعة، ولهذا تم قبولي آنذاك».

ومن يذهب لقضاء الإجازة في تايلاند مع الأفيال بين أشجار الخيزران وحقول الأرز وخشب الساج الذي ينمو في الغابات لا يشعر فقط بالسعادة ولكنه حتما ولابد سيجد الكثير مما يحكيه عن هذا عندما يعود لوطنه أو شركته التي يعمل بها أو زبائنه.

ويقول مشرف المعسكر ديتر شرام الذي جاء من مدينة انسبروك العاصمة النمساوية لولاية تيرول: حياة السياح مع الأفيال وتعلمهم كيفية التعامل معها تمنح الأهالي والحيوانات الرزق والطعام وتشجع على فهم الطبيعة والشعوب المختلفة.

ويعمل شرام في مؤسسة الألماني فورستر والتايلاندي تسيتانج والمكونة من 03 موظفا، ويشرف شرام 74 عاما على المعسكر الأصغر من «معسكري السياحة الخاصة بالأفيال» في مدينة ماي سابوك وهما المعسكران اللذان تبدأ منهما أيضا رحلات طويلة إلى مناطق ساكني الجبال وإلى المعابد وشلالات المياه. والكل هنا رابح شريطة أن يمشوا مع بعضهم البعض بحذر.يشهد بذلك الزوار ومغرمو الأفيال من مدن ليفركوزن وبرلين وهامبورج وزيوريخ وفيينا وسيدني.

وكذلك مستشارة المؤسسة بيانكا هورنا 93 عاما التي جاءت من مدينة فرانكفورت الألمانية، وتجلس هورنا باسترخاء تام على ظهر الفيلة «ماي جيو» التي تتوقف مرة أخرى أثناء التهام الطعام وبخرطومها القوي تقتلع اشجار الخيزران الصغيره التي تعترض طريقها. وتحب هورنا الأفيال منذ طفولتها. ويعد اعتلاء صهوة الأفيال وتوجيههم وقيادتهم والاتجاه بهم إلى الأماكن الضيقة في الغابة ومرافقتهم أثناء الاستحمام في مياه النهر وكذلك الصعود والجلوس على الهودج المثبت على ظهر الفيل من ضمن الدورة التعليمية التي تستمر 41 يوما مع ذلك الحيوان العملاق.

وتقول هورنا: «هذا كله ليس صعبا خاصة بعد أن نشأت علاقة أليفة بيني وبين حيواني»، وفي اليوم الأول للدرس يقترب الزوار بمرافقة سائق الأفيال من الحيوان ما بين الأنهار والحشائش وأشجار الخيزران وأشجار الأيكة العالية المتشابكة مع بعضها.

وبعد ذلك تبدأ الأفيال في التواصل معهم، كل شخص يتكلم بلغته مع حيوانه سواء كان ذلك باللغة الألمانية أو الانجليزية أو التايلاندية.

والجدير بالذكر أن حيوانات الغابة الضخمة كالأفيال تميز الرائحة والحركة والصوت وتعد روائح العطور أو الكريمات غير محبذة لدى الأفيال فهي تزعج وتؤذي حاسة الشم لديها.

وتضيف هورنا: «الفيلة ماي جيو تقبلتني بسرعة» لكن المشكلة الوحيدة تكمن في أن الزائرين يجدون صعوبة عند ربط زمام الصندوق المعدني على ظهرها الضخم. فربط هذه الأحبال الثقيلة بواسطة أيدي السيدات لا يعد أمرا هينا، وبالنسبة لي كان هذا أصعب شيء في الدرس حيث ينبغي ألا تكون الحبال مشدودة بشكل كبير وكذلك ينبغي ألا تكون مرتخية. ويجب أن يظل الصندوق المثبت على ظهر الحيوان مستقرا على ظهر الفيلة أثناء الصعود والنزول خاصة عندما يكون محملا بأحمال كبيرة وليس مجرد راكب واحد».

ولحسن الحظ فإن الشاب ديو 52 عاما على استعداد دائم للمساعدة والتدخل لشد إحدى عقد الحبل بإتقان.

كان ديو من سكان طائفة «الكارين» الذين هاجروا من ميانمار إلى تايلاند، وسكنوا مناطق الجبال ويعمل سائقا للأفيال ويهتم على مدار 42 ساعة بالفيلة ماي جيو ويستكشف معها مناطق الرعي الجديدة في الغابة وينام على بعد عدة أمتار منها.

وعلم ديو تلميذته الألمانية هورنا أن تترك للفيلة أثناء الجلوس على صهوتها الحرية الكبيرة في التهام الطعام. وهذا ما تفعله الألمانية اليوم الرابع عشر من الدورة.

والفيلة «ماي جيو» عمرها 22 عاما وحامل في الشهر التاسع عشر. ومن المنتظر أن تلد صغيرها خلال ثلاثة أو أربعة أشهر. وتستخدم الفيلة خرطومها في سحب أعواد الخيزران، وتكسره بمهارة وبراعة ثم تدفع القطع الصغيرة منها إلى فمها.

وعندما تلتهم الفيلة ما يكفيها من الطعام تواصل سيرها ولكن بعد أن توجه لها هورنا نداء «كوي» .. «كوي» أي «للوراء» مستخدمة قدميها في نفس الوقت لتوجيه الفيلة وتحويلها عن الطعام من خلال جذبها بعيدا عن أعواد الخيزران وحثها على السير البطيء و المتراخي. وبسماع نداء «هو» ... «هو» أي «للأمام» تواصل «ماي جيو» حركتها تدريجيا.

وينظر متعجبا إلى هذا المشهد ألماني كبير السن يأخذ درسا قصيرا في المعسكر. وهو سعيد لأنه لا يضطر إلى توجيه الفيلة بنفسه أو الصياح وأن فيلته تطيع أوامره.

وتسير الفيلة وتميل برقبتها إلى أسفل لكي تحمل بخرطومها خشب أشجار التيك (الساج) وفي أثناء هذا يتشبث الألماني بصندوق المقعد حتى لا ينزلق إلى الأمام باتجاه السائق تام الذي يجلس أمامه على رقبة الفيلة، والشاب تام «02 عاما» من شعب الكارين أيضا يحافظ بدون أي جهد على توازنه ويوجه الفيلة بسهولة واسترخاء.

ونادرا ما يستعمل تام العصا الصغيرة مع الفيلة الأم «ماي كام نوى» التي تبلغ سبعة عشرة عاما، وتحوم وليدتها الفيلة وعمرها سبعة أشهر دائما حولها وتقطف بدعابة أوراق وفروع الأشجار، إلا أنها لا تلتهمها ولكنها ترضع لبن أمها بين وقت وآخر.

ويقول تام انه عند الولادة كانت الفيلة الصغيرة تزن 001 كيلوجرام والآن تزن الضعف تقريبا.

ولكي يصل الفيل الصغير إلى وزن الأم البالغ طنين ونصف يتطلب فترة من الزمن.

ويقول بودو ينزفورستر: يجب أن تبقى الأفيال الصغار على الأقل أربع سنوات مع الأم. إلا انه في معسكرات ومزارع كثيرة يتم فصل الرضيع عن الفيلة الأم وهذا ما يضر نموها وتطورها. ويبتسم الألماني فورستر ويتفاخر بأن حيوانات الأدغال تشعر بالراحة والطمأنينة في معسكره الذي يعيش فيه 8 أفيال بالغة ومن بينها فيل ذكر بالإضافة إلى خمسة أفيال وليدة.

ويتم تأجير جميع الفيلة عدا حيوان واحد للسياح، ويعيش مالكوها في قرية على الحدود مع بيرما.

ويمكن أن تصل تكلفة قوت الفيل في اليوم إلى 52 يورو. ويبتلع الجامبو الكبير يوميا من 001 إلى 002 كيلو جرام من الخضروات، ويحتاج إلى 001 لتر من المياه.

ماي سابوك (د ب أ)- «الحواس الخمس»