بعد أن استقطبت الانتخابات البرلمانية الأخيرة اهتمام المجتمع المصري، نظرا لما شابها من تجاوزات.. يبدو أنها كانت موحية أيضا لعدد كبير من صناع وكتاب الدراما، الذين تسابقوا لتحضير وجبة دسمة من المسلسلات ترصد الواقع المر لما خلفته الانتخابات على الساحة واستعراض الصورة الحقيقية لنائب البرلمان الذي يغدق الأموال ليحظى برضا الناخبين.. ومعروف أن الفنان عادل إمام قدم صورة ساخرة لنواب البرلمان الذين يحصلون على الحصانة بطرق غير مشروعة ولأهداف أبعد ما تكون عن تحقيق آمال المواطنين..

وبعد أيام قليلة من خسارتها في الحصول على مقعد البرلمان، بدأت الفنانة سميرة أحمد في تقديم عصارة تجربتها الانتخابية في مسلسل جديد يكتبه يوسف معاطي بعنوان «ماما في البرلمان» يشاركها فيه جميع نجوم مسلسل «ماما في القسم» وترصد من خلاله صورة النائب الفاسد والانتهازي وغير السوي، فضلا عن الأساليب والحيل التي تتم في الخفاء للحيلولة دون وصول الشرفاء إلى مقعد البرلمان..

وعلى الرغم من أن المسلسل كان قد تم التحضير له من قبل خسارتها الجولة الانتخابية، فقد أكدت الفنانة أنها اتفقت مع المؤلف على بعض التغييرات في السيناريو لتتضمن إظهار ما عاشته في معركتها الانتخابية وما رصدته من ممارسات سلبية مثل قيام البعض بتقديم رشاوى انتخابية وممارسة البلطجة.

معالي الوزيرة

بينما تقرأ المخرجة رباب حسين حاليا السيناريو الذي كتبه محسن الجلاد لتطابقه على الأحداث الواقعية للانتخابات المصرية من خلال متابعتها لرصد الصحف ومواقع الإنترنت لهذه الانتخابات، وذلك من خلال أحداث مسلسل «قضية معالي الوزيرة» لإلهام شاهين، الذي تدور أحداثه حول وزيرة ذات قيم ومبادئ عليا يتم توريطها في بعض الممارسات المشبوهة، وتتباين الأحداث متشعبة حول العديد من التفاصيل منها الأجواء الانتخابية.

في الاتجاه ذاته، يعكف الفنان محمد صبحي على كتابة الجزءين السابع والثامن من مسلسل «يوميات ونيس»، مستعرضا ما يحدث في المعارك الانتخابية بطريقة ساخرة تنتقد كل أشكال التزوير وتكشف عن المتربحين من العملية الانتخابية.

ولم تكن الانتخابات البرلمانية الأخيرة هي الوحيدة التي جذبت صناع الدراما، بل حاولت الدراما دوما إلقاء الضوء عليها وتزييف إرادة الشعوب.. بداية من تغيير صناديق الانتخابات وإحراقها إلى شراء الأصوات كما في مسلسل «أزمة سكر» الذي قدمه أحمد عيد العام الماضي والذي كان يقود الحملة الانتخابية لأحد المرشحين بنوع من الكوميديا الساخرة من خلال تقديم بعض الرشاوى لشراء الأصوات مستغلا حاجتهم للمال والهدايا العينية.. وقدمها الفنان أحمد مكي أيضا في إطار كوميدي من خلال الصراعات والإغراءات والتربيطات بالإضافة إلى تقديم الصورة السيئة المليئة بالإسقاطات التي تدور في كواليس مجلس الشعب من خلال مسلسل «الكبير أوي» الذي عرض العام الماضي.

كما قدمت الفنانة مي كساب نموذجا آخر من خلال مسلسلها الأخير «العتبة الحمراء» من خلال صراع أبناء العمومة الذين يحاولون كسب ود الناخبين ولا ينفذون من وعودهم أي شيء، بينما قدم المؤلف أيمن سلامة زاوية أخرى في «قضية صفية» حول نواب البرلمان الفاسدين، وهو نفس ما قدمه الفنان نور الشريف في فيلم «عمارة يعقوبيان».. والذي جسده أيضا عادل إمام في عدد من أعماله السينمائية منها «الجردل والكنكة»، «طيور الظلام»، «الواد محروس بتاع الوزير».. بينما جسد يوسف داود دور النائب البلطجي والمحتال في فيلم «الظالم والمظلوم» وكان جزاؤه القتل في النهاية.

رصد غير مباشر

إلى ذلك، يوضح د. عيد سالم موسى، عضو البرلمان المصري، أنه منذ كان والده عضوا بمجلس النواب، وهو يرى صورة عضو البرلمان والانتخابات سوداوية، حتى بات النائب الشريف استثناء، ويؤكد أن الواقع غير ذلك كثيرا، مؤكدا وجود عدد كبير من النواب الشرفاء الذين وصلوا إلى البرلمان من أجل المواطن البسيط، لكنه لم ينكر أيضا وجود عدد من الملتفين بعباءة البرلمان من أجل الحصانة لتحقيق منافع شخصية، منهم نواب القروض والقمار والفضائح الجنسية والدم الملوث والمتلاعبين بأقوات الشعب.

بينما يرى الكاتب والسيناريست فداء الشندويلي أن الحصانة البرلمانية وأسوار مجلس الشعب كانت تمنع الكتاب من الاقتراب إلى نقد سلبيات أعضاء البرلمان سواء في الانتخابات أو تحت القبة أو تجاوزهم في الشارع، لافتا إلى تعرض رسام الكاريكاتير المصري عمرو سليم أخيرا للمقاضاة جراء إقدامه على نشر رسم كاريكاتيري اعتبره بعض أعضاء البرلمان مسيئا لهم.

وأشار إلى أنه ككاتب لا يستطيع إغماض عينيه عن مثل هذه الممارسات المسيئة، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع رصدها بأسلوب مباشر يتسبب في مقاضاته وحبسه، بل يلجأ إلى رصد الممارسات دون التطرق إلى أشخاص بعينهم.. مؤكدا أن المشهد البرلماني لا يدعو للابتهاج أو الفرح؛ لأن القبة ما زالت تخفي تحتها النائب المبتز والمخالف للقوانين والتشريعات والباحث عن الترف بكل أنواعه.

أما الفنان نور الشريف الذي قدم نموذجا سلبيا لعضو البرلمان في فيلم «عمارة يعقوبيان» فيرى أن هذا النموذج موجود بكثرة ليس في البرلمان المصري وحده، بل في غالبية البرلمانات العربية والدولية.. لافتا إلى أن الانتخابات الأخيرة أظهرت سيطرة أصحاب المال والجاه؛ لذلك تعد السينما والدراما مرآة للواقع، مؤكدا أنه لا يستطيع أحد إنكار النماذج التي قدمتها السينما من تربيطات ومؤازرات وضرب تحت الحزام وتخل عن الأحزاب.. وإن كانت هناك نماذج شريفة من الإنصاف التعرض لها في أعمال درامية باعتبارها باتت الاستثناء.

بدورها، طالبت الفنانة سميرة أحمد بفضح كل ما أسمته تزوير إرادة الناخبين وإغراءهم بالأموال من خلال تقديم أكبر عدد من المسلسلات الدرامية والأفلام السينمائية، بعد أن تعرضت لما أسمته «مسرحية هزلية» كادت تفقد حياتها بسببها وهي خوضها المعركة الانتخابية، موضحة أن الدراما حتى هذه اللحظة لم تقدم واحدا في الألف مما يحدث.

مادة دسمة

ويرى الناقد طارق الشناوي من زاوية أخرى، أن الانتخابات مادة دسمة يجب استثمارها بطريقة هادفة تنقل ما يحدث على الساحة السياسية إلى الشاشة الصغيرة أو الكبيرة بما تشهده من تجاوزات وأساليب تأتي بالتزوير بمن يفترض أنه سيدافع عن مصالح الناس.

ورفض القول بأن الدراما بشقيها السينمائي والتلفزيوني تتجنى على نواب البرلمان، متفقا مع ما ذهب إليه المؤلف فداء الشندويلي بأن الكتاب لا يرصدون إلا قشور الفساد، ولا يصلون أبدا إلى لبه!!

القاهرة - دار الإعلام العربية,