احتلت جرائم القتل الأسري خلال الآونة الأخيرة مكانا ثابتا لها في مختلف وسائل الإعلام العربية، وحملت في ثناياها ضروبا من الأسى والألم والعذاب، وكلها تستند إلى حجج واهية، فبعد أن كان أفراد الأسرة يجدون ضالتهم في البحث عن الطمأنينة والاستقرار والراحة والدفء في المنزل، أصبحوا الآن يهرعون منه خوفا من سقوطهم في بركة من الدماء داخله.. والسؤال: لماذا تتكرر تلك المشاهد في مجتمعاتنا؟، وما الذي يدفع الأب إلى أن يقتل أولاده بوحشية، وما هي التركيبة الاجتماعية والنفسية المحيطة بمثل هذه الجرائم؟ كلها تساؤلات تدور في أذهاننا بعد تكرار الكثير من مشاهد العنف.

سيناريوهات درامية مأساوية لتلك الجرائم تتكرر يوميا عبر صفحات الحوادث بالصحف، فهذه أم تجردت من مشاعر الأمومة وقتلت طفلها وأحد أقاربها، ومهندس يقتل أسرته بعد خسارته في البورصة، وطالب جامعي يقتل أسرته بالكامل بدس مبيد حشري في الطعام لاعتراضها الدائم على تأخره خارج المنزل وتوبيخه لعدم انتظامه في الدراسة، فيما قام رجل أعمال بقتل زوجته وابنه وابنته رمياً بالرصاص ثم انتحر بالمسدس نفسه ليسقط بجوارهم وسط بركة من الدماء، وأب يقتل ابنته صعقا بالكهرباء لسرقتها أربعين جنيها من ملابس عمها، ورجل يغتصب ابنته لمدة ثلاث سنوات مهددا إياها بالقتل إذا تحدثت عن الأمر لأحد وتنجب منه بعد ذلك طفلا، وزوج عذب زوجته حتى الموت وأشعل النار في الشقة لإخفاء معالم جريمته، وشخص يقتل خطيبته وشقيقتها ووالدتها بالسكين دون وعي، وآخر يقتل أمه وأبيه تحت تأثير المخدرات لينتهي به الأمر في مستشفى الأمراض العقلية

وتكشف بعض الدراسات والإحصاءات أن 06 % من أحداث العنف في المجتمع المصري خلال السنوات الأخيرة كانت عائلية؛ بمعنى أن القاتل والمقتول من نفس الأسرة، ويكاد الأمر يصل إلى ضرورة وضع لافتات في الشوارع مكتوب عليها «لا تقتلوا أبناءكم وبناتكم»، لدرجة تصل إلى حاجاتنا إلى دورات إرشادية لتعليم الآباء والأمهات كيف يتجنبون قتل أبنائهم، ودورات أخرى لتعليم الأبناء كيفية تفادي محاولات القتل من الأب أو الأم..

أسباب جديدة

بدورهم يؤكد الخبراء أن هذه الجرائم يمكن إيعازها لأكثر من سبب، فلم يعد الفقر والبطالة هما الأسباب الرئيسية، بل ظهرت أسباب أخرى رصدها عدد من المختصين، من بينهم د.عزة كريم أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية التي أكدت أن العلاقات الأسرية هي أقوى أنواع العاطفة بين البشر والحيوانات أيضا، ودائما ما يعبر هذا الترابط عن عواطف تحويها تضحيات بين الأباء والأبناء، وبالتالي ترابط أي مجتمع ينعكس على الأسر، ولكن عندما تنصهر في المجتمع مظاهر تختلف مع طبيعته وتتناقض معه تتأثر بها الأسرة باعتبارها خلية داخل المجتمع، فدائما ما يبدأ الخلل داخل المجتمع، ومن ثم ينتقل إلى الأسرة.

وتضيف أن معظم الدراسات والإحصاءات خلال العشر سنوات الأخيرة أشارت إلى أن الجريمة انتشرت داخل المجتمع وتحولت من جرائم سلمية إلى دموية، حيث كان السارق يسرق فقط، أما الآن فأصبح يسرق ويقتل بكل بساطة، ولم يصل الأمر عند هذا الحد، بل وصل إلى التمثيل بالجثث بعد القتل، مما يعبر عن كم الغل والانتقام بداخله، وبجانب ذلك تعدت الجرائم حدود أية قاعدة عاطفية أو إنسانية بعدما شملت قتل الأبناء والآباء.

وتخلص إلى أن هذا الوضع ليس نتاج مشكلات أسرية، بل مشكلات مجتمعية، فارتفاع الأسعار والمعاناة القائمة بين الدخل والإنفاق والضغوط المجتمعية حولت سلوكيات الأسرة من الحب والسلام إلى سلوك عدائي، ففي مصر على سبيل المثال هناك 01 % ينعمون و09% يعانون، والأدهى من ذلك أن الإنسان أصبح اليوم غير حريص على حياته فأصبحت رخيصة لديه، ولذلك الجرائم ستظل تزداد في الفترة القادمة.

نمط جديد

وتختلف معها في الرأي د.سامية الخشاب، أستاذ علم الاجتماع الأسري، موضحة أن القتل الأسري ما هو إلا نمط جديد من أنماط العنف الأسري طرأ على المجتمع، وكان له مقدمات إعلامية من خلال تقديم الأفلام والمسلسلات للعنف المتكرر، وأيضا كانت هناك مقدمات اجتماعية واقتصادية ودينية مثل الجهل والفقر والبطالة وغيرها من الأبعاد التي تلعب أدواراً رئيسية في تهيئة الظروف الملائمة لارتكاب مثل هذه الجرائم وغيرها من المشكلات الأخرى وليس القتل فقط.

وفي السياق نفسه تشير د.سامية الجندي أستاذ علم النفس بكلية الدراسات الإنسانية إلى أن القتل الأسرى ما هو إلا حالات فردية ترجع لملابسات محاطة بوقت وقوع الجريمة، لافتة أن الحالات المتكررة ما هي إلا حالات نفسية تواكبها ظروف اجتماعية غير منضبطة، والدليل على ذلك عدم وجود جرائم مدبرة إلا نادرا.

وتشير إلى أن العوامل النفسية والاجتماعية هي السبب وراء وقوع مثل هذه الجرائم التي تكون وليدة لحظتها فقط، حيث أثبت الطب النفسي أن 09% من هذه الحالات تصاب وقت الجريمة بهلاوس سمعية وبصرية وعقلية، أو أن القتل يحدث تحت تأثير الإدمان، حيث إن هذه المواد تؤثر في حالة الوعي وتشوه مراكز الإدراك لديهم، فيصبح الشخص في حالة اضطراب في رؤيته وإدراكه وحكمه على الأمور، وتصبح سلوكياته عدوانية، وبعد الإفاقة قد يندم على ما فعله، ويحاول قتل حالة الندم التي انتابته بالانتحار، هذا بالإضافة إلى انتشار حالات المرض النفسي والاكتئاب الذي زادت معدلاته بشكل ملحوظ.

جنون مؤقت

وأيدها في الرأي د.أحمد شوقي العقباوي أستاذ الطب النفسي مؤكدا أن القاتل تصيبه حالة من الاكتئاب تدفعه إلى حالة من الجنون المؤقت وقت وقوع الجريمة، وهذا يحدث في حالات نادرة، وليس لها أي محل من التعميم، فضلا عن حالات الاكتئاب والأمراض النفسية التي يعاني منها الشباب اليوم، مما يجعلهم يقومون بارتكاب مثل هذه الجرائم الأسرية في ظل غياب العقل واختفاء شعورهم بالأمان والاستقرار.

القاهرة ـــ دار الإعلام العربية