من منا لم يعش أجواء الحارة المصرية كما صاغها عميد الرواية العربية الراحل نجيب محفوظ، الذي تكرست موهبته الأساسية في تشخيص هذه الحارة، وما كان يدور بين أفرادها من سجالات، فترى المشهد عامرا بالكثير من الضعفاء، وقلة تمتلك القوة.. ولأن أنامل اليد الواحدة تتباين، فالقوة أيضا تتباين من شخص إلى آخر.. فمن يدٍ تستخدمها في الذود عن الضعفاء وحماية الحقوق عُرفت دوما باسم «الفتوة» الذي يحمي وينتصر لحقوق البسطاء، ضد يدٍ أخرى تمارس البطش والنهب والترويع عرفت باسم «البلطجي».. الفتوة والبلطجي.. كلاهما ذا بأس وقوة.. لكن لكل منهما أهداف ومسار يختلف تماما عن الآخر.. تعالوا نتعرف إلى هذا العالم الذي يكاد يختفي من عالمنا المعاصر ليستحوذ على المشهد بأكمله، فإلى التفاصيل..
فرق كبير في المسميات، كالفرق بين الماضي والحاضر، الفتوة ـ البلطجي، كلاهما صاحب سطوة وقوة ورهبة، أحدهما سلاحه عصا ضخمة كانت تعرف باسم «النبوت»، والآخر سلاحه المطاوي والسنج التي لا تفرق بين العين والقلب، ليصبح الفرق هنا بين التأديب والقتل، أحدهما يحمي ويَعدل ويعطي، والآخر ينهب ويقتل ويغتصب.. وكثير من الأجيال السابقة والحالية لم يعيشوا عصر «الفتوات» الذين انتشروا منذ قرون وحتى أواخر الأربعينات من القرن العشرين، كان الفتوة بمثابة شرطي الحارة أو الحي، يحمي ويذود عن الحقوق، وكان لكل حارة فتوتها، وله أتباعه الذين يستخدمهم لفرض النظام والانضباط تحت علم وبصر الحكومة.
وكان بعض الفتوات يفرضون ما يشبه الضرائب على الناس عرفت باسم «إتاوات» لصالح كل فتوة وأتباعه، لكن الأغلبية من هؤلاء الفتوات كانوا يفرضون الإتاوات على الأغنياء والقادرين لصالح الفقراء والمعدمين.
وكان لاختيار «الفتوة» الجديد طقوس عديدة، أبرزها أن يتم عبر معارك طاحنة مع الفتوة السابق، فإذا انتصر عليه في المبارزة التي يحضرها كل أهل الحارة، يكون هو الفتوة الجديد المعترف به، وعلى الفتوة السابق الذي غالبا ما يكون قد تقدم في السن أو ذهبت قوته أن يحترم نفسه وإرادة الناس ويعلن مبايعته ورضوخه للفتوة الجديد.. وفي القاهرة اشتهرت أحياء بعينها بالفتوات، خاصة بولاق ومصر القديمة وحي الحسينية وكثير من المناطق الشعبية.
وظل الفتوة دوما بمثابة الحاكم في «حارته»؛ يمارس بمعاونة أتباعه كل الأدوار التي تمارسها الحكومات في الوقت الحالي، وخلافا للخدمات الداخلية التي تتم لأهل الحارة، فقد كانت هناك مهام حمائية أخرى ضد أي عدوان خارجي من الحارات الأخرى، فكان لكل فتوة من الأعوان ما يشبه حرس الحدود حاليا، والذين كانوا يسهرون على مداخل الحارة ومخارجها لحمايتها من أي دخلاء يهددون أمنها.
على النقيض من ذلك، وكما يقول د. منتصر محمود مجاهد أستاذ علم الاجتماع، نجد ما يعرف حاليا باسم «البلطجية».. وهؤلاء يتمركزون في مناطق كثيرة، خاصة المناطق الشعبية والأسواق، بلا ضابط ولا رابط، ينهبون المارة ويفرضون سيطرتهم على مناطق بعينها، يأخذون الإتاوات لصالحهم، يقتلون ويتعرضون للمارة في الطريق العام، لكن مع تطور الزمن امتدت البلطجة حتى لأبناء الأسر العريقة والراقية، مع اختلاف الطريقة، حيث يجمعون بعض العاطلين حولهم ويدخلون المحلات الراقية والديسكوهات والكباريهات يشربون ويأكلون من دون دفع الحساب، ويمارسون البلطجة مع الزبائن، وأحيانا يحطمون أثاثات المكان، وكل منهم يعتقد بأنه «مسنود» بشخص كبير في العائلة.
بينما كان الفتوات منضبطين بتقاليد معينة تحت بصر الشرطة والحكومة التي كانت تعترف بهم، وتحاسبهم إذا حادوا عن الطريق المرسوم لهم، رغم أنها لا تتدخل في اختيارهم، وتترك ذلك للنبوت ليكون الفيصل بين المتعاركين.
ويوضح أنه إذا كان البعض يؤكدون أن نهاية عصر الفتوات هو مطلع الأربعينات، إلا أن البعض الآخر أكد أن الفتوة كانت موجودة حتى مطلع الخمسينات قبيل انطلاقة ثورة 32 يوليو، وأن إنشاء العديد من أقسام الشرطة في الأحياء قد قضى على هذه الشريحة التي كانت تمثل قوة الفتوة وقوة القانون في وقت واحد، موضحا أنه بعد إنشاء أقسام الشرطة كان الفتوة موجودا لكن على نطاق غير رسمي، وكثيرا ما كانت الشرطة تستعين بهم في أوقات حاجتها لهم؛ مثل البحث عن خارج على القانون أو القبض على أحد اللصوص، لتأكد الشرطة بأن الفتوة وجماعته غالبا ما يعرفون مكانه وبإمكانهم السيطرة عليه، وفي بعض الأحيان يكون الخارج عن القانون نفسه أحد أفراد مجموعة الفتوة الذي يصير بعد انتهاء صلاحية الفتوة عاطلا فيعود ليبحث عن رزقه بطريقته غير المشروعة.
سطوة اليد
ورغم الاختلاف والاتفاق على دور الفتوة في كل العهود، إلا أنه أصبح جزءا لا يمكن أن يتخطاه التاريخ، خاصة في عالم السيرة الشعبية التراثية في مصر، لكننا في الوقت الحاضر نجد فتوات أخطر وأكثر تدميرا؛ وهم فتوات العلم والمعرفة، الذين يحاولون فرض هيمنتهم على أفكار الناس والحجر على الرأي الآخر، وذلك عكس الفتوة الذي كان يفرض سطوته بقوة اليد وتنتهي معركته بمجرد إنزال النبابيت.
وفي ظل البحوث وسجلات التاريخ، ظهر العديد من وجهات النظر المختلفة عن ظاهرة الفتوة، حيث يعتقد الكثيرون بأن الفتوة كان مهما وفاعلا في القرن التاسع عشر عندما كان حارسا للأبواب في القاهرة وحتى أربعينات القرن العشرين، باعتبارهم يمثلون الشرطة الشعبية في الأحياء، إلا أن البعض الآخر أكد على أن الفتوات في كثير من الأحيان كانوا يستخدمون بواسطة أهل المال والنفوذ لإسكات أصوات المظلومين وقهرهم بلا رحمة مقابل أموال يتلقونها، مما أدى إلى زيادة ظلم الكبار وأهل المال والنفوذ للضعفاء، الذين امتصوا دماء المواطنين البسطاء، خاصة أن الفتوة كان جاهلا عفويا، ليست لديه القدرة على تقييم الأمور.. وفي تاريخ هذه الشريحة الكثير من الحكاوي والقصص، حيث رووا بأن فتوة الحي سابقا كان بالضرورة أن تكون وراءه مجموعة من أنصاف الفتوات باعتباره زعيمهم، وعندما تبدأ معركة يكون في مقدمتهم، حيث كان مطاعا لا أحد يستطيع أن يعصي له أمراً، وكانوا قبل الدخول في أية معركة مع الأحياء الأخرى يرسم لهم الفتوة الخطط وطريقة التحرك والهجوم، ويدخلون المعركة تحت قيادته بلا جدال، ويختار من أتباعه واحدًا يكون كاتم أسراره ويثق فيه جدا ويقربه منه، فيعمل له بقية أتباعه ألف حساب، وكان هناك عُرف دائم بأن من يمس أحدا من مجموعة الفتوة كأنه أساء إلى الفتوة نفسه، وهذا جعل لكل فرد من مجموعة أي فتوة سطوة وقوة وبأساً. كما أن بعض الفتوات كان لهم دور وطني كبير إبان عهود الاستعمار، حيث قاموا بقيادة مجموعات من المواطنين والفدائيين في مقاومة الحملة الفرنسية على مصر عام 8971، ولعبوا دورًا كبيرًا في حين ورد الزحف الفرنسي.
بلطجة متعددة
وأشار د. مجاهد: إذا نظرنا إلى تاريخ الفتوات في مصر نجد أن فيه الكثير من المواقف المتقاطعة في مسيرتهم، والتي ساهمت بقدر كبير في أداء دور إيجابي، وإن كانت لبعضهم أدوار سلبية، رغم أنهم كانوا محسوبين على الفتوات، لكنهم استخدموا سطوتهم لمصالحهم الشخصية. وإذا قطعنا أن الفتوة قد غاب اليوم تماما، ليحل بدلا منه البلطجي الذي يحكم بقانون الغاب، فيفرض السيطرة وليس السطوة فقط، حتى إن القانون الجنائي قد وضع العديد من المسميات للبلطجة؛ مثل تهمة «فرض سيطرة»، وأصبحت قضايا البلطجة تحتل النصيب الأكبر ضمن القضايا المطروحة أمام القضاء، حيث قدرها بعض الباحثين بأنها وصلت إلى 01 ملايين قضية في ساحات المحاكم، والغريب أن البلطجي أصبح يجد القبول في العديد من الأماكن والأشخاص، مثل بعض الشركات وبعض أصحاب المال وبعض الفنانين والنجوم على مختلف ألوانهم، فهؤلاء يستخدمون البلطجية لحمايتهم وتصفية حساباتهم مع الآخرين، وحتى في الانتخابات النيابية بعض المرشحين يستخدمون البلطجية في إرهاب المقترعين ومنع أتباع منافسيهم من التصويت، وكل هؤلاء يعتبرون مصاحبة البلطجية لهم في مشاوريهم وتحركاتهم نوعا من الوجاهة و«الشو»، أو كما يطلق عليها البعض «برستيج».
قال أحد أصحاب المحلات الكبيرة وكان يقف خلفه 4 من البلطجية إنه يحتمي بهم، خاصة أنه يجلس في متجره إلى ساعة متأخرة من الليل وخزانته مليئة بأموال نشاط اليوم، وعندما طرحنا له فكرة شركات الأمن الخاصة، قال إن أفراد الأمن الخاص أغلبهم من كبار السن، وتسليحهم ضعيف، لا يقدرون على مواجهة عصابات كبيرة أو بلطجية متمرسين ومعتادي الإجرام، وقال: أختارهم أقوياء وأختبرهم بنفسي لأعلم قدراتهم.
وهناك نوع آخر من البلطجية تجدهم حتى في أوساط طلاب المدارس، فهؤلاء يقطعون الطرق ويضربون بلا هوادة باستعمال السنج والمطاوي وإذا عرف المواطن بوجودهم في أماكن معروفة يهرب بجلده إلى مكان آخر؛ لأنه لن يسلم منهم لأي سبب من الأسباب؛ ولذلك تصاعدت وتيرة المطالبات بضرورة تغليظ العقوبة على هؤلاء.
القاهرة - دار الإعلام العربية
