ميلاد بسادة مخرج عالمي له تاريخ حافل على مدى أكثر من 40 عاما في مصر وكندا وأميركا وأوروبا، أخرج للسينما فيلمين عالميين، إضافة إلى مجموعة من التمثيليات وحلقات كوميدية عديدة، وقام بتطوير برامج في شبكات تلفزيونية، منها «غلوبال وART وإس سي تي في.. ويعد بسادة من أوائل مخرجي التلفزيون المصري، حيث قدم العديد من البرامج والمسلسلات في الستينات، ثم هاجر في السبعينات إلى كندا، وأصبح من أهم المخرجين هناك، ومن أهم أعماله فيلما «يوم هادئ في بلفاست» و«البحث عن ديانا»..«الحواس الخمس» التقاه أثناء حضوره مهرجان القاهرة السينمائي الأخير، ورصد عدداً من محطاته وآرائه..
مشوارك الطويل في السينما العالمية جعل بداياتك لدى الكثيرين غامضة.. فماذا عن خطواتك الأولى؟
كنت أعمل في التلفزيون المصري في فترة الستينات، وكانت لديّ بعض برامج المنوعات أقوم بإخراجها في ذلك الوقت، منها «مجلة التلفزيون» و«أنغام حول العالم» و«تحت الأضواء»، إلى جانب مجموعة من التمثيليات الدرامية، وآنذاك كنت أعمل أيضا مقدما لبعض البرامج مثل «فن الباليه» و«لقاء كل يوم» و«تحت الأضواء»، كما عملت في الإذاعة في تقديم برنامج «أحدث الأغاني العالمية» في ذلك الوقت، والحمد لله كنت أحقق نجاحًا كبيرًا بين أبناء جيلي خلال هذه الفترة.
لماذا كانت الهجرة إلى كندا رغم هذا النجاح الذي تتحدث عنه؟
نجاحي كان السبب في أن أهجر مصر إلى كندا، ففي منتصف الستينات قرر رئيس التلفزيون وقتها أن يكافئني، فأرسلني في منحة دراسية إلى كندا، وبالفعل سافرت، لكن بعد عودتي فكرت في الحياة هناك، وقررت قرارا مفاجئا؛ أن أهاجر إلى كندا وأعيش وأعمل هناك، وبالفعل سافرت أنا وأسرتي، وكان معي وقتها 005 دولار فقط، ولم أكن قد اتفقت مع أية جهة هناك للعمل.
طريق صعب
من المؤكد أنك واجهت العديد من الصعوبات.
واجهت معوقات كثيرة كأي مغترب يسعى لإثبات ذاته وتحقيق طموحاته، وكانت تزداد وأنا أسعى للبحث عن فرصة للعمل كمخرج في التلفزيون الكندي، خاصة أنني لم أستفد من نجاحاتي في التلفزيون المصري، وأذكر أنهم كانوا يتعجبون عندما أحدثهم عن تلفزيون بلدي، فكان الكثير منهم يعتقد بأن المصري بدوي يعيش في الصحراء بين الجمال والأهرامات، لذلك فشلت كل محاولاتي في الحصول على فرصة عمل كمخرج، واضطررت للعمل في إحدى شركات التأمين حتى أستطيع الإنفاق على زوجتي وأولادي، واستمر الحال على ذلك ثلاث سنوات.
كيف جاءت الفرصة للعمل بالإخراج؟
خلال تلك السنوات الثلاث جاءت لي بعض الفرص للعمل مساعد مخرج، ولكن كنت أرفض، ولديّ إصرار على العمل كمخرج؛ لأنني مخرج كبير، ولا يليق بي أن أكون مساعداً في التلفزيون الكندي، وبعد معاناة شديدة عملت مخرجاً لعدد من البرامج الإخبارية والتسجيلية والتعليمية والمنوعات، وسعيت لتقديم برامج كوميدية، ولكن طلبي قوبل بالرفض أكثر من مرة، وفي بداية السبعينات كان يتم الإعداد لحلقات جديدة من برنامج من أهم البرامج الكوميدية الساخرة في كندا، وكانت هذه البرامج هي الأكثر شهرة وتسخر من كل شيء كانت تقدمه فرقة جديدة في «تورنتو» تتكون من مجموعة من الشباب الذين أصبحوا بعد ذلك من أكبر نجوم أميركا.
حدثنا أكثر عن هذا البرنامج، وكيف أقنعت القائمين عليه بقدراتك؟
كان البرنامج بعنوان «مشاكل مع تراس»، وأتذكر أن منتجه الأميركي وقتها كان يواجه مشكلة في اختيار مخرج ثابت للحلقات، وقد حاول كثيراً ولكن لم يستطع أحد ممن كانوا يتوالون على إخراجه أن يثبت كفاءته، وتقدمت إليه وطلبت منه أن أخرجه، ووافق مضطراً؛ لأنه لم يجد أحدا، وأتذكر حينها قال لي مدير البرامج الكندي: «إنت مصري وهذه نيويورك كوميدي، إنت جاي من الأهرامات والصحراء، كيف تقدم هذا البرنامج الضاحك لجمهور كندي؟!»، ورفض أن أخرج البرنامج، ولكنه سافر في إجازة، واستغللت الفرصة وكررت طلبي على المنتج الأميركي، الذي وافق بالفعل، ولكن بعد أن أقنعته بأنني مدرب على برامج الهواء لسنوات طويلة في التلفزيون المصري، وأخذت هذه الفرصة بكل حرص وجدية، خاصة أن هذا البرنامج صعب في تنفيذه، حيث كان يبدأ العمل يوميا فيه من التاسعة صباحا بعد تلقي الإسكريبت بالفاكس من لوس أنجلوس، ليبدأ عمل الديكوباج والتحضير وإعداد الممثلين وتجهيز الملابس والماكياج وإعداد الاستوديو، وكل مراحل العمل النهائية، ليتم عرضه في الخامسة مساءً على الهواء مباشرة، وبذلت قصارى جهدي في إخراج هذا البرنامج بالشكل الجيد الذي يثبت أن العربي ليس بدويا يعيش في الصحراء، وأبدى المنتج دهشته من قدرتي على إضفاء روح المرح على السيناريوهات، وكان ذلك بداية لأن أصبح بعد ذلك المخرج الأساسي للبرنامج، وكان من أبطال هذا البرنامج نجوم الكوميديا في السينما الأميركية بعد ذلك «جون كيندي، وكاثرين أوهارا، ويوجين ليفي، وهارولد راميس، وديف توماس»، وسرعان ما أصبحت فيما بعد المنتج الفني لكل برامج شبكة التلفزيون الكندي من منوعات ومهرجانات وبرامج وثائقية.
وقدمت حلقات «أشهر القضايا» و«عصابة ووترفيل»، ثم انتقلت بعد ذلك إلى شبكة تلفزيون جلوبال، وتوليت مدير عام البرامج والإنتاج فيها، وكنت أقوم بتدريب المخرجين.
وكيف جاء انتقالك إلى السينما العالمية وسط هذا النجاح في التلفزيون؟
كان طموحي أن أحقق العالمية في السينما، وبدأت أفكر بجدية في طرق هذا العالم بقوة، ووجدت الكثير مما أفكر فيه في مشروع فيلم روائي بعنوان «يوم هادئ في بلفاست»، وهذا كان الفيلم الأول لي في السينما، ويتناول قصة الاحتلال البريطاني في أيرلندا الشمالية من خلال قصة إنسانية لأختين توأم، وحقق الفيلم نجاحًا كبيرًا، ولكنني لم أستطع الاستمرار في السينما بعد ذلك؛ حيث أسندت إليّ مسؤولية برامج «لوتاريات الحكومة الكندية»، وكانت جديدة في ذلك الوقت، وهذا عطلني كثيرًا عن إنجاز فيلمي الثاني «البحث عن ديانا كالنتي» الذي دارت أحداثه في مدينة الأقصر، في محاولة مني لعرض كنوز وآثار مصر، وتم التصوير بين مصر وكندا، حيث وضع الموسيقى التصويرية للفيلم الموسيقار المصري عمر خيرت، وحقق الفيلم نجاحًا كبيرًا، وشارك في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي عام 3991.
هناك محطة أخرى في مشوارك المتنوع تتعلق بعملك في شبكة قنوات ART.
كان ذلك في التسعينات، حيث فوجئت آنذاك باتصال من الشيخ صالح كامل صاحب شبكة قنوات ART، وكان في ذلك الوقت يستعد لبثها، وطلب مني أن أقوم بوضع كل نظم الشبكة على أحدث الأساليب العلمية، وبالفعل قمت أولاً بوضع أنظمة البث في مركز البث في إيطاليا، ثم قمنا بتطوير العمل في كل مراكز الإنتاج في مصر، ودربنا المخرجين والمعدين ومقدمي البرامج، وتم وقتها تقديم برامج جديدة على الإعلام العربي وعلى أعلى مستوى، وظللت في العمل في قنوات «ART» لمدة 01 سنوات من 2991 حتى 2002، ثم عدت مرة أخرى إلى كندا.
الكاميرا الواحدة
تنقّلك من دول أوروبية لأخرى، هل يجعلك متابعا للسينما في بلادك؟
طبعاً أنا متابع جيد للسينما المصرية، وأرى أن الكثير من الأفلام بها وصل إلى مستويات ممتازة، وهناك بعض الأفلام التي أعجبتني، منها «عسل اسود»، و«بنتين من مصر».
أعرف أن لك رأيا في الاستعانة بالأسلوب السينمائي في المسلسلات التلفزيونية، ماذا عنه؟
الحقيقة أنني مندهش من لجوء بعض المسلسلات إلى نظام السينما في التصوير والاعتماد على كاميرا واحدة، فأرى أنها رفاهية غير مفيدة، وهو نظام مكلف جداً ولا يناسب طبيعة العمل التلفزيوني ولا ساعات الدراما المطلوب إنجازها، وحتى إذا كان أسلوب الكاميرا الواحدة مفيداً في بعض المشاهد التي تتطلب سيطرة ضوئية من نوع خاص، فإن استخدامه باستمرار ليس له أي مبرر.
ربط البعض بين إعلانك عن تقديم فيلم مصري وتكريمك في مهرجان القاهرة السينمائي هذا العام!
ليس من المعقول أن يكون التكريم هو سبب عودتي إلى بلدي وتقديم أعمال بها، بالعكس أنا أفكر منذ فترة طويلة في تقديم فيلم مصري بكل عناصره وجوانبه، بداية من المؤلف والأبطال والإنتاج وفريق العمل، وحاليا لديّ سيناريو للمؤلف الشاب نادر صلاح الدين، ومن المقرر أن يتم تقديمه في الفترة المقبلة، وأتمنى أن يتحقق ذلك وأعود لأستقر في مصر وأكمل حياتي فيها.
القاهرة - دار الإعلام العربية
