عالم مملوء بالخرافات.. والبدع .. يخضع لقوى وهمية ونفوذ غير بشري.. يعمل وفقا لنظام مشعوذ وغريب، ووفقا لقانون ليس له أي بنود، ابتدعه أصحاب هذا العالم والقائمون عليه بهدف عبور بوابة العالم السفلي والتواصل مع حراسها من الجن؛ لممارسه أعمال السحر الأسود والدجل وتجسيد طقوس الشر والظلام..
هم أشخاص يصنعون أوهاما ويتقاضون أموالا ويعيشون في مخابئ مظلمة تسيطر عليها رائحة البخور وتتوسطها ألسنة النار واللهب وتحمل حوائطها أشكالاً مخيفة تتمثل في رأس الأسد ذي الشعر الكثيف أو رأس أفعى ضخم أو جسد لفرس نهر مرعب أو وجه امرأة شاحب أو ذيل تمساح ومخالب نمر وعين صقر وهكذا، فهو عالم يخفي بين طياته الكثير من الغرائب والغموض والقصص والحكايات وتكثر فيه الضحايا وتضطرب فيه الأفكار وتختلط فيه المفاهيم وتتأرجح بين الحقيقة والخيال، «الحواس الخمس» اقتحم هذا العالم ورصد خفاياه عبر ضحاياه من الإنس.
حكايات غريبة نسمعها من أصحابها الذين احتكوا بعالم السحر والدجل والشعوذة، دون أن يفكروا أو يدركوا أو يحاولوا فهم شيء، فهم ينساقون دائما وراء مطالب السحرة التي ستحقق لهم كل أمانيهم ورغباتهم.. في هذا الصدد تقول أم سعيد - 39 عاما - إنها كانت تشك بخيانة زوجها لها، حاولت مرات عديدة أن تستدرجه في حديثه معها، لكنه دائما كان يفلت من كل أسئلتها، فكانت تراقب كل تصرفاته وأفعاله.
وقالت: كل تصرفات زوجي كانت تؤكد لي خيانته، كنت أحاول أن ألتقط من حديثه معي خيوطا كي أربطها ببعضها من أجل معرفة الحقيقة، لكني فشلت في هذا، فوجهت إليه اتهاما مباشرا بالخيانة وسألته: هل تخونني، ومع من؟ ولكنه استطاع أن ينكر وكانت ابنتي هبة - 18 عاما - دائما تنصحني بأن أتتبعه أو أراقبه، لكنني رفضت خوفا من أن أراه مع امرأة أخرى فيجن جنوني؛ لذلك لم أنصت إليها، كانت أيامي التي تمر عليّ صعبة وداكنة، فكلما رأيته ونظرت في عينيه شعرت بالخيانة.
وتضيف أم سعيد «زادت بيننا المشكلات والمشاحنات فأصبح كل يوم يمر لابد أن ينتهي بمعركة بيني وبينه، حتى تحدثت إلى جارتي - أم حافظ (42 عاما) والتي نصحتني أن أذهب إلى الحاجة يسرية الشهيرة بـ «الدرويشة» وهي التي ستخبرني بما يخفيه زوجي، وعلى الفور انتقلت إلى مقر هذه السيدة ووجدته مزدحما بسيدات أخريات بعضهن يعانين مما أعاني منه.
وهو شك في خيانة الزوج وبعضهن يردن أن يصنعن أعمالا ويحللن أعمالا، انتظرت حتى جاء دوري ودخلت إلى الحاجة يسرية التي كانت تجلس وراء طاولة متوسطة الارتفاع وعليها تضع البخور وعندما دخلت أمرتني أن أجلس على المقعد الموجود أمامها فجلست، حاولت التحدث إليها لكنها لم تجب علي تماما.
وجلست هي تتمتم بعبارات غير مفهومة وكأنها تحدث أحدا من الجان، ثم طلبت مني بعض النقود لكي تخبرني بما لا أعرفه فأعطيتها ما طلبته، ثم قالت لي إن زوجي يخونني بالفعل مع امرأة حسناء وسيتزوجها عن قريب، عدت إلى المنزل وعندما رويت له ما حدث هددني بالطلاق إذا ذهبت مرة أخرى إلى هذه السيدة، ومن يومها أصبحت كل أيامي أنا وابنتي مظلمة يحوطها الشك من الجهات الأربع.
مس شيطاني
أما أم محمد (40 عاما) فتقول إنها تذهب إلى إحدى السيدات لتعالج ابنتها بالقرآن من الاكتئاب وتقول: عرفت بمكان إحدى السيدات التي تعمل على شفاء الناس بالقرآن وتعالجهم به، فذهبت إليها بعد أن أخبرني الجميع أنها بالفعل ستداوي ابنتي، وعندما ذهبت إليها قالت لي إن ابنتي تعاني من المس الشيطاني، ففزعت أنا وابنتي عندما سمعنا هذا وعندما سألتها عن العلاج قالت إنها ستتلو على رأسها بعضا من الآيات القرآنية التي تطرد الجان من الجسد، ثم ستقرأ نفس الآيات على بعض من الماء لتغتسل به ابنتي.
وأضافت «هناك الكثيرات دائما يذهبن إلى هذه السيدة وبالفعل كانت تزيل كل آلامهم وأوجاعهم»، ثم أكملت «وكلما شعرت بأن أحدهم يصنع لنا أعمالا سحرية كنت أذهب إلى هذه السيدة لفك الأعمال، وأيضا كانت تعطيني أحجبة للحماية ضد وساوس الشيطان والمس».
دموع الندم
لكن أم حنان (40 عاما) تؤكد أن ابنتها حنان لاقت حتفها على يد أحد الدجالين وتقول «كانت ابنتي تبلغ من العمر 20 عاما، ونحن في بلدة صغيرة، إذا تجاوزت الفتاة فيها السادسة عشرة دون زواج فهذا يعيبها، وعندما بلغت ابنتي العشرين عاما أصيبت بحالة نفسية شديدة، وعندما عرفت بأحد المشعوذين الذين يعالجون مثل هذه الحالات لم أتردد دقيقة واحدة في أخذ ابنتي إليه.
وهناك طلب مني هذا الدجال أن أترك ابنتي معه وأغادر الغرفة لأنتظرها بالخارج؛ لأنه سيبدأ طقوس علاجها ولا يجب أن أنظر إليها، فنفذت ما طلبه مني، وبعد دقائق قليلة سمعت صراخ ابنتي، فنهضت وحاولت الدخول إليها لكن أحد مساعدي الدجال منعني من الدخول، استمرت ابنتي في الصراخ وهي تقول «الحقيني يا أمي» فدفعت الباب بقوة بعد أن أفلت نفسي من أيدي المساعد ودخلت إليها، فوجدتها نائمة على ظهرها بدون ملابس وجسدها مبلل تماما.
ووجدت الدجال يمسك بجهاز صعق الكهرباء، وعندما سألته ما الذي يفعله، قال لي إن ابنتي تعاني من المس الشيطاني؛ لذلك استخدم الكهرباء لطرد الجن وصعقه، حاولت أن أقلب ابنتي يمينا ويسارا لكنني وجدتها قد فارقت الحياة.
السحر والدين
يؤكد د.محمد عبدالعظيم أستاذ بمركز البحوث الجنائية والاجتماعية أن المشعوذين والدجالين يمزجون بين السحر والدين عن طريق استخدام الآيات القرآنية ويزعمون أنهم قادرون على علاج الأمراض وحل المصائب وإزاحتها وإزالتها عن طريق تحضير الأرواح وتسخيرها لخدمتهم، وأضاف أن هناك حوالي 400 ألف شخص في مصر يعملون في مهنة الدجل والسحر، لكن معظمهم في القرى الفقيرة والتي ترتفع بها نسبة الأمية والجهل.
مشيرا إلى أن 250 ألفاً يتوزعون في باقي الدول العربية، وأكد أيضا أن الدجالين يستغلون أزمات ومصائب النساء لجني الأموال ومضاعفتها، وذلك عن طريق تفعيل الخرافات ودمجها بالحقيقة، وهذا ما جعل نصف نساء العرب يؤمن بهذه الخرافات ويترددن على أوكار المشعوذين والدجالين سرا وعلانية، من أجل إيجاد حلول لمشكلاتهم الخاصة مثل تأخر الزواج أو شك الأزواج أو صنع الأعمال أو ربط الأزواج أو عدم الإنجاب والعقم أو فك السحر.
مشكلات اجتماعية
أما د.عبدالله السعيد أستاذ علم الاجتماع، فأضاف أن أسباب تفاقم هذه الظاهرة يرجع إلى غياب الوازع الدين وتراجع المؤسسات الثقافية والاجتماعية والتعليمية عن دورها الحقيقي في المجتمع، وزيادة الجهل وارتفاع نسبة الأمية وترسيخ مفاهيم خاطئة مثل وجود قوى خارقة أو تسخير البشر للجان.
بالإضافة إلى انسياق مجتمعنا العربي والإسلامي وراء الأفكار الغربية الغريبة ومعتقداتهم الدينية، ويشير أن هناك أسبابا أخرى مثل إحاطة المرأة بالعديد من المشكلات الاجتماعية والتي لا تجد لها حلا سوى اللجوء إلى دجال أو ساحر أو مشعوذ.
كذب المنجمون ولو صدقوا
«كذب المنجمون ولو صدقوا» صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا ما بدأ به د.صبري عبدالرؤوف أستاذ الفقه المقارن، مؤكدا أن من الإسلام حسن التمسك بكتاب الله وسنة سيدنا محمد رسول الله بل وتطبيق شرع الله قولاً وعملاً.
مضيفا حينما بعث الرسول عليه الصلاة والسلام بالإسلام وجد أن للناس عادات وأمورا غريبة قد توارثوها عن آبائهم، لكنه عليه الصلاة والسلام كان يحارب كل هذه الخرافات؛ لأنها أوهام، وقد حذر صلى الله عليه وسلم من التعامل مع الدجالين مطلقًا فقال «من ذهب إلى كاهن أو عرَّاف فصدقه أو لم يصدقه فقد كفر بما نُزِّل على محمد» صدق الرسول الكريم.

