ينتمي المسرحي المصري أسامة أبو طالب إلى جيل مسرحي أغنى الحركة المسرحية العربية منذ منتصف السبعينات من القرن الماضي، وقدم اقتراحات وحلولاً كثيرة من أجل النهوض بحركة هذا المسرح، وقد عرف عنه ولعه بتقديم البحوث النظرية والمتابعة العملية للعروض المسرحية التي قدمت على خشبات المسارح المصرية دون أن يهمل الجانب العملي فكتب للمسرح، وعبر بوابة البيت الفني للمسرح، هذه المؤسسة الكبيرة، التي رأس هرمها الإداري. دخل في تفاصيل اللعبة المسرحية، وعيّن في وزارة الثقافة وكيلاً للوزارة، وقبل فترة قصيرة من تقاعده قدم للمشهد المسرحي العربي مسرحية الملك لير في إعداد جديد له.

في مهرجان دمشق المسرحي كان الدكتور أبو طالب حاضراً في المهرجان، وشارك في الندوات، وأجرى لقاءات وحقق بعض المشاريع ذات الصلة بمنشورات مسرحية ما للمستقبل القريب.

«الحواس الخمس» التقى الدكتور أسامة أبو طالب، وأجرى معه الحوار التالي:

دخلت في المناصب الإدارية المسرحية، وعرفت بحزمك في التعامل مع الفنانين المسرحيين في القاهرة؛ فهل أثرت تلك المناصب في أدائك كرجل عامل بالمسرح؟

المناصب التي توليتها بالقاهرة تشرفت بأنها قربتني من الفنانين المصريين، وهم أصدقائي وأحبتي وزملائي في الطريق الصعب، الذي مضينا به معاً، وأنا لم أكن حازماً بالمعنى المباشر للكلمة، بل على العكس كان هناك وجهات نظر مختلفة، وكان لابد من رأي حاسم حول قضية ما، وأردت تماماً أن أنتصر للمجتهدين ولأبناء المسرح الشرعيين، الذين وقفوا على خشبات مسارح القاهرة من أجل إعلاء كلمة المسرح. منذ البداية كان موقفي واضحاً في هذا السياق، والحمد لله حاولنا الوصول إلى تصور ما بخصوص العمل المسرحي في مصر، وربما حاربت أن يسطح عمل المسرح أو أن يقدم فيه مفردات خارجة عن الحياء العام لأنني أرى أن المسرح كدار العبادة على الجميع احترامها، فقد انتقيت نصوصاً لائقة، حيث نضحك ونتعلم بشكل راقٍ.

هل أثر العمل الإداري في عملك كمسرحي؟

حاولت أن أوفق بين كلا الأمرين، لاسيما أن الاختصاص الذي حصلت عليه الدكتوراه في الدراما والنقد من ألمانيا له علاقة بتطوير أدوات الناقد بالعمل في المسرح كناقد وباحث أو دراماتورغ أو كاتب، وفي كل الأحوال كنت أسعى لأن أحصل على بعض الوقت من أجل العمل في المسرح ضمن المجالات التي ذكرتها قبل قليل. في النهاية لم أحصل تماماً على ما أردت أو على ما كنت أحلم به، ولكن هذا ما حصل ونعود الآن بعد أن غادرنا العمل الوظيفي.

يقال إن المسرح المصري الآن لا يعيش على صعيد المسارح الجادة أياماً جميلة، وأن الإنتاجات المسرحية تكاد لا ترقى لمستوى الحضور المسرحي المهم في المشهد العربي؟

جزء من هذا الكلام صحيح، وأعتقد أن المسرح المصري لا يعيش أجمل أيامه على الإطلاق، ومنذ ما يزيد على السنوات الخمس، وربما الأسباب تبدو عامة لتراجع المسرح في كل أنحاء العالم العربي بالدرجة الأولى، والأمر له علاقة بالدعم المادي، وإذا أرادوا للمسرح أن يستمر بألق وتميز يجب أن يدفعوا له، وأن يجزلوا له العطاء لكل العاملين به، وليس للنجوم والممثلين، المسرح يعاني بسبب الإهمال وقلة الحيلة وضعف الموارد، كل الإمكانات الأخرى متوفرة والخبرات عديدة، ولكن ما يحتاجه المسرح هو الدعم، وحينما يتوفر ذلك نحن على استعداد للدخول في المشكلات الأخرى، وهي جميعها محلولة ولا مشكلات فيها.

قمت بتأسيس مهرجان الكاتب المسرحي الأول، لكن التجربة لم يكتب لها العمر الطويل؛ فإلى ماذا يعود السبب؟

بعدما قُتل الكاتب عمداً في بعض العروض المسرحية العربية والمصرية، تحديت الجميع وقمت بهذا المهرجان، خصوصاً بعد اتجاه الشباب والمسرح إلى الشكل، اتجهوا إلى الرقص والحركة وخلطوا بين المفاهيم، وبعدما أصبح المسرح في المهرجان التجريبي قفزاً من الأسطح.

هناك كتّاب عرب ماتوا دون أن يروا نصاً لهم على الخشبة، ولأن المسرح هو ميدان العمل، أقدمت على هذه التجربة التي رغم نجاحها حُوربت وماتت.

والنجاح الذي حققه هذا المهرجان أنه قدم 91 كاتباً مسرحياً، وقام بالعمل فيه مجموعة كبيرة من الشباب، حوالي 005 شاب وشابة وبعض من الفنانين الكبار الذين عملوا دون مقابل.

منعت لجان التحكيم، كما منعت المكافآت، المخرج والفنانون يأخذون مكافآت رمزية، وقطعت الطريق على النقاد والصحافيين المرتزقة الذين يتقاضون المال ليكتبوا عن العروض وعن المهرجان فتمت مقاطعة المهرجان إعلاميّاً، لأن كل من لا يقبض لا يكتب.

عملت رئيساً لقسم النقد في المعهد العالي للفنون المسرحية بالكويت والآن عدت للقاهرة لتعاود نشاطاتك من جديد ومن هناك، فهل هناك مشاريع سفر أخرى؟

لا أعتقد، مشاريع السفر كلها تصب في العمل على المهرجانات العربية وفي ورش العمل التي أكلف بها، ولا أعتقد أن هناك سفراً طويل الأمد الآن، بل أجد نفسي قريباً من الاستقرار بالقاهرة أكثر من أي مرة أخرى، وعملي في الكويت حققت من خلاله قرباً مع المسرح الخليجي، وكما هو معروف في الكويت نشاط مسرحي جيد خليجياً، ولكني فوجئت بعد إطلاعي على الحركات المسرحية في الخليج أن الإمارات قد حققت حضوراً مهماً على الصعيد الخليجي والعربي، وأن فيها أقلاماً ومخرجين وحركات مسرحية مفتوحة من خلال المهرجانات التي تجري على مدار العام، وهذا أمر طيب بل مدعاة للتفاؤل، لا سيما ان الحكومة الإماراتية تدعم المسرح وتقدم له ما يجعله نابضاً بالحب والحياة.

أنت خريج كلية التجارة إدارة الأعمال، وفي جهة ثانية قمت بتعديل جذري خرجت فيه عن هذا الاتجاه، لتبدأ رحلة طويلة مع المسرح أبعدتك عن الأعمال والتجارة وعوالمهما المتغيرة فكيف حدث هذا؟

مع مطلع السبعينات درست بناءً على اقتراح الأصدقاء والأهل التجارة وهذا مجال يعتبر في القاهرة مفتوحاً وقادراً على أن يحقق عائداً مادياً للشاب في بداية عمره، وربما الحب الذي كنت أختزنه للمسرح قد أسهم في جعلي أغير الدفة كما قلت، وقد كانت مغامرة محفوفة بالمخاطر وصفوني من خلالها بالمجنون، ولإدراكي أن لا نجاح لي في مجال التجارة والأعمال وغيرها من مجالات الاقتصاد الأخرى آثرت المضي باتجاه المسرح وتقديم الكثير من الدراسات والكتب والتجارب المسرحية ككاتب وناقد، حيث انتهى بي المطاف الآن.

فنانون تحت الطلب

الشخص الذي يحب الفن ولديه الطموح، فالدراسة المنهجية لا تحقق له أكثر من 52%، وهنا يأتي دور التطبيق العملي والخبرة العملية، التلمذة على أيدي أشخاص مهمين، لكنني ألاحظ انصراف أكثرهم عن التعلّم، فالشاب أو الشابة عندما يدخلان إلى هذا المجال فمجرد معرفتهم بمنتج أو مخرج يعطيهم دوراً فينصرفون إلى العمل ولا يريدون أن يتعلموا ولا يشعرون بضرورة هذا الأمر، القاعدة الأساسية أن تتعلم ليأتي الدور أو الفرصة وليس العكس، وبالتالي تراكم جيل من الجهلاء، ويصبحون نجوماً، هذه المسألة خطرة جداً فمن تعلم واجتهد وتدرب يعاني صعوبة في الوصول إلى ما يريد بسبب هؤلاء. في الماضي لم توجد هذه الطفرة أو هذه القفزة الفجائية، لم يكن هناك (ديو إكس ماكينة) تنزل الشاب من السماء ليكون نجماً، كان يجب أن يذهب الشخص إلى المسرح أن يشاهد ويتعلم ويتدرب ويعد، أن يكون في البروفة ثم تظهر أعراض الظهور، أما الآن يأتي المخرج بأحد الشباب يقول إنه يمتلك صفات النجم قد يكون وسيماً أو شابة جميلة، وليس فناناً بالضرورة. الفنان الحقيقي فنان دائماً، مثل نور الشريف وأحمد زكي، هؤلاء ممثلون يعتد بهم في كل زمان ومكان.

دمشق - جمال آدم