عندما نصّبوه ملكا لم يتردد أحد في الاعتراف بملكه، فهو ابن بيئته التي شكلت وجدانه وزرعت فيه الخير والحب.. أكثر من ثلاثين عاما عبر خلالها المطرب العالمي محمد منير محطات شاقة، تغلبت فيها إرادته بعناده وإصراره ومخزونه الإبداعي على تحديات ومعوقات الانطلاق.. رفض أن يكون تابعاً أو موالياً، فمنذ أن طرق أبواب الفن ظل يقول «ها هو أنا»، وبالفعل لا يراه غيره إلا هو، فقد قدم الأغنيات النوبية بكل طقوسها، تشبع بها وتكون من خلالها موروثه الإبداعي النادر، انطلق إلى آفاق أرحب، واجه الظروف، عاند بعناد أكبر، تحدى المعوقين والغيورين.. ورغم كل ما واجهه لم ينهزم مشروعه في التجديد والابتكار.

بدأ منير مشواره الاحترافي عقب تخرجه في قسم الفوتوغرافيا والسينما والتلفزيون بجامعة حلوان، حيث استمع له النوبي زكي مراد وقدمه للشاعر عبدالرحيم منصور، ومن هنا بدأ وسط فريق عمل انضم إليه عدد من المهتمين بالأغنية النوبية عندما وجدوا ضالتهم في هذا الصوت وحضوره الطاغي منذ بداياته.

رؤى جريئة

ولكن كثيرين من النقاد الذين رصدوا تجربة المطرب الأسمر أكدوا أن البداية الحقيقية له كانت من خلال فرقة الموسيقار هاني شنودة الذي لحن ووزع عددا من الأغنيات له، كانت تعبر عن شكل جديد يتناسب مع طموحات المطرب الشاب الذي تمرد على الأغنية التقليدية وقدم أفكارا جديدة ورؤى جريئة عدها البعض في ذلك الوقت مغامرة، وكانت التجربة صعبة، ولم تكن متوافقة مع المزاج العام في ظل عشق المصريين وارتباطهم بالأغنية السباعية لأم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم حافظ، وهذا أدى إلى عدم توفيق منير في ألبومه الأول «علموني عينك» عام 7791، ولكن الشركة المنتجة للألبوم الأول أدركت بخبرة كبيرة أن هذا الشاب يمثل إضافة حقيقية للغناء المصري.

انطلاقة كبرى

وبعد هذه الخطوة بدأت الانطلاقة الكبيرة لمنير الذي لم يعد مقتنعا بتحقيق نجاح على مستوى مصر، وانطلق إلى العالم العربي، ثم إلى أوروبا التي استقبلت تجربته بحفاوة كبيرة، وبلغ العالمية، وأصبح أحد أهم المطربين العرب الذين تمكنوا من توصيل الأغنية المصرية والعربية إلى العالم الأول.ودائما ما يؤكد الموسيقار الكبير هاني شنودة أن محمد فنان متعدد الجوانب والثقافة، ويعترف بأنه عندما قدمه له الشاعر عبدالرحيم منصور، كان فارق السن آنذاك بينهما كبيرا، حيث كان منير طالبا في كلية الفنون التطبيقية، وقال شنودة في حديث سابق له: «إن منير في بداياته تغنى بعدد من الأغنيات للموسيقار بليغ حمدي، لكنه رأى أنها لا تتوافق مع طريقته في الغناء، وهذا دفعني لأفكر في دمج العلوم الموسيقية مع الأغاني النوبية من الفلكلور، وكذلك ألحان أحمد منيب، فخرجت أغنية (الكون كله بيدور) بصوت منير، وجاءت النتيجة مبهرة، ومنها خرج ألبوم (أمانة يا بحر)، وبعدها انطلق بقوة لأنه فنان حقيقي».. هذه الشهادة من شنودة شهادة أصيلة ومهمة، وما يؤكدها أن حفلات منير على مستوى مصر كلها هي الأنجح والأكثر جماهيرية، وهذا ما دعا الأخير إلى تخفيض سعر تذاكر حفلاته حتى تتاح الفرصة لجميع الناس دون تمييز للاستمتاع به. وفي أوروبا وجد المطرب المصري مساحة نادرة عجز عن الوقوف عليها كبار المطربين، ليس العرب وحدهم بل حتى كبار نجوم العالم، خاصة في ألمانيا، فيكفي أنه استطاع أن يحصل على جائزة مهمة ورفيعة في أوروبا وهي الجائزة البلاتينية من يونيفرسال بألمانيا عن أغنية «ياسمينا» التي بلغت مبيعاتها أكثر من 07 مليون نسخة، وتعد أول جائزة يحصل عليها مطرب عربي.

مدلولات تكشف عن عبقريته

ويجمع كبار النقاد على أن نجاح هذا المطرب العالمي ارتبط بعوامل كثيرة، أهمها الموهبة العالية، والحس الفني المتميز، خاصة في اختيار كلمات أغنياته التي دائما ما تستند إلى مضامين سامية ومشاعر دافقة ولها مدلولات تكشف عن عبقريته، وقالوا إنه انتهج خطا محددا في اختياره أغنياته التي لا تتركز على النصوص العاطفية بل تتناول الحياة الاجتماعية والسياسية والوطنية التي يعيشها الإنسان المصري والعربي، وحتى في هذه الجوانب يختار أشكالا شعرية جديدة ومعبرة وقريبة من وجدان الجمهور استطاع من خلالها أن يستقطب أكبر جمهور لمطرب في مصر. نال الرجل عبر مشواره الطويل مع الغناء العديد من الأسماء والألقاب نتيجة الإقبال والتوافق عليه من ثلاثة أجيال كان من الصعب أن تتفق على شخص واحد، وأطلق عليه لقب «الملك» ولكنه رغم ما بلغه من نجومية ما زال يذكر تجربته مع رفيق دربه بكل حب وفخر أحمد منيب، الذي كان بمثابة الأخ الأكبر له، والذي تعرف إليه عام 8791 عبر فاروق شقيق منير الأكبر، واستطاع منيب أن يقدم له نحو 42 أغنية، منها (شبابيك وشجر الليمون وعروسة النيل والليلة يا سمرة)، وغيرها من الأغنيات الرائعة التي يعتز بها المطرب العالمى.

آراء جريئة

عرف الفتى الأسمر بآرائه الشجاعة وبعده عن الابتذال والغناء الهابط؛ ولذلك ظل فى مناسبات كثيرة يبدي استياءه من الأعمال الغنائية التي تقدم حاليا من دون مضامين أو هدف يمكن أن يؤدى رسالة واضحة، والتي اعتبرها أعمالا خرجت بلا معايير أو موضوع.. ومنير يبدي هذه الآراء حرصا وغيرة على الفن، ويرفض فكرة تصوير مطرب غير مؤهل لأغنية وإهدائها للقنوات وغيرها لتبث ليلا ونهارا بلا حساب أو تقييم، مما ينعكس سلباً على تشكيل الذوق العام.ورغم هذه الآراء الجريئة فإنه يعد الفنان الوحيد الذي لا يرد على من ينتقده، ولا يعقب على هجوم عليه من صحافي أو ناقد أو قارئ، ولكنه دائما ما يرد عملياً في حفلاته وألبوماته التي تحقق جوائز كبيرة وقيمة كل فترة.

مدرسة قائمة بذاتها

منير في مفهوم الكثيرين من النقاد والمهتمين أصبح يمثل مدرسة قائمة بذاتها لها منهج وأسلوب مختلفان ومثلهما جمهور، فهو فنان يعبر عن قمة الالتزام والانضباط، ويتميز بالتواضع والهدوء وارتباطه الكبير بجمهوره، فعندما يحزن يدفن أحزانه في دواخله ويخرجها إبداعا يعبر عن دواخل الآخرين.وإذا تحدثنا عن منير الإنسان يطول الحديث، فهو معروف على مستوى الوسط ومستوى الشارع العام بحسن الخلق والتعامل الرفيع بعيدا عن الصراعات والشائعات، لا يسعى وراء الإعلام للإدلاء بتصريحات قد لا يكون لها معنى، ولكنه يفضل أن يبدي الإعلام رأيه في أعماله، ومعروف عنه أيضا بأنه وفيّ لأهله وأصدقائه، يعمل تجاههم كثيرا، مما أجبر الجميع على حبه واحترامه.

القاهرة - دار الإعلام العربية