حالة خاصة من الهيام واللوع والإبداع، تسيطر عليك وأنت تتابع عروض هذه الفرقة التي نجحت في تحويل فن الزار من وسيلة للدجل والشعوذة إلى فن تراثي له جمهوره الخاص، ففي يوم الأربعاء من كل أسبوع تتوجه فرقة «مزاهر» لتقديم عرضها المثير في قاعة «مكان» الثقافي الأثري في ضريح سعد زغلول بوسط القاهرة، ومنذ اللحظات الأولى تكون في حالة روحانية عميقة تحصل عليها وأنت جالس على الأرض في تلك القاعة الصغيرة التي يميزها تواضعها وذوقها القديم، في الوقت الذي تقوم فيه قائدة الفرقة وتدعى «أم سامح» بإطلاق البخور في المكان قبل أن تبدأ أناشيدها في مدح الرسول بالصلاة على النبي الهادي والحبيب طه المصطفى.

تلك هي الطقوس الأولى لفرقة مزاهر، وبعدها يبدأ كل عضو في الفرقة بالعزف على آلته وهذه الآلات هي الدفوف والآلات الوترية ونفخ إيقاعات وصاجات والطنبورة والطبلة، وأكثر ما يلفت انتباهك هو أن كل فقرة تبدأ بموسيقى وأغان هادئة ثم تبدأ تعلو هذه الموسيقى تدريجيا ويعلو معها صوت أعضاء الفرقة حتى يصل الإيقاع تدريجيا إلى ذروته والذي يبعث روحا في الجمهور غير عادية خاصة الجمهور الأجنبي.

أشهر كودية زار

تنوع فرقة مزاهر ما بين منشدين ومؤديين وموسيقيين وآخرين عاشقين لهذا الفن التراثي الذي أوشك على الانقراض منحها شهرة كبيرة في مصر والعالم، وهنا تقول الحاجة فاطمة التي ينادونها بـ«أم سامح» أشهر كودية زار في مصر، أن الفرقة أنشأت بهدف الحفاظ على المأثور الغنائي وتسجيله بهدف عمل أرشيف فني للأجيال الفنية المصرية بأكملها.

5 عاما وأشهر كودية زار في مصر تنتقل من مكان إلى آخر وتفتخر بهذه الفن مؤكدة أنه يوازي العلاج النفسي بالموسيقي الصاخبة لإزالة التوترات.. تقول: الزار فن أصوله ترجع إلى افريقيا قبل أن ينتقل إلى السودان ومنها إلى مصر؛ لذلك فإنه يعد موروثا ثقافيا مصريا سودانيا، ولكنه تعلق بالمصريين أكثر؛ لأنهم هم من أحبوا هذا التراث وحافظوا عليه وكانوا سببا في إبقائه حتى الآن.قد عرف الزار في مصر عام 0281 وأصبح يسجل في خيال المصريين ثقافات عديدة من علاج للأمراض وانبعاث لروحانيتهم وترفيه عن حالتهم النفسية، ومن هنا جاءت فرقة مزاهر لتحول هذا المفهوم من كونه وسيلة للدجل والشعوذة إلى فن من التراث.أما عن اسم الفرقة فمعناه «زائر» وتوضح أم سامح أنه يعبر عن الترحيب بجميع من يسمعون الفرقة من الجمهور، وتؤكد على أن أعضاء الفرقة من الأهالي كلهم يحيون هذه المهنة التي ورثوها أبا عن جد.

مهنة وفن

وعن حب أم سامح وعشقها للزار تقول: دقُّ الزار مهنة وفن لا يتقن ه إلا من نشأ فيه وتوارثه أبا عن جد وأمضى حياته بأكملها فيه، فأنا عملت في الزار وعمري 11 عاما مع جدتي وكانت تعمل في الموالد والحفلات وحفلات السبوع وغيرها، وبعد وفاة جدتي عملت والدتي في هذه المهنة، وبالتالي أتيحت لي الفرصة لحفظ جميع أغاني الزار عن ظهر قلب..

وتشير إلى أن الأغاني التي تنشدها الفرقة ليست أغاني عربية خالصة ولكنها خليط من العربي السوداني الافريقي فهي ليست مفهومة للبعض ولا يفهمها أحد ويحفظها بسهولة.. ومن هذه الأغاني «يا ورابية يا أسمر يا جميل» ومعني ورابية هو شاب أسمر جميل تتغزل فيه، وهناك أيضا «يا ركوشه هانم شايلة العروسة» وركوشه هو اسم فتاة صغيرة يتم الغناء لها وتدليلها وأغنية «يا مما» وهي تتحدث عن الأم..ويعتقد من يسمع هذه الكلمات أنها أسماء «الآسياد» الذين يجري تحضير أرواحهم، لكن دق الزار كله كلمات وألحان بسيطة غير أن مفهومها كبير.. لافتة أن الحفل الذي تقدمه الفرقة مكون من ثلاث فقرات الأولى مدح النبي عليه الصلاة والسلام ثم طنبورة سوداني وأخرى صعيدي.

وعن زي أعضاء الفرقة، أكدت أم سامح أن السيدات يرتدين ملابس فلاحات عادية في حين يرتدي الرجال جلابيب بيضاء واسعة؛ لأن منهم منشدين.

رقص منغولي

انتهى كلام قائدة الفرقة، وتدخل في الحديث أحد أعضائها ويدعى سيد محمد عبدالله وهو من أصل سوداني فقال: تعلمت هذا الفن من أجدادي قبل 04 عاما، حيث تخصصت في الرقص المنغولي وهو عبارة عن قطعة من القماش لها بطانة تلف على الوسط للرقص بها مع آلة الرنجو .ويشير إلى أن فرقة مزاهر تقدم لونا من تراث فني توارثناه بأغنياته ورقصاته وألحانه أبا عن جد وقدمنا هذا الفن في أكثر من دولة ومكان منها كندا وفرنسا وإسبانيا وباكستان.

أما إبراهيم فوزي عازف العوكش أو المانجور وهي آلات زار موسيقية فقال: نحن لم ندرس السلم الموسيقي أو نقدم من خلال نوتة أو غيره ولكننا نحفظ تراث أجيال بأكملها.ويقول عطا الله علي أحمد 37 عاما إنه تعلم الإنشاد وعمره 31 عاما وكانت البداية من خلال الموالد والحضرة التي كانت توجد قديما في أرياف مصر، لافتا أن الموالد المعروفة في هذا الوقت كانت مولد سيدي عبد الرحمن وسيدي عواض ومولد سليمان بن قليوب بخلاف الأناشيد والتواشيح وأغاني الأفراح منها ، أنا بقول أهني الناس في أمر مهم وأغنيلهم في أفراحهم وليه الفرح ناسيني وهي مواويل تجد فيها الكثير من الحكمة، أيضا هناك ، يا ما قلوب نواسيها ويا ما جروح نداويها وأنا جرحي مسكين، وغيرها الكثير من المواويل والأناشيد.أما عادل الخموسي 35 سنة وهو منشد أيضا فيقول: توارثت هذه المهنة عن طريق والدي وكنت أتقاضى 51 قرشا كأول راتب لي وبدأت أتنقل من فرقة إلى أخرى إلى أن وصلت لفرقة مزاهر وعملت بها.وتتحدث أم حسن عن دورها في الفرقة وتقول: أنا ضابط إيقاع في الفرقة ومرددة الأغاني توارثت هذا العمل من والدتي ووالدي من خلال الأفراح والموالد ثم انتقلت إلى فرقة مزاهر والتي أعتبرها محمية للموروثات الثقافية الشعبية المصرية.

القاهرة: دار الإعلام العربية