«أكاد أشك في نفسي، لأني أكاد أشك فيك وأنت مني.. تعذب في لهيب الشك روحي، وتشفي بالظنون وبالتمني».. كلمات من قصيدة «ثورة الشك» تغنت بها أم كلثوم قبل أكثر من ثلاثة عقود.. ولكن يبدو أن كوكب الشرق لو كانت تعرف أن هذه القصيدة ستعصف بالكثير من قصص الحب والغرام وستفتح أبواب المشاكل بين الأزواج ما غنتها ولرفضت أن تكون من أعظم روائعها..فكم من أسرة تعرضت للانهيار جراء شكل أحد الأزواج في الآخر..وكم من أبناء شردوا بسبب ذلك..«الحواس الخمس» رصد هذه المعاناة عبر السطور التالية.

«منى.ن ـ موظفة»، تقول: تزوجت منذ فترة قصيرة، وأتذكر في بداياتها أن زوجي كان يراقبني في كل تصرف أقوم به ويحاول إبعادي بكل الطرق عن الآخرين، فتوقعت أنه حب زائد، لكن بمجرد أن أثنى زميلي في الشركة التي نعمل بها أنا وزوجي على أخلاقي وتصرفاتي انقلبت الغيرة إلى شك لا يحتمل، فبدأ يراقبني في كل تصرفاتي يعبث في محتويات حقيبتي ويفتش في المكالمات الصادرة والواردة والرسائل الموجودة على الجوال، وتطور الأمر لمشادات كلامية اتهمني فيها بالخيانة بعد سلسلة من الشتائم والضرب المبرح حتى أصبحت الحياة معه لا تطاق، وإلى الآن لا يستطيع التنازل عن الاستجوابات اليومية بعد أن تركت العمل لتهدأ الأمور بيننا! حتى انني أفكر في طلب الطلاق.

أسرار الزوجة

وكما يفعل زوج مني معها يتكرر نفس المشهد مع صباح.س، الموظفة بجامعة الأزهر الشريف التي أجبرها زوجها على ارتداء النقاب، تقول: كنت أعيش حياة مستقرة حتى بدأ زوجي يستمع إلى شرائط الكاسيت التي تحض على معرفة أسرار الزوجة والبنات والأولاد فكان يسألني: مع من تحدثت، وفي أي المواضيع، ولماذا؟ وكما يفعل معي يفعل مع ابنته التي لم تتجاوز الثالثة عشرة من عمرها، حتى إنه طلب منها ارتداء الحجاب، ومنعها من الحديث مع زميلاتها غير المحجبات، أو مع المدرسين الشباب، وفوق كل هذا وذاك يقوم بالتفتيش في حقيبتها المدرسية، وينصب لها محاكمة لو قرأ في أحد كتبها خاطرة من الخواطر التي تعصف بخيالها، وقد راودتني فكرة الطلاق منه لكنني أعلم أنه سيحيل حياة ابنتيّ الكبرى والصغرى أيضا إلى جحيم.

الطلاق أفضل

وبالرغم من تحمل منى تصرفات زوجها فإن غالية.ز، فضلت أن تحمل لقب مطلقة على العيش في كنف زوج يعتبرها خائنة ويشك في كل تصرفاتها بدافع الحب- على حد قوله. تقول «الطلاق أفضل ألف مرة من الحياة مع زوج شكاك»..وتستطرد: كنت سعيدة في بادئ الأمر بغيرته عليّ، وشعرت أنها إحدى علامات الحب، ولكن للأسف وصلت به الأمور إلى مراقبتي أثناء استقلالي السيارة، وينتظرني عند خروجي من العمل ويقلب الحقائق ويحاول إثبات أنني خائنة وكأنه يبحث لي عن سقطة، وعندما واجهته أكثر من مرة بأن هذا الشك يمكن أن يقضي على حياتنا الزوجية فيعود ويعتذر ويعد بأنها آخر مرة يلجأ فيها إلى مراقبتي والشك في تصرفاتي، لكن للأسف لا يستطيع أن يتنازل عن تلك العادة الذميمة التي أحالت حياتنا جحيماً ولم يكن أمامي سوى الطلاق منه.

وكما فعلت غالية بعد زواجها كررت هالة.ص، التجربة مع خطيبها الذي كان يغير عليها لشدة جمالها من أبناء عمومتها التي تعيش معهم في نفس المنزل تقول: من شدة حبي لخطيبي تجنبت كل ما يثير شكوكه فلم أعد أتحدث مع أبناء عمي الذين اعتبرهم بمثابة أشقائي، ولم أعد أزور أصدقائي ولا أتحدث معهم تليفونيا، لكنه لم يستطع الاستغناء عن الشك الذي جعلنا نتشاجر في كل لقاء؛ لفرضه حصاراً طويلا على كل تصرفاتي على مدار عام كامل، مما جعل المخاوف تتطرق إلى نفسي من أن هذا الشك مرض نفسي سيزداد مع الزواج، خاصة انه يعتبر أن الزواج امتلاك وليس شركة قائمة بين حبيبين، فقررت التضحية بحبي الأول حتى لا أحصل على لقب مطلقة آجلا أم عاجلا.

وإذا كان هذا رأي الزوجات فإن للرجال رأيا آخر، حيث يعتبر معظمهم أن الشك شعور لا إرادي يصدر بطريقة عفوية بسبب أحد التصرفات التي تؤجج النفوس وتبعث بالغيرة في القلوب، وهذا ما يؤكده م.ف ـ طبيب، حيث يقول: الشك مولود غير شرعي للحب الجارف والغيرة الشديدة، فقد تزوجت من طبيبة تعمل معي بنفس المستشفى لكن لاحظت اهتمام أحد زملائها من الأطباء الجدد بها أكثر من اللازم وكانت ظروف العمل تفرض عليها المبيت في قسم الاستقبال الذي يعمل به هو الآخر، وفوجئت بأنهما يتبادلان الرسائل ولا يمر يوم إلا ويسأل عنها تليفونيا وقام بعدها بتبديل النوبتجية الخاصة به ليكون معها في نفس اليوم وبعد كل ذلك تتهمني بأنني شكاك وأعاني من عقدة نفسية بالرغم من أنني إنسان ملتزم وأعرف حدودي جيداً، وقد أوقعتني رعونة زوجتي في ذلك، ورفضت كل التحذيرات بضرورة الامتناع عن العمل معه حتى لا تتناثر أي كلمة من ضعاف النفوس، لكنها أصرت على رأيها ولم يكن أمامي سوى الطلاق، وفعلاً أصبحت مرتاح البال.

مرض لعين

بينما يشعر رجل الأعمال فتحي.غ أنه يحترق بنار الشك، وقد حاول العلاج من هذا المرض اللعين عند بعض الأطباء النفسيين لكن دون جدوى، يقول بالرغم من أنني أثق في زوجتي ثقة عمياء وأمنحها الحرية الكاملة للتعبير عن وجهة نظرها بشدة، فإنني أعتقد في بعض الأوقات أنها تسعى للارتباط بغيري؛ لذلك أحاول أن أحافظ عليها بشتى الطرق حتى أوشكت حياتنا على الانهيار، ولا أنكر أنها تتحمل تصرفاتي منذ 01 سنوات حتى فاض بها الكيل وطلبت الطلاق.

بيئة خصبة للشك

وعن أسباب الشك والطرق المؤدية إليه تقول د.إقبال السمالوطي، أستاذ الاجتماع أن تصرفات المرأة وسلوكها هي التي تدفع الزوج إلى الشك بالرغم من الفرق الكبير بين الشك والغيرة، لكن البعض يتفهم خطأ أن الشك والغيرة وجهان لعملة واحدة إلا أن الغيرة وجه من وجوه الحب تضفي على الحياة الزوجية طابعاً محبباً وتشعر المرأة بأن زوجها يعشقها ولا يستطيع أن يقاسمه فيها أحد، حتى لو كان من خلال اختلاس نظرة، لكن عندما تتجاوز الغيرة حدودها تتحول إلى شك يؤدي إلى الفرقة بين الطرفين ويعصف بحياتهما الزوجية للأبد، حيث بدأ أسهل الطرق للطلاق.

ولفتت أن الشك تختلف درجته من شخص إلى آخر حسب التركيبة النفسية والاجتماعية، تتسبب فيه شخصية المرأة وتصرفاتها كالخروج من البيت في غير مواعيد العمل المعروفة لزوجها، وتحدثها في التليفون بصوت خافت، ولبس ملابس غير مناسبة، والاهتمام بأحد الأشخاص اهتماما زائدا عن الحد. كل تلك العوامل توفر بيئة خصبة للشك.

وتعتبر الخبيرة الاجتماعية أن الحياة مع زوج شكاك مغامرة كبيرة تحصد عواقبها الزوجة والأطفال خاصة لدى الأشخاص الذين لا يستطيعون السيطرة على وساوسهم التي قد تدفعهم أحيانا لبعض الحماقات كاتهام الطرف الآخر بالزنى واللعب من وراء ظهره إلا أن طبيعة الزوجة ودرجة تحملها تكون القاسم المشترك بين احتمالية بقائها في كنف زوج شكاك أو تركه والاستقلال بحياتها بعيداً عن المشاكل التي لا تهدأ، لكن كل الشواهد تؤكد أن الكثير من السيدات يضحين براحتهن النفسية ويصبرن من أجل أبنائهن ويتحملن كل الضغوط النفسية المصاحبة لذلك.

شفرة الزوج

بينما ترى د.سامية الساعاتي، أستاذة علم الاجتماع، أن الزوجة قادرة على فك شفرة الزوج بأكثر من طريقة، وذلك في الحالات البسيطة قبل أن يتحول الشك من علامة من علامات الحب إلى مرض نفسي، من خلال الصراحة والوضوح مع الزوج الذي سوف يقدر ذلك ويمنحها الثقة المطلوبة؛ لذلك يجب عليها عدم قتل المودة وخنق العاطفة بتصرفاتها، وذلك بالابتعاد عن كل ما يمكن أن يشعل نار الغيرة في نفسه مع عدم المعاندة أو الاعتراض حين يطلب منها الزوج توضيح أي لبث التصق بعقله الباطن من جراء أي فعل قامت به حتى يطمئن قلبه ويستطيع طرد الشكوك التي تحاصره.

زيارة الطبيب النفسي

بينما يعتبر د. محمد المهدي، استشاري الطب النفسي، أن الشك إحدى سمات الشخصية الإنسانية، وهو ما يطلق عليه في علم النفس الشخصية الموسوسة أو الارتيابية، حيث تتميز بالشك وعدم الثقة في الآخر سواء كان زوجا أو زوجة أو صديقا أو ابنا، وتزداد حدته عندما تتوافر الظروف الملائمة لذلك، ومعظم من يتصف بهذه الصفة لا يستطيع إخفاءها أو إنكارها لأن تصرفاته تفضحه باستمرار، كما أنه لا يستطيع الاستغناء عنها بسهولة وتتسبب له في الكثير من المشاكل والمتاعب مع الآخرين التي تصل إلى حد الاعتداء اللفظي أو الجسدي، بالرغم من عدم وجود أي دلائل على خيانة الشخص الآخر، حيث إن معظمها يكون محض افتراءات.

وأوضح أن الزوجة قد تكون سبباً مباشراً في إشعال نار الغيرة التي تنقلب إلى شك بمرور الأيام، خاصة تلك التي تستمع بنظرات الآخرين إليها وتحاول إظهار محاسنها وجمالها بأي طريقة حتى تلفت نظر زملائها وأقاربها وأصدقائها سواء كان ذلك مقصوداً أو غير مقصود، مما يساعد على تفاقم المشاكل بين الزوجين، وقابلية الزوج واستعداده النفسي للشك في علاقة زوجته بالآخرين يكون نابعاً من البيئة التي تربى فيها.

وينصح المهدي الأزواج الذين يعانون من الشك في تصرفات زوجاتهم وأبنائهم بالتروي والتيقن والتأكد من خطأ الآخر، وإذا كان لا يستطيع التحرر من تلك العادة الذميمة فعليه زيارة طبيب نفسي؛ لأن الشك يعد من أحد الأمراض التي تعالج بالعقاقير المضادة للذهن، وقد أثبتت فاعلية كبيرة عندما يتناولها الشخص المصاب مع بعض المهدئات.

القاهرة ـــ دار الإعلام العربية