في الإمارات قديما ،وفي منتصف سبعينات القرن الماضي وما بعده بقليل، كان العاملون في المسرح يلتقون ليكتبوا نصا مسرحيا ليقدموه في مناسبات اجتماعية محلية مختلفة كاليوم الوطني وعيد الأضحى وغيرهما من المناسبات، وكانت الموضوعات التي تجري كتابتها ذات صيغة ساخرة لها علاقة غالبا بما يحدث في المجتمع الإماراتي ، بحيث يتيح هذا العرض المجال للعائلة كي تلتئم و تكون الضحكة رفيقة المجلس الذي اختاروه ، وقد كان المسرح حينها الباب الذي يدخل منه الجميع للاستمتاع بوقتهم ، كان ينتهي العرض المسرحي بوقتها .

وكان الخيال يلتئم من جديد بعد أشهر ربما ليجمع الشلة المسرحية ذاتها وليعاد تقديم أعمال مسرحية أخرى ، وكان السؤال الذي يفرض نفسه : من كان يكتب النص المسرحي ومن الذي يؤسس للحوارات والبنى الدرامية التي تجعل العرض محط أنظار الناس ، وهل كان الارتجال هو سيد الموقف والملاذ الذي ينقذ نصا لا عماد له من الغرق؟ .. ربما ولكن كان النص ابنا لمرحلة حقيقية ولأبطال حملوا هم المسرح على أكتافهم ليقدموه تباعا وفي كل الحالات لم يكن هناك كاتب واحد للنص المسرحي ، كان تشاركيا كالإخراج وكان يطبخ أثناء البروفات على نار هادئة وغير الأفكار التي تمت إضافتها كان يتم إضافات أخرى أثناء تلك البروفات المفتوحة ، هكذا كان النص يولد ايام زمان ولكن ماذا عن اليوم وماذا عن الكتاب الغائبين عن المسرح الاماراتي ..هل يتاح للمسرح الازدهار دون كاتب يحضر لتقديم تصورات ما ويدخل في لعبة الحكاية والشخصيات ..؟ هل سيتاح لمناسباتنا المحلية ومهرجاناتنا الوطنية والدولية أن تنجح بغياب الكاتب ..سؤال نوجهه لقرائنا وضيوف هذا الملف لنحصل على إجاباتهم تباعا ..

كتابات يغيب عنها الجانب الاحترافي

المسرح المحلي يعوزه دماء جديدة

وأقلام شابة

«كتاب المسرح أيام زمان كانوا أكثر صدقا وإبداعا من كتاب اليوم الذين يجتهدون للدخول في لعبة الألغاز وتقديم مسرحيات غير مفهومة .. هل مسؤولية المشاهد أن يفك الطلاسم وحل الأحاجي وأن يفهم ما يحدث على الخشبة بحب ويسر ..» هذا ما قاله الفنان أحمد منقوش في معرض حديثه عن حضور النص وولادة كتاب مسرح جدد وغياب الكاتب المحلي المحترف عن المسرح ، وعلى الرغم من أن منقوش لا يصنف نفسه بين كتاب المسرح أو العاملين فيه إلا أن رأيه يعتبر بمثابة شاهد عيان على مرحلة مهمة في المسرح الإماراتي كونه كان رفيقا لكل العاملين في المسرح أيام زمان .

وأشار منقوش الى أن النص المسرحي حقيقة كان يكتب من الجميع وكان يخرج من الجميع أيضا لأن العملية المسرحية كانت متكاملة و الجميع اجتهدوا ليكون العرض المسرحي مفتوحا على أشرعة الحب والسعادة والجمال ، وكان النص مهتما بالقرب من الناس وأطياف المجتمع الإماراتي لأن وظيفة المسرح هو أن يكون كذلك وليس جسدا غريبا عن المسرح ، آملا أن يقترب المسرح من هموم المواطن ومن الحال التي يعيشها الناس من خلال النص الموظف والحار والحميمي والحقيقي الذي يعكس نبض الشارع الذي ما عاد حاضرا كما أيام زمان .ولعل المهرجانات المسرحية التي توفرها الإمارات قد شجعت على ولادة بعض الأقلام المسرحية الوطنية التي أثرت حركة هذه المهرجانات وربما انتقال الخبرات المحلية للعمل خارج الدولة قد عمّق من أهمية هذه الخبرات ولعل الكاتب جمال سالم والكاتب اسماعيل عبد الله قد جعلا من حضور الكاتب الملحي على مستوى خليجي .

عروض متواضعة

ولعل عدم وجود أسماء احترافية في كتابة النص المحلي قد ساهم بتقديم عروض مسرحية متواضعة أو غيبّها أصلا ، الأمر الذي يمكن ملاحظته في عروض المهرجانات وبالدرجة الأولى مهرجان دبي لمسرح الشباب وأيام الشارقة المسرحية التي تعتبر البوابة الوحيدة للمحترفين في المسرح الإماراتي .

وقال الكاتب إسماعيل عبد الله أن الجهود المبذولة للاحتفاء بالكاتب المسرحي الوطني موجودة ولكن ظروف صناعة هذا الكاتب غير موجودة ، ملمحا إلى إمكانية توظيف الطاقات الشابة ضمن هذا السياق وبأن الساحة المسرحية تحتاج إلى الكثير من العناصر الجديدة على صعيد الكتابة وغيرها لسد الثغرة الناشئة عن زيادة في الطلب على النصوص المسرحية

وأكد الكاتب إسماعيل عبد الله أن غياب النص الإماراتي تبعه غياب للكاتب المسرحي الوطني الذي صار كالعملة الصعبة وهذا ما ترك أثرا سلبيا مع كل مهرجان يقدم على الساحة والنصوص التي تقدم قد لا تكون بالسوية المقبولة، مشيرا إلى أن جهودا كبيرة تقدم في هذا المجال من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه مثل الورش التي تقيمها بعض الفرق الخاصة أو دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة مشكورة عبر ورشة كبيرة حاولت من خلالها إنعاش النص الوطني بشتى السبل .

غياب المعهد المسرحي

ويبدو أن غياب المعهد المسرحي الذي من مسؤوليته تقديم مواهب في الكتابة المسرحية قد ترك فراغا ما والعملية المسرحية التي تتطور شيئا فشيئا عبر مشاركات محلية وخارجية كانت شاهدا على هذا الغياب الأمر الذي لا يمكن تجاهله بل يجب التنبيه له من خلال تشجيع وتحسين ظروف كتاب النص المسرحي.المخرج حسن رجب أشار إلى أن مشكلة الكاتب المسرحي عامة في مختلف أنحاء العالم والوطن العربي تحديدا وليست في الإمارات وحدها ودائما هناك مشكلة كاتب مسرحي ونص مسرحي هنا وهناك ، والكاتب المسرحي عملة نادرة كما هو النص المسرحي الاحترافي الذي يحمل خبرة صاحبه وأهميته ولكن المشكلة ليست هنا بل في إقامة تظاهرات دون أن يؤخذ بعين الاعتبار أن يتم التأسيس لبنى تحتية احتراما لهذه التظاهرات ولعل وجود أيام الشارقة المسرحية قد أسهم بشكل أو بآخر في تقديم بعض الكتابات الاحترافية وإلا لولا هذا الأمر لكان أمر الكتابة عن المسرح ضربا من ضروب الوهم الذي لا يستطيع المرء أن يتجاوزه أو يتجاهله .ولفت رجب إلى أن الطرق التي كان يكتب فيها النص المسرحي قديما هي ضمن ما يسمى النص الجماعي لذا كان الكل كاتبا والجميع مؤلفا وهذه بقدر ما هي ميزة قدر ما هي مشكلة لعدم وجود مزاج واحد يحكم كتابة النص المسرحي ولكن عموما المساهمات القديمة أثرت المشهد العام وفرشت الطريق للمواهب الأخرى ولكنها لم تؤسس لصناعة كتاب مسرح أو التأسيس لظاهرة مسرحية على صعيد النص مرتبطة بالآخر.ويطالب الكاتب المحترف جمال سالم بدعم الأقلام الشابة وإيجاد مساحات جديدة لها كي تمارس نشاطها الإبداعي لافتا ان الساحة تفتقر للكثير من الأقلام المسرحية القادرة على أن تحيط بالمهرجانات الموجودة او بالمشاركات المسرحية الخارجية لافتا أن قلة عدد كتاب المسرح في الإمارات أمرا لا يمكن له أن يستمر في عز الزخم والنشاط الذي يحسب على المسرح الإماراتي الآن وفي ظل تزايد حركة المهرجانات ما يجعل حضور الكاتب والنص الوطني ضروريتان وطنيتان وكاتبان أو ثلاثة محترفون في أفضل الحالات لن يؤسس لظاهرة ما ولن يثري الساحة بنصوص مسرحية جديدة ، أي سيغيب التنوع عن هذه الساحة وستبقى الأسماء كما هي دون تبديل وستبقى المواضيع مرتهنة بهم فهل هذا ما نسعى إليه في علاقتنا مع المسرح .؟

دبي - جمال آدم