حيثما تجولت في المدن اللبنانية تطالعك ظاهرة لم تعد مستغربة ألبتة، حيث تجد الأطفال يستغلون زحمة السير ويتراكضون لمسح زجاج السيارات، أو يتربصون بالمارة على النواصي ليبيعونهم اللبان أو اليانصيب، أو يتجولون بين السيارات لبيع عبوات المياه الباردة خلال الصيف القائظ.

ونتيجة تدهور المستوى المعيشي عموما، والتفكك الأسري، اضطرت بعض العائلات إلى إرغام أولادها على مزاولة أي عمل، شريطة تأمين معيشتهم وإعالة أنفسهم، حتى لو كان التسول في الشوارع، أو أسوأ من ذلك.

كذلك أرغمت بعض العائلات أولادها على مساعدتها في العملية الإنتاجية لكسب العيش، وإن اعتبر هذا العمل مشروعاً، إضافة إلى وجود العديد من المنظمات التي تستغل الأطفال وتستثمرهم.

وإذا كانت عمالة الأطفال مشكلة اجتماعية فرضتها الظروف الاقتصادية والاجتماعية على البعض في لبنان، فإن هذه المشكلة تفاقمت بعد الحرب الأهلية، وربما أصبحت مستعصية على الحل في المدى المنظور.

وقالت الباحثة في مجال الصحة العامة والإعلام إيلينا ناصيف: «إن ظاهرة عمل الأطفال هي ظاهرة مؤسساتية، حيث نجد شبكات عائلية ومؤسسات تستفيد وتستغل هؤلاء الأطفال لتحقيق مكاسب مادية كبيرة، لا يحصل الأطفال إلا على النذر اليسير منها».

وأضافت ناصيف: «لكن يجب أن نستثني بعض الحالات التي يقوم الأطفال بمساعدة أهلهم في أعمال الزراعة في فترات معينة من السنة، حيث لا يمكننا أن نصنف ذلك على أنه عمالة ، كما أنه علينا ألا نبالغ بالنظر إلى الطفل من وجهة نظر أوروبية، تعتبره ضعيفاً ومحتاجاً للمساعدة».

وتابعت: علينا أن ننظر إلى الطفولة على أنها مرحلة عمرية يحدد نهايتها نمط الإنتاج الاقتصادي وخصوصية المجتمع، لأن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية هي التي تحدد نهاية مرحلة الطفولة وبداية مرحلة النضج والإنتاج.

ومن الواضح أن لكل مجتمع خصائصه الثقافية التي تحددها مجموعة من الظروف، أهمها الاقتصادية، ولذلك ينبغي قراءة الظواهر الاجتماعية من هذا المنظور، وكذلك تصنيفها كمشاكل اجتماعية، أو اعتبارها ظواهر مفيدة حسب معيار الإفادة والضرر منها، في كل مجتمع.

واعتبرت ناصيف أن تحديد المراحل العمرية «يجب أن يتناسب مع خصوصية كل مجتمع. ففي أوروبا يؤخر الراشدون دخول الأطفال إلى سوق العمل لأن المجتمع قادر على تأمين حاجاتهم ومتطلباتهم. وقد يختلف الأمر في لبنان لدى بعض الفئات الاجتماعية، خاصة التي تعتمد على الزراعة، والتي يدخل الطفل فيها مرحلة الإنتاج في عمر مبكر جداً، بسبب الظروف الاقتصادية لتلك الفئة وطبيعة نمط الإنتاج لديهاوقد يكون ذلك أمراً مشروعا».

وقد يتعرض الأطفال العاملون لأخطار كبيرة تلحق بهم الأذى الجسدي بسبب ظروف العمل غير الآمنة، كما هو الحال في المناجم والمصانع ومجال البناء، بالإضافة إلى الضغوط النفسية والاستغلال والقسوة، ما يؤثر سلبا في عاطفتهم وسلوكهم الاجتماعي والأخلاقي داخل أسرهم.

وقالت ربى خوري مديرة مكتب لبنان في المنظمة السويدية لرعاية الأطفال: علينا دائماً أن نعود إلى اتفاقية حقوق الطفل التي وقع عليها لبنان والتي تحمي الطفل من مخاطر العمل. فالطفل العامل يخسر حقه باللعب وبممارسة طفولته، بالإضافة إلى أن معظم ظروف العمل لا تعتبر آمنة بالنسبة للطفل ، خاصة في المصانع وعلى الطرقات».

ولمعالجة هذه الظاهرة أجرت الدولة اللبنانية بعض التعديلات على قوانين العمل، بالإضافة إلى التوقيع على العديد من الاتفاقيات الدولية والعربية المتعلقة بعمل الأحداث أو بعمالة الأطفال.

وأضافت خوري: يجب أن تكون القوانين الخاصة بعمل الأطفال مدروسة بشكل جيد وناتجة عن تنسيق بين وزارات الشؤون الاجتماعية والتربية والصحة، من أجل تأمين الظروف الفضلى لرعاية الأطفال، لكن المشكلة لا تتعلق فقط بالقوانين، وإنما بكيفية تطبيقها.

وتابعت: يمكن الحد من هذه الظاهرة عندما نعالج مشكلة التسرب المدرسي وعندم نلتزم بتوصيات اتفاقية حقوق الطفل التي وقعت عليها معظم الدول ، والتي تقضي بجعل التعليم (إلزاميا ومجانيا) لكافة الأطفال في البلد ، حتى عمر معين . ومن ناحية أخرى، ينبغي تأهيل الأساتذة في المدارس ليحسنوا التعاطي مع التلاميذ، ويدفعوهم إلى التعلم بواسطة الترغيب وحسن المعاملة.

وقال علي معطي (51 سنة)، من منطقة الطريق الجديدة في بيروت: تركت المدرسة بعد ان أنهيت الصف التاسع وذلك بسبب ما كنت أتعرض له من إهانات وسوء معاملة، وأعمل حاليا في تركيب زجاج السيارات ، في منطقة الدورة (شرق بيروت) مع شخص معروف من قبل والدي يعاملني برفق وكأنني الأخ الأصغر، الأمر الذي يشعرني بالراحة . وتابع معطي: بالطبع أجري يقل عن أجر الكبار ،ولكنني أجمع المال لأشتري دراجة نارية ، لأن والدي لا يحتاج لمساعدتي. وتتركز نسبة الأطفال العاملين في لبنان ، في المناطق المحرومة إجمالاً، حيث تحظى منطقة الشمال بالعدد الأكبر منهم، وتستحوذ ثلاثة أقضية في الشمال على حصة الأسد، وهي طرابلس وعكار والمنية.

«د ب أ»- «الحواس الخمس»سمة.