دخلت عالم الأدب من خلال روايتها ( لولو)، التي حصدت أرفع جائزة أدبية في سوريا (جائزة حنا مينا) عام 2003 ، ثم تبعتها (منازل الغياب) والتي حصدت أيضاً جائزة من احتفالية دمشق عاصمة للثقافية العربية 2008 ، وفي نفس العام شهدت روايتها الثالثة (قصقص ورق) الولادة عن دار الريس.
لم تتوقف الروائية والمخرجة السينمائية السورية عبير أسبر هنا، بل من خلف طاولة الكتابة إلى خلف كاميرا التصوير السينمائي، رحلة كثيفة وقصيرة وشاقة، فالشابة التي تخرجت من قسم اللغة الإنجليزية في جامعة دمشق، أسرعت بعد تخرجها لتدخل في ورشة (دورة الإعداد السينمائي) عام 2000 تحت إشراف الدكتور محمد قارصلي، حزمت بعدها حقائبها إلى باريس في العام التالي لتلتحق بمعهد إيزرا ( المدرسة العليا للفنون السمعية والبصرية)، وتعود وتعمل مساعد مخرج في عدد من الأفلام السينمائية أهمها (باب الشمس) مع المخرج المصري يسري نصر الله عام (2002 - 2003 ) وهو الذي أهدته روايتها الأولى (لولو) بعبارة «إلى من فتح للشمس أبواباً كثيرة». الى ذلك في رصيدها الكثير حملته سطور الحوار التالي..
من دراسة الأدب الانجليزي إلى السينما ثم الرواية، كيف وجدت نفسك بين كل هذا الأدب والفن؟
أجد دوما مفتاحا لإجابتي بين طيات أسئلتك! سؤالك كيف وجدت نفسي؟ الحقيقة أنني كنت في حالة بحث متواصل كي أجد شيئا ما، على الأغلب كي أجد نفسي! واستطعت بهدوء أن أقارب تعريفا يشبهني، أو يشبه صورتي عن نفسي في مملكة للجمال تدعى الفن، وعندما وصلت أحببت أن أكون مواطنة من الدرجة الأولى، لذا اهتممت بالتفاصيل، وكنت بوعي وانتباه أتابع طريقاً قررت أنني أحبه، كان طريق حجيج سار فيه كثيرون، غايته ليست الوصول، بل متعة المشي. الأدب أو الصورة السينمائية، أو حتى النقد كلها طرائق تعبير كي نصل حقائقنا الأكثر دهشة وإثارة للخيال. مشيت طريقاً لم يعدني سوى بالفضول، وعودني على شراهة الحواس وفتح شهيتي للحياة وللأسئلة، ببساطة هو حل للحياة، ينتصر للجمال على حساب البشاعة، ينتصر للمغاير على حساب العادي.
إلى أي مدى تمارسين الديمقراطية مع شخصياتك، وتتركي لها فرصة النمو بحرية بعيداً من إسقاط أفكارك عليها خاصة إذا شعرت بتمرد إحداها عليك؟
أعتقد أن تنفيذ العمل الروائي هو صراع شرس بين مخيلة الأديب والشخصيات التي رمى بها إلى الحياة من مخيلته ذاتها، وهي الدليل الأكبر على فشل التجربة الأدبية الديمقراطية تماماً، إن مخيلة الأديب لا تستسلم بسهولة، ولا تمنح الحرية لشخصية ما، إلا إذا ثارت وتمردت وقلبت حياة خالقها جحيماً لا يحتمل، ربما يبدو كلامي مخبولاً وكثير المبالغة، لكن الممارس للكتابة يعي تماماً ما أعنيه، فالمنطق الدارويني، النيتشوي هو الذي يحدد من يبقى ومن يذهب من الشخصيات، ومن يكبر ومن يقلع ويطير عالياً، منطق العمل الروائي يصر على أن البقاء والهيمنة للأقوى.
تستخدمين ضمير المتكلم في السرد، وبالتحديد في روايتيك قصقص ورق ومنازل الغياب، فإلى أي مدى تتركين مساحة للفصل بين الذاتي أو التجربة الشخصية وما تريد الرواية أن تقوله؟
ضمير المتكلم، هي تقنية وخيار للسرد، لعبة تخفّي ومكاشفة في آن، الفصل بين الذاتي والموضوعي عند الأديب والفنان، بات نكتة قديمة، استعارتنا طبعا تتيح لنا مساحة أكبر من التخفي، لكن بكل الأحوال ومهما داورنا أو خاتلنا، فنحن ما نكتب، وهذا نهائي ولا يجب نكرانه أو إهماله أو الخجل منه، نستعير تجارب ربما، نحتال ونلفق حكما، لكننا ما نكتب!
ما الهدف من ميلكِ إلى الاختزال في الرواية والنفس السردي القصير، وهل ترين أنه يخدم ما تريدين قوله دون تكلف وإسهاب السرد الكلاسيكي؟
تعلمت الاختزال من السينما، والإيقاع من الموسيقى، ووجدت الوصفة لما أريد قوله، لكن الحكاية هي من تفرض بالنهاية شكل وطريقة أدائنا وخياراتنا التقنية، في منازل الغياب كان الانحياز لغوياً، والبعض قالوا انحيازاً شعرياً، لكن الحكاية فرضت ذاك الشكل التأملي الهادئ، لأن الرواية تناولت الأسئلة الكبرى من موت وانتحار وولادة، وغياب للفرح وللحب في مدن القحط وعدم الإفصاح.
استخدمت اللغة المحكية في رواياتك وبعضهم يرفض هذا، ما الذي تقولينه عن هذا المزج بين الفصحى والمحكية؟
لا يعنيني الرفض أو المباركة في هذا الشأن، المحكي هو نتاج اللحظة، المحكي نابض وحيّ ويستقي فكره من خزان غائر العمق هو خزان وجداننا، هو تجارب الأقدمين مخمرة، ومعتقة في جرار اللغة، المحكي مقتضب وحسي، وإيقاعي، ويجب أن لا يُهمل، وأنا لم أتجاهله وأتعالى عليه، تربيت على ما كتبه الأخوين رحباني، وفؤاد حداد، ومظفر النواب، وآخرون، وأحب كلام الأغاني، والأهازيج، والمقولات والأمثال، خاصة أنني لا أملك قلقاً لغوياً، وليس لدي أي خوف من وعلى هويتي.. أتقن العربية والانجليزية، أقرأ بالفرنسية، وتربيت على آداب العالم، وأعتقد أن كل هذا أضاف إلى لغتي الفصحى قوةً وغزارةً، وديناميكية المفردة، ولم يضعفها.
كيف تنظرين إلى حركة نقد الرواية في سوريا ، وهل تعتقدين أن# النقد بحاجة إلى مساحة أكبر من الحرية حتى يثمر؟
حالة النقد في العالم العربي كله تثير الأسى، الكتابة تسير بعيدا عما يطرح نقديا الآن بمسافات، هناك متابعات وشروح وعروض سريعة واعتباطية في الصحف للرواية وعن الرواية، أما حالة النقد فتلك مسألة أخرى، ولا أعتقد أن إشكال الحرية سيبقى حجة مقنعة خاصة أن الرواية وصلت بأسئلتها وهمومها آفاقا غير مكبوحة، وخاضت في دروب موحلة وزلقة جداً.
كيف تنظرين إلى ما تنتجه الرواية في سوريا حالياً، خاصة وأن نفساً مغايراً وجديداً بدأ يظهر فيها، إن كان من حيث تقنيات السرد أو من حيث ما تهتم به من قضايا وأحداث أو حتى اللغة؟
أنا لا أنظر، ولا أفصل نفسي عما يجري في سوريا، أنا جزء صغير من حراك مثمر ومفرح يتم الآن في سوريا والوطن العربي، هذا الحراك أحتفي به، وأمدحه وأشارك بمتعة كبيرة بتداخلاته وبساطته وحتى صغريات حروبه ونميمته التي تضحكني للغاية، ببساطة سعيدة بوجودي ضمن ما يجري الآن، وأسئلة القيمة والفاعلية، والتقنيات إلخ.. أتركها للنقاد إن وجدوا.
دائماً عندما تطرح تعابير (أدب نسوي أو أدب المرأة) تقفين ضد مثل هذه التقسيمات وتؤكدين أنك منحازة لصورة الواقع، ما الذي ترينه في صورة الواقع وتريدين قوله في هذا الموضوع؟
واقعنا يفرض أسئلته ويحدد بمنطقه، شكل إجاباتنا على إشكالاته، قلت دوما وأقول، إن في المجتمعات السوية، أو المجتمعات المتحققة نوعا ما على الصعيد الفردي والمجتمعي، يبدو من الأحقية بمكان البحث في القضايا المتعلقة بالتمايز الجنساني، والحقوقي، والقانوني، والتحدث عن الاختلاف بين امرأة ورجل وطفل، يكون مبرراً جداً عندما تكون حالة المجتمع ككل هي حالة أقرب إلى الشكل الصحي أو المبتغى والمرتجى من المجتمعات، البحث عن رفع سوية المزايا، أو تحقيق العدالة في توزيع تلك المزايا ضمن شكل مؤسساتي مجتمعي قد يضمن الحقوق بالتساوي، لكن! وأضع كثيراً من الخطوط الحمراء تحت كلمة لكن، في مجتمعاتنا التي لا تزال في رحم الاحتمالات، وتزحف ببطء اتجاه تحقيق الشروط الأدنى من المطلوب منها، فإن موضوع الفصل بين المرأة والرجل، هنا هو غير عادل، وغير مبرر، فأنا وهذا الرجل، نعيش تحت سقف ظرف مربك، لا نزال نعارك فيه معا من أجل أدنى الحقوق، البطالة، الفقر، المشاكل الطائفية، الحروب، نتابع أوهام الديموقراطيات ونحاول أن نتنفس في محيط غير آمن وملوث بالكامل، الرجل هنا ليس خصمي، السلطات هي خصمي، أنا وهذا الرجل يقع على كاهلنا تحمل إفرازات مجتمع ليس مكتمل الأهلية، والبحث سوياً عن حلول.
ما الدافع لخوضك تجربة العمل في السينما؟
حالة شغف لم أناقشها في داخلي، وللأسف أعتقد أني أملك الكم الكافي من الجنون والعبط كي أختار ما اخترت، فالسينما تخبئ لي مكاناً يفرحني ويثير قلقي وجنوني لكني أحبه وألجأ إليه حتى لو كان مكاناً نافياً.
كيف تقيّمين الحراك السينمائي في سوريا، وهل هناك ما يبشر بخير؟
هذا السؤال يرفع ضغط الدم، لذا وحفاظا على ما تبقى لي من عافية، أفضل أن أجيبك بلباقة: لا تعليق!
دمشق ـــ عمر الأسعد
