كوميدي، أكشن، رومانسي، تراجيدي، شبابي وأنواع أخرى كثيرة جميعها أشكال لأعمال سينمائية تم تقديمها ولا تزال وستظل على مر العصور والسنوات المقبلة، لكن يجب أن يكون تناولها وطريقة عرضها مختلفين، وهذا ما يحدث بالفعل مع الكثير على الرغم من أن هناك أفلاما وأعمالاً سينمائية تم تقديمها من قبل بالأفكار نفسها وحتى طريقة التناول.
لكن ما يحدث كل موسم، أو بمعنى أدق من موسم لآخر في شكل وأفكار وطريقة تناول الأفلام، يجعلنا نتساءل عن السر وراء وجود مواسم كثيرة مختلفة، فمثلاً تجد أن أحد المواسم معظم أعماله شبابية ومن الوجوه الجديدة، وبالتالي لا وجود لكبار النجوم، وهذا ما حدث عند عرض فيلمي «ورقة شفرة»، «زي النهارده»، وأعمال أخرى كانت جميعها للشباب، وأيضاً الموسم الذي عرض فيه فيلم «إبراهيم الأبيض» للنجم أحمد السقا و«خارج على القانون» للنجم كريم عبدالعزيز، وهي أفلام ذات طابع أكشن وعنف، وإذا نظرنا إلى المواسم الأخرى سنجد أن بعضاً منها، بل معظمها، يسير على خط واحد؛ إما درامي أو كوميدي أو رومانسي أو أكشن أو تراجيدي، أو أي شكل آخر.
موسم الأضحى
الموسم الأخير وهو موسم عيد الأضحى هو أقرب مثال على ما نقوله، والذي تم خلاله عرض أفلام «زهايمر، ابن القنصل، بلبل حيران، ومحترم إلا ربع»، ويتضح من أفيشاتها وإعلاناتها ولمن شاهدها أنها كوميدية من الدرجة الأولى، هذا إلى جانب أن بعضا منها، وتحديدا الثلاثة الكبار، اعتمدوا على فكرة النصب والخداع، لكن في قوالب وأشكال مختلفة، فنجد أن فيلم الزعيم «زهايمر» يحاول فيه ابنا البطل فتحي عبدالوهاب، أحمد رزق وزوجة رزق رانيا يوسف، أن يخدعوه بأنه مريض بالزهايمر حتى يستطيعوا الاستيلاء على ثروته الكبيرة لسد ديونهم التي تراكمت بسبب قروض حصلوا عليها من البنوك وواجبة السداد، إلى أن يكتشف الأب عادل إمام في النهاية أن أولاده وزوجة ابنه وأحد أصدقائه يقومون بالنصب عليه؛ فيقرر أن يقوم بتربيتهم عن طريق بعض المواقف التي تجمعه معهم.
أما في فيلم ابن القنصل لأحمد السقا وخالد صالح وغادة عادل فيأخذ النصب أو الخداع شكلا آخر، حيث يقوم السقا وهو شاب ملتح اسمه عصام بخداع مزور كبير وعجوز اسمه عادل القنصل ويوهمه طوال الأحداث - التي تبدأ بعد خروج القنصل من السجن - أنه ابنه من راقصة، وأنها أنجبته في فترة سجنه، ويحاول الشاب طوال الوقت إقناع القنصل ببنوته له ويدعي أنه ينتمي لإحدى الجماعات الإسلامية المتشددة وأنه شديد الالتزام دينيا، وتمر الأحداث في هذا الاتجاه حتى يقتنع القنصل بأن عصام ابنه ويعلن له عن سر أخفاه طوال 03 سنة سجنا؛ وهو أنه يمتلك سبائك ذهبية ثمينة كسبها بعد عملية تزوير نصب فيها على اثنين من شركائه، إلى أن يكتشف المشاهد في النهاية أن عصام شاب مزور اسمه شمبر وهو ابن لأحد ضحايا القنصل وقام بخداعه حتى ينتقم منه عما فعله بأبيه ويسرق منه السبائك الذهبية.
أما «بلبل حيران» لأحمد حلمي فيأتي النصب والخداع فيه على شكل رومانسي، حيث تدور الأحداث حول المهندس نبيل الذي يريد الزواج من فتاة تحمل مواصفات خيالية أو تقترب من الكمال، ويقابل فتاة تتشابه في صفاتها مع ما يريده فيقرر خطبتها، وفجأة يقابل فتاة أخرى تحمل صفات أفضل فيحاول خداع الفتاتين في الوقت نفسه ليظلا إلى جواره ويقارن بينهما لاختيار الأفضل للزواج، إلا أنهما تكتشفان خداعه لهما فتتفقان على خداعه والانتقام منه، حتى يصاب في حادث ويدخل المستشفى للعلاج ويقابل إحدى الطبيبات، والتي يحكي لها حكايته مع الفتاتين، ثم يكتشف في النهاية أنها صديقة إحدى الفتاتين وأنها خدعته لتعرف كل شيء عن تفاصيل علاقته بالفتاتين.
أفكار وتيمات
وبعد أن سردنا الأفكار والتيمات التي قامت عليها الأعمال الثلاثة التي تم عرضها في موسم عيد الأضحى، يبقى أن نقول إن جميعها يقوم على الفكرة الكوميدية في قالب من الخداع والنصب، ومن الممكن أن تكون المصادفة هي السبب في ذلك، أو من الممكن أن يكون هناك شخص ما متحكم في شكل السوق السينمائي، مما يجعل كل عام مختلفا عن الآخر، ولكن بشكل مستفز بدأ يستوعبه الجمهور.
هذا ما دعانا لنبحث في أصل الموضوع لمعرفة السر وراء هذا التوارد في الأفكار وما إذا كان بالفعل توارد من عدمه، وهل صناع تلك الأفلام يعلمون كل شيء عن كل عمل يقدم أو يتم تصويره أم يحدث هذا مصادفة؟.. سألنا المهتمين بحال السينما وصناع السينما سؤالا بسيطا لنخلص منهم بأي إجابات قد تعطي المشاهد والجمهور سببًا في عدم تنوع أفكار المواسم، فكانت الإجابات بهذا الشكل..
منيب الشافعي رئيس غرفة صناعة السينما قال: بالنسبة لسوق عيد الأضحى فأعتقد بأن المصادفة البحتة وتوارد الأفكار هما اللذان جعلا جميع الأعمال تحمل طابعا كوميديا من الدرجة الأولى، والسبب أن أبطالها يعتبرون كوميديانات: أحمد حلمي، عادل إمام ومحمد رجب، لاسيما أحمد السقا الذي قدم دورا جديدا عليه في فيلمه المعروض حاليا «ابن القنصل».
وأكمل قائلا: ألاحظ أيضا أن هذه الأعمال نجحت بالكامل في تحقيق إيرادات مرتفعة وإقبال الجماهير عليها بشكل كبير جدا إلى جانب إشادة بعض النقاد بفكرة تلك الأعمال.
أضاف الشافعي: أعتقد بأن المنتجين دائما ما يذهبون وينتجون ما يريده الجمهور، وليس ما ينقص السوق، فإذا وجدوا أن الجمهور يريد كوميديا قدموا الكوميدي، وإذا رأوه يريد الترجيدي يقبلون على التراجيدي، وبالتالي يختلف كل موسم عن الآخر، وتكون جميع الأفلام في كل موسم متشابهة، ولا يوجد بينها أية فروق سوى في طريقة التناول، ومنها يظهر الشكل أن هناك شخصا ما يتحكم في شكل السوق السينمائي.
قوانين السوق
ويقول الناقد الفني عصام زكريا: السينما صناعة وسلعة مثلها مثل أية سلعة أخرى تخضع لقوانين السوق غير المرئية وغير المنظورة، لكن هناك تحكم في المنتج بشكل كبير، فمثلاً لو وجدنا فيلما كوميديا ناجحا، يتشجع كل المنتجين لعمل أفلام ذات طابع كوميدي، ونفس النظام في الأكشن والتراجيدي والرومانسي.
وأضاف: لابد في كل عام أن نجد هناك تغيرا ولو طفيفا في نوعية الأفلام المقدمة؛ لأن هذا من طبائع الحياة، لكن في نفس الوقت لا يحبذ أن يكون شكل الموسم واحدا، فيجب أن يكون هناك تنوع في الأفكار، ولا يكون كل موسم بطابع واحد فقط مثلما نرى كل موسم، فيسيطر على كل موسم نوع واحد من الأعمال، وهذا من الممكن أن يصرف الجمهور عن مشاهدة الكل لعدم وجود تنوع في الأفكار بعكس وجود كوميديا أو أكشن فقط.
وأكمل: الإعلام له دور رئيسي في ذلك، خصوصاً الصحافة، وفي الوقت الذي تنعدم فيه وجود أفلام كوميدية نجد أن الكل يطالب بعودتها وعندما تجد أن هناك أفلامًا رومانسية يطالب الجمهور والإعلام بعودة الأعمال ذات الطابع البوليسي أو الأكشن على سبيل المثال.
أضاف زكريا: مشكلة السينما المصرية أن التغيير فيها يأتي متأخرا جدًا، حيث ينتظر المنتج ملل المشاهد مما يقدمه وبعدها يقوم بالتغيير فلا يغير من نفسه بنفسه، والصناعة السينمائية الصحيحة هي التي تسبق الجمهور بخطوة، وتخلق تطلعات جديدة للجمهور، وهذا ما وجدناه في أفلام مثل «سهر الليالي» و«أوقات فراغ» - على سبيل المثال - واللذين قدما نوعية مختلفة من الأفلام.
واختتم زكريا كلامه قائلاً: الواضح أمامنا أن المنتجين لا يذاكرون الجمهور دائما، وهذا ما يضعهم في مشكلات كل عام.
التنوع مطلوب
أما المخرج أحمد البدري فكان رأيه أن السوق السينمائي ليس له شكل معين ولا تحكمه أية سياسات، وأضاف: أعتقد بأن ما يحدث كل عام تكون المصادفة هي السبب الرئيسي فيه، فلا يعقل أن يتحكم شخص أو حتى عدة أشخاص في شكل الموسم أو الأفلام التي يتم تقديمها، أضف إلى ذلك أن فكرة التجسس على الأعمال وبين الشركات بعضها البعض غير موجودة نهائياً بسبب أن الكثير من المنتجين والمؤلفين يفرضون سياجًا أمنيًا على أعمالهم السينمائية مما لا يدع أمام أي شخص مجالاً لمعرفة أي شيء.
وأكمل البدري: فكرة وجود أعمال متشابهة في الأفكار كل عام أو من عام لآخر فكرة واردة وتحدث في كل سينمات العالم؛ لأن الموضوع غير محكوم بقوانين أو ما شابه ذلك.
وأنهى المخرج كلامه قائلا: من الأفضل أن يكون هناك تنوع في المواسم، لكن ليس بهذا الشكل؛ موسم كوميدي وآخر أكشن وما خالف ذلك، بل يكون التنوع في داخل الموسم نفسه فتكون أفلام الموسم مختلفة عن بعضها البعض ليقبل عليها الجمهور، فيشاهد فيلما لأحمد حلمي كوميديا، وآخر لأحمد السقا أكشن، وثالث لتامر حسني رومانسيا كوميديا أو فيلماً تراجيديا..، وبهذا سيجد الجمهور التنوع وسيقبل على كل المعروض ولن يترك شيئًا على حساب الآخر.
خطى واحدة
ومن جانبه قال المنتج هاني جرجس فوزي: المنتجون لا يتفقون نهائياً على شكل واحد في أعمالهم السينمائية، لكن ما حدث هذا العام مجرد مصادفة واردة، رغم اختلاف تيمة كل فيلم عن الآخر، إلا أنك تجد كل ما تم تقديمه يدور في إطار واحد وهو النصب والخداع بشكل كوميدي.
وأكمل: ما يفعله المنتجون أنهم عندما يشاهدون الكوميدي ناجحاً يقدمون على عمله، وعندما يرون أن الأفلام الأكشن والتراجيديا والرومانسية ناجحة يقدمون على عملها ويتركون الكوميدي، والعكس صحيح تماماً، وأعتقد بأن هذا ما يحدث في بعض المواسم، لكن العام الماضي مثلاً وجدنا وجبة متنوعة من الأعمال السينمائية مثل «عصافير النيل»، «بالألوان الطبيعة»، «أحاسيس»، وغيرها من الأعمل تتغير تغيراً تاماً عن باقيها.
واختتم جرجس كلامه قائلا: أن العام الماضي أعتبره من أفضل الأعوام وخاصة الموسم الذي تم تقديم الأعمال التي ذكرتها فيه؛ لأن جميعها كان مختلفا عن الآخر، وليس كما يحدث في بعض المواسم الأخرى فتجد أن الكل يسير على خطى واحدة وخط واحد ويَغِير المنتجون من بعضهم البعض، ما يجعل المشاهد يعزف عن مشاهدة البعض منها.
القاهرة ـــ دار الإعلام العربية
