«قل يا طبيب أنا مين يطيبني، وجرحي يوم عن يوم يسيل، صبرت كتير أيام وسنين، دنا برضه صابر على المكتوب، وعدي ونصيبي، أنا مش بإيدي، يا رب أنا أعمل إيه، حكمتك يا رب».. واحد من المواويل التي تنشدها فرقة دراويش القاهرة التي تخصصت في تقديم التراث والموروث الشعبي، فعلى أنغام الربابة، والدف والكولة والمزمار والعود، تقدم الفرقة رقصا شعبيا وإنشادا بكل أنماطه وخصائصه..
والفن الشعبي فن عريق أتقنه أجدادنا القدامى بغرض الحفاظ على العادات والتقاليد، وكان وسيلة لتعلم الحكم والأمثال والقصص الشعبية والمواويل التي كانت تدور حول الغنى والفقر والجمال والسلطة والفروسية والمواعظ أحيانا، والميل نحو الخيال قليلاً، والآن تحاول فرقة «دراويش القاهرة» عبر مجموعة من الموهوبين، جمعوا التراث الشعبي الفلكلوري في فرقة واحدة، إحياء هذا الفن، وهذا ما يؤكده مدير الفرقة إبراهيم منصور الذي تحدث عن نشأة هذه الفرقة بقوله: أنا من عشاق الفن الشعبي وتراثه الفلكلوري، وكنت أذهب للموالد والأفراح الشعبية منذ الصغر لكي أشاهد هذا الفن، حتى جاءت الفرصة لكي أطبق ما تعلمته من أساتذة الفن الشعبي، وما قرأته عن فرقة تسمى «الدراويش»، وهي فرقة تراثية قديمة جداً للفن الشعبي الفلكلوري، يرجع تاريخها إلى العصر العثماني عام 4591، لكنها توقفت بسبب الإهمال في الموقع الذي كانت تقصده، وهذا الموقع كان يسمى «تكية الدراويش»، حيث كان بمثابة مسرح للاحتفالات الدينية وتقديم الموروثات الشعبية والرقص الشعبي والإنشاد الديني، لذلك قررت أن أجعل هذه الفرقة مرجعا أساسيا وقاعدة أسير عليها، وبدأت باسمها «دراويش القاهرة».
طبال وحناتي
يضيف مدير الفرقة: فكرت في جمع أعضاء الفرقة من الموهوبين من جميع المحافظات والأقطار، فذهبت إلى محافظة الشرقية، وإلى القناطر الخيرية/ شمال القاهرة، وأماكن كثيرة كنت أسمع عن وجود موهوبين بها من طبال وحناتي وعازف كولة وأرجولة وعود وغير ذلك، إلى أن جمعت أعضاء الفرقة وكونتها في عام 4002 بغرض تقديم التراث والموروث الشعبي.
بدأت عروض فرقة «دراويش القاهرة» من خلال مرشد سياحي، نظرا إلى عشق الأفواج السياحية هذا الفن، يقول منصور: كنا نقدم هذا الفن يومي السبت والثلاثاء من كل أسبوع، وكان أغلب جمهورنا في البداية من الإسبان، حيث كانوا أكثر عشقا لهذا الفن ويسمعونه بمزاج راقٍ، ويتفاعلون معه، ويقومون بالرقص مع الفرقة.
راقص التنورة
وعن فقرات الفرقة يقول مؤسسها: نبدأ بالفقرة الأولى وهي «الدخيلة»؛ وتعني أن كل فنان صاحب آلة يظهر موهبته بعزفه على الآلة بمفرده، والآلات هي: الربابة، دهلة، الدف، الكولة، المزمار، العود، وحانة وهي آلة تشبه الدف، لكن بها صاجات لكي تصدر صوتا مختلفا، وهذا هو العرض الأول.
أما الفقرة الثانية فهي الإنشاد الديني بالمداح (المنشد) مع راقص التنورة في الوسط وحوله 4 راقصين يمدحون هذا الإنشاد، ويعبرون عنه وعن كلامه الذي ينشده في صورة مجسدة من راقص التنورة والمداحين.
والفقرة الثالثة عبارة عن استعراض للتنورة يشارك فيه ما بين 3 إلى 7 راقصين، وهذا العرض الاستعراضي عبارة عن فلكلور تراثي شعبي راقص، فالتنورة فن متوارث له أصول وقواعد، غير أن شكل التنورة وألوانها العجيبة التي تمثل ألوان السماء السبعة تضيف عليه بعض الابتكارات البسيطة مثل جمع أكثر من تنورة مع بعضها البعض، أو جعلها تنورة مضيئة.
ويشير مدير الفرقة إلى أن كل أعضاء فرقته توارثوا هذا الفن من أجدادهم من خلال حلقات الذكر والإنشاد الديني في الموالد والأفراح الشعبية، حيث يروون قصصا شعبية ومدحا عن الرسول- عليه الصلاة والسلام- وقصصا عن سكرات الموت وعن الجنة.
إنشاد ديني
ولكن خير من يحدثنا عن الإنشاد الديني هو منشد فرقة الدراويش الشيخ أحمد البدوي، الذي يحكى تجربته في الفرقة فيقول: بدأت الإنشاد منذ أن كان عمري 21 عاما، حيث كان والدي منشدا صوفيا، لذلك كانت الفرصة مناسبة لقراءة كتب المنشدين، وهي كتب يصل عمرها إلى 001 عام، وكنت أحفظ منها كثيراً من الدواوين بمساعدة والدي وأتعلم منه طريقة الإلقاء. يضيف: تجولت كثيراً في موالد مثل السيدة زينب وإبراهيم الدسوقي لكي أتعلم من المنشدين طريقة الإلقاء ومخارج الألفاظ والوقفات، فالنص له قواعد كثيرة تحكمه، هل يقال وراء فرقة أم يقال بمفرده؟ وكل جملة لها مقام بياتي تقاس وتقال عليه، مستطردا: نحن، المنشدين، نقسم الإلقاء قسمين: الأول يسمى الشرح، والثاني يسمى الموال، وكل ذلك يقدم من غير نوتة، حيث يعتمد على الصوت القوي الذي ينقل من مقام السيكا- مثلا- أو مقام آخر مثل البياتي.
ويشير إلى أن حفظ القرآن الكريم يساعد كثيراً على خروج الألفاظ الصحيحة وتحسين الصوت وجودته، ويقدم هذا الإنشاد عن طريق الارتجال، لافتا إلى أن كل ما يقدمه المنشد الديني يكون عن الدين وقصص الرسول، صلى الله عليه وسلم.
منذ 6 سنوات والفرقة تواصل عروضها، وتقدم فنا ورقصا شعبيا وفلكلورا تراثيا، وخلال رحلتها تجولت في معظم أنحاء العالم، وقدمت فنها في أكثر من 31 مهرجانا عربيا وعالميا، بينها مهرجان «لاجا» في إسبانيا.
القاهرة: دار الإعلام العربية
