كثير من المستمعين ما يجدون في الراديو الونس والخيال الذي لا تكبحه فرامل الصورة المرئية والصديق الهامس بلا فضول والذي لا يحتاج إلى بروتوكولات وإتيكيت خاص عند سماعه، فأنت تسمعه وأنت مقبل على النوم حال تخدير النعاس، وأيضاً أثناء قيادتك سيارتك وأنت عائد الى المنزل بعد يوم شاق. وأنت جالس وحدك في مكان هادئ، لتدير مؤشر الراديو ذهابا وإيابا، بحثا عن إذاعتك المفضلة لمتابعة البرنامج الذي يقدم مضمونا أو فكرة قد تفيدك في حياتك العملية والشخصية أو تتفاعل معها عبر الهاتف أو إرسال رسائل نصية أو لسماع الأغاني الجديدة أو القديمة التي تعيدك لأيام الطرب الجميل أو لنشرة إخبارية تُطلعك على ما يحدث حولك من قضايا مهمة.
ولكننا لا حظنا في الآونة الأخيرة تقليص المعلومات الإخبارية والثقافية بشكل عام، والاستعاضة عنها بالسمة الترفيهية بمضمونها الخفيف الذي يسير على إيقاع الحياة السريع، وإشكالية أن المستمع بوجه عام تحيطه الضغوطات النفسية والاجتماعية والاقتصادية من كل جانب، فأصبحت فترة استماعه للإذاعة مرتبطة بتواجده فترات طويلة خلف مقود السيارة. لذا ترى بعض الإذاعات أن من واجبها تخفيف النشرات الإخبارية وتقليصها إلى معلومات سريعة حتى لا يشعر المستمع بالملل، ما يجعلنا نتساءل : هل زيادة جرعة الترفيه على الإذاعات العربية أدى إلى الإسهام بشكل غير مباشر في انخفاض الوعي الثقافي والسياسي بما يدور حولنا من أحداث في كل ثانية ودقيقة.
«الحواس الخمس» تسلل إلى كواليس الإذاعة ليرى أهمية تواجد الجانب الترفيهي فيها وتأثيره على المستمعين لتتعدد الآراء ووجهات النظر. فالبعض يرى أن الإكثار من الجانب الترفيهي يؤدي إلى هروب المستمع لأنه يستطيع الحصول على الترفيه من أي مكان آخر، والبعض الآخر يرى أن إعطاء المزيد من المساحة الهوائية للموسيقى، والتخفيف من الكلام في البرامج يجذب المستمع للإذاعة لأنه يعاني طوال اليوم من ضغوطات نفسية واقتصادية ويحتاج للترفيه، وهناك من يؤكد أن الإذاعة الناجحة هي التي تستطيع الربط بين الموسيقى والمضمون .
يقول مدير عام إذاعة الرياض السعودية سعد الجريس: إن إذاعة اليوم يجب أن تخفف من الجانب الترفيهي «لأنك إذا أكثرت من هذا الجانب هرب منك المستمع بدلا أن تجذبه، فهو يستطيع الحصول على الترفيه من أي مكان آخر، على سبيل المثال أنت تبث عددا كبيرا من الأغاني ، فيما يستطيع المستمع اقتناء ألبوم أو «سي دي» او أي وسيط أسهل وأرخص يضم عددا غير محدود من الأغنيات التي يتحكم بزمن سماعها وتكرارها في أي وقت». وأضاف: الإذاعة بالمقابل إذا أرادت الوصول للناس يجب أن تتفاعل معهم، انتهت الإذاعة ذات الاتجاه الواحد أو الإذاعة التلقينية (أن أعطيك معلومات وأثقفك بشكل تلقيني مباشر)، حتى ألوان الإنتاج الإعلامي أصبحت الآن تدار بتفاعلية ونقاش وحوار يبرز وجهات النظر، الرأي والرأي الآخر. وتابع: من أبرز ملامح البرامج في الوقت الحالي هو الملمح الوقتي، ففي الماضي كان البرنامج يقاس بالوقت، الآن أصبحنا نقيس البرنامج بمضمون الرسالة، الملمح الثاني هو دوائر الاهتمام والقرب، بمعنى إذا لم تلتصق الإذاعة بهموم ومشاكل الناس والمجتمع لن يسمعها أحد، الملمح الثالث هو الشكل، فأنت تزوّق أو تجمّل أي منتج وتروج له كي يجذب الانتباه ويتم اقتناؤه، وهذا الأمر ينطبق على البرامج الإذاعية، فعذوبة الصوت ونقاوته والإخراج الجيد والمؤثرات الصوتية المناسبة عوامل لا بد أن تتوافر في المنتج الإذاعي حتى يكون جاذبا ومؤثرا في المستمع.
ذائقة الجمهور العربي
وتقول ناهدة نكد: إن الإذاعة تحرص على تقديم مضمون محترف وله قيمة، ويوازي حرفية الإذاعة التي التي تبث داخل فرنسا، والتي قطعت شوطا كبيرا في علاقتها بالمستمعين، حيث باتت جزءا من حياة الناس اليومية، فنحن نريد أن يكون البث الخارجي أيضا بالجودة ذاتها. وترصد نكد أداء المذيعين والمعدين والعاملين بشكل يومي وتتدخل دوما في تفاصيل هذا العمل «أمضيت شهورا استمع اليهم، فنلت ثقتهم، وتم خلق ذلك الشغف لدى الجميع بإعادة مونتي كارلو إلى مكانتها السابقة من جديد». ثلاثة خطوط تعمل عليها نكد بشكل متواز: تحويل أثير الإذاعة من موجات الـ « أي إم» إلى «إف إم»، توزيع البث على كافة الدول العربية، وإجراء المزيد من الدراسات التي تستكشف ذائقة جمهور الإذاعة العربي.
وأشارت عائشة نصيب نائب مدير برامج إذاعة العربية 99 أن الإذاعة رفعت شعار «الموسيقى أولاً» لإعطاء المزيد من المساحة الهوائية للموسيقى، والتخفيف من الكلام في البرامج. وذلك بعد عدة دراسات وأبحاث أظهرت أن المستمعين يفضلون زيادة الجرعة الموسيقية. وتضيف: نحن نقدم مضمونا له قيمة ولكن بأسلوب ترفيهي حتى لا يشعر المستمع بالملل، لذلك قمنا بإضافة فقرات أبرزها 04 دقيقة موسيقى من الساعة الواحدة وحتى الساعة السادسة، التي تقدم الأغاني في فترات متواصلة خلال النهار، من دون أي فاصل إعلانية، حيث أن ضغط العمل والحياة. ترى عائشة أن العمل الإذاعي من أول وسائل الإعلام الحديثة التي خاطبت المتلقي المستمع، صوتا ووعيا، من خلال ما يحمله الخطاب الإذاعي من مهنية عالية في التعامل مع الخبر والمعلومة، والربط بين العالم والمجتمع. لذلك نحرص من خلال إذاعتنا على تقديم كل ما يهم المستمع العربي.
جذب المستمع
بينما تقول ميرنا مذيعة برنامج «ناس وناس» على إذاعة العربية 99: نحن نعيش في دبي بين عدة جنسيات مختلفة البعض منها يحب الاستماع للأغاني والبعض الآخر ينتظر برنامجه المفضل لمتابعته. ولأن إذاعة العربية لا تقبل سوى المركز الأول جمعنا بين الاثنين الموسيقى والمضمون. وتضيف: في برنامجي أقدم المعلومة أو الفكرة بشكل مقتضب وذلك من خلال عدة فقرات أقدمها بالبرنامج ففي فقرة «الشهرة والناس» أتحدث عن أخبار المشاهير وأطلب من المستمعين إرسال تعليقاتهم، أما بفقرة «أحداث وناس» فأتحدث عن أبرز الأحداث السياسية والفنية والثقافية التي حدثت بمثل هذا اليوم.
وترى عبير غزاوي مذيعة برنامج «على الطريق» على إذاعة راديو الرابعة أن التنوع مطلوب، فإلى جانب الغناء والموسيقى يجب وجود برامج نحقق فيها مضموناً وفي نفس الوقت تحقق مردودا ماديا. فالإذاعة الناجحة هي التي تستطيع أن تجذب لها المستمع من خلال ما تقدمه من برامج وأغان وأخبار .
أحدث الأغاني وآخر الأخبار
في حين يقول فادي مطر المنتج براديو سوا: الإذاعة متاحة للكثيرين عبر وسائلها المنتشرة في المنزل، العمل والسيارة، فهي الأقرب إلى المتلقي، برغم ظهور وسائط إعلامية متعددة، ونحن في محطتنا الإذاعية نعمل على بث الأخبار لكن دون أن يشعر المستمع بالملل وذلك من خلال المزج بينها وبين الأغاني، فالترفيه إحدى أهم الوسائل التي يراهن عليها في جذب المشاهد العربي، ما يميز راديو سوا الذي يرفع شعار «أجدد الأغاني وآخر الأخبار»، هو المزج بين المواد الترفيهية والإخبارية، فهو يقدم مجموعة من الأغاني العربية والأجنبية الناجحة، تتخللها نشرات إخبارية مقتضبة، تقدم بشكل خفيف، وهو أسلوب عصري غير مسبوق في العالم العربي، وقد بينت هذه التجربة أن مزج الجد بالترفيه ناجح جدا في جذب اهتمام المشاهدين، وقد أجرينا أكثر من استطلاع لمعرفة ماذا يفضل المستمع العربي وعلى هذا الأساس انطلقنا، فنحن على سبيل المثال في العراق نهتم بتقديم الأخبار أكثر من الأغاني أما في دول الخليج فالأغاني هي الأساس ثم تأتي بعد ذلك الأخبار، كذلك من أساسيات تشكيل وقيام العمل الإذاعي تعتمد على مثلث «المذيع، المعد، المخرج» لكون المثلث الوسيط المباشر بين الإعلام والمتلقي ونافذة الدخول إلى عالم منوع من المعارف والثقافات.
دبي ـــ عبادة ابراهيم

