في إطار تكريم مهرجان القاهرة السينمائي خلال دورته الـ34 للممثلة الكورية الجنوبية يون جونغ هي، عرض الفيلم الكوري (شعر ـ بويتري) الذي كتبه وأخرجه لي تشانغ دونغ عن حادثة حقيقية تتعرض فيها تلميذة للاغتصاب من قبل عصابة من الصبية المراهقين.
ورغم بشاعة تلك الحادثة، ركز السيناريو على دور «ميغا» التي تعيش مع حفيدها «يونغ» في منطقة ريفية صغيرة، وهي الشخصية الرئيسية التي أدتها نجمة السينما الكورية المشهورة في الستينات والسبعينات، وقد أبدت يون رضاها عن الدور الذي عادت من خلاله إلى الشاشة الكبيرة بعد غياب أكثر من 61 عاما.
الفيلم مدته 931 دقيقة، ومن إنتاج 0102، ويناقش هموم كبار السن، ويتطرق لإحباطاتهم وأحلامهم ومغامراتهم في حياة قاسية مع التقدم في العمر، ويعكس واقعا لا يستهان به لتلك الفئة من أهل الأرض.
تدور قصة الفيلم في إيقاع حزين وكئيب نسبيا حول بطلته الجميلة التي وصلت إلى ستينات عمرها، تسكن مع حفيدها المراهق بعد طلاق ابنتها وذهابها للعمل في العاصمة تاركة ابنها في رعاية جدته، التي تعمل كخادمة منزلية بدوام جزئي لدى رجل أعمال مسن لديه شلل في أطرافه العلوية والسفلية وصعوبة في النطق.
وتبدأ الأحداث بزيارة البطلة للطبيب وهي تشكو من صعوبة في تذكر أسماء بعض الأشياء، ويطلب منها تحاليل إضافية وفحوصات، وتكون النتيجة أنها تعاني من حالة مرض «الزهايمر» في مراحله الأولى، وتخفي ذلك عن ابنتها خلال محادثاتهما التليفونية، وتخبرها أنها بصحة جيدة.
وينتقل الفيلم إلى الحدث التالي المحور الرئيسي للعمل، حيث تلتحق «ميغا» بدورة لتعلم الشعر في المركز الثقافي للمدينة، محاولة منها لاستعادة الحياة، وسعيها لكتابة ولو قصيدة واحدة، ورغم صعوبة ذلك تبدأ في تأمل الحياة بنظرة أخرى مختلفة عن سنوات حياتها المتآكلة، لتكتشف الجمال الحقيقي في زهرة يانعة وفراشة عابرة أو صوت حفيف الأشجار عندما يحرك تيار هواء أوراقه.
وتتوالى على الجدة المتاعب عندما تعلم بأن حفيدها كان ضمن ستة من المراهقين اغتصبوا تلميذة صغيرة، ما دفع الفتاة إلى الانتحار، ويقرر آباء الأولاد الجناة أن يدفعوا مبلغا من المال لأم الفتاة لضمان سكوتها والتغطية على الجريمة، ويكون المطلوب منها مبلغ 5 ملايين دولار حصة حفيدها.
وتقع «ميغا» في صراع بين تدبير حصة حفيدها من المال المطلوب ومواجهة الحقيقة المرعبة في سلوك حفيدها من جراء الجريمة البشعة التي شارك في ارتكابها، ومع ذلك تعاني من شعور الحزن والألم لانتحار الفتاة رغم أنها لا تمت لها بصلة، خاصة وأن الآخرين لا يبدون أية مبالاة، بل إن الصبية المغتصبين قد عادوا إلى حياتهم المعتادة من اللهو والمرح، بينما يحاول آباؤهم أن يبعدوا الشرطة والصحافة عن القضية، ومع تقدم الأمور تزداد وطأة الزهايمر على عقل الجدة، التي تطالب حفيدها الملهوف دائما على أكل الطعام بمزيد من الترتيب والسلوك الحسن.
وهناك تفاصيل بطيئة ومشاهد متنوعة لكنها تثري العمل، منها مطالبة العجوز المشلول من الجدة في الحمام الذي تقوم بغسل جسده فيه بالصابون أن تقيم علاقة حميمية معه لقاء زيادة الأجرة، فترفض وتترك العمل، وزيارتها لوالدة المراهقة المنتحرة وجسر المدينة وتأملها كيف حدث انتحار الصبية، ثم عودتها مرة أخرى للعجوز المريض وموافقتها على ما يريد مقابل أن يعطيها مبلغ المال الذي عليها أن تدفعه، وتحقق له بالفعل الأمنية الوحيدة التي ينشدها قبل أن يموت.
وينتهي الفيلم بلقطة جميلة قريبة كما بدأ من مستوى تدفق النهر وجريانه الدائم، مع صوت مدرس الشعر وهو يلقي القصيدة الوحيدة التي كتبتها «ميغا»، وكأنها تريد أن تؤكد أن في الشعر ما يقدس الحياة ويداوي جراحاتها ويزرع الأمل ويقاوم الملل ويوسع الرؤية بعد ضيقها، ومنه أيضا ما يغرق في الألم واليأس والموت، ويجعل لذلك طعما عذبا يتجرعه البعض ويسعى إليه.
فيلم «شعر» يعتبر أكثر من ميلودراما أخلاقية غريبة، صنع برشاقة ودفء خاص واستخدم المرح والرقة في أداء الممثلة «يون جونغ هي» ليبرز دراميا الأعماق الفنية والانفعالية التي لا نعرف أننا نمتلكها.
وهكذا يعود المخرج الكوري الشهير لي تشانغ دونغ بعد غياب ثلاث سنوات أعقبت فوز فيلمه «سر شروق الشمس» عام 2007 بالعديد من الجوائز بعمل مميز جديد، ولم يكن من الغريب أيضا أن يحصل فيلمه «شعر» على الكثير من الجوائز في مهرجانات السينما، ومنها جائزة أفضل سيناريو من مهرجان كان السينمائي الأخير خلال شهر مايو الماضي.
القاهرة - أسامة عسل
