غابت الأغنية الطربية عن الساحة الغنائية لسنوات طويلة، وتم تجاهلها إما عمداً لصعوبة أدائها على معظم الأصوات الموجودة أو تحت دعاوى التطوير والادعاء بأن الموسيقى لغة عالمية.
وفي كل الأحوال، تاهت تلك الغنوة الشجية بألحانها الرشيقة وإيقاعاتها المشحونة بالحيوية ولم يعد لها مكان إلا في بعض أغاني أصوات قوية تملك مساحات وإمكانات تنم عن فهم وإحساس بالمقامات الشرقية وكيفية التنقل والتصرف على المسرح مثل أصالة وأنغام وصابر الرباعي أو داخل الأوبرا.وأخيرا جاءت أغنية المطرب السوري ساموزين «ملكش دعوة بيا» لتعيد للأذهان والأسماع عذوبة الغناء على الطريقة الشرقية، خاصة وأن الأغنية حققت نجاحا على المستوى الفني بعيدا عما أثير حول الفيديو كليب.. فهل تعود الأغنية الطربية التي تنتصر للموسيقى الشرقية بعد غياب..أم ستكون مجرد موضة وتنتهي؟
الموسيقار حلمي بكر يرى أن الموسيقى الشرقية ستظل هويتنا الحقيقية التي لا نستطيع الابتعاد عنها مهما شاعت الموجات الموسيقية الجديدة، مؤكدا أن الموسيقى الشرقية هي أصل الموسيقى والرجوع إليها أمر محمود ومهم جدا، خصوصا أنها تنفرد بمزايا خاصة تختلف عن تلك الموجودة في الموسيقى الغربية، حيث تعكس طبائع الشعوب على اختلاف ثقافتها، كما تبقى موسيقى كل منطقة شرقية ذات لون وإحساس مختلف عن المنطقة الأخرى.
الموجات الموسيقية الجديدة
ورغم هذه الأهمية التي تشغلها الموسيقى الشرقية، يلفت بكر الى أن سهولة توزيع بعض الموجات الموسيقية الغربية، ومنها موسيقى الهاوس جعل عددا كبيرا من المطربين العرب يتجهون إلى هذا اللون الموسيقى، لكن غاب عنهم أن الموسيقى الشرقية تتميز عن الغربية بكثير من الصفات وإن كان أهمها ما يعرف بالربع صوت «نصف بيمول» أو التسع صوت والذي لا يمكن وجوده في الموسيقى الغربية؛ ومع ذلك يحاول المطربون الابتعاد عنها قدر الإمكان؛ لأن معظم المطربين يجيدون الغناء المصاحب للموسيقى الغربية، بينما تكشف الموسيقى الشرقية مساحات أصواتهم ورقيها؛ الأمر الذي يتطلب من كل مطرب حقيقي أن يبدأ في المران على الأصوات الصادرة عن كل آلة من الآلات الشرقية ومعرفة الأوزان والإيقاعات وأساليب الألحان وأنواعها؛ خاصة وأن معظم المطربين على الساحة الغنائية يفتقدون ذلك.
انتشار الموسيقى الشرقية
وبسؤال المغني السوري ساموزين عن سبب لجوئه إلى الموسيقى الشرقية في أغنية «ملكش دعوة بيا»، قال: أنا لست مطربا فقط لكنني مستمع متذوق ومتعطش للغناء العربي المقترن بالموسيقى الشرقية، خاصة وأن الموسيقى الشرقية بدأت تنتشر في المجتمعات الغربية بشكل كبير، ولا يفهم من ذلك أن الموجات الموسيقية الجديدة فاشلة لكن نجاحها لا يرتقي إلى الموسيقى الشرقية إذ يوجد في الأولى استسهال كبير سواء من الملحن أو الموزع أو المطرب أيضاً.
وعن أسباب اختياره لأغنية «ملكش دعوة بيا» قال: استمعت لهذه الأغنية منذ أن كنت طفلاً صغيراً ولكن لم أشعر بهذا الشعور الذي انتابني عندما سمعت لحنها الجديد الذي قام الموسيقار طارق عبد الجابر بصناعته بطريقة حديثة، فعندما علم أنني أحاول إحياء التراث الفني من جديد عرض عليّ هذا اللحن وقمت بتأدية الأغنية بطريقتي ثم عرضها على بعض المقربين مني الذين أكدوا لي أنني أبدعت فيها وسوف تحظى بنفس النجاح الذي حظيت به أغنية المطربة فايزة أحمد قبل 03 عاما، وكانت توقعاتهم صائبة حيث حققت الأغنية نجاحا مدويا لم أتوقعه وفوجئت بردود أفعال قوية تطالبني بتكرار هذه التجربة مرة ثانية.
موضة التقليد
بينما أبدى الشاعر الغنائي أيمن بهجت قمر مخاوفه من تبني طابور عريض من المغنين للموسيقى الشرقية، ليس لسبب سوى مجاراة الموجة وتحقيق الانتشار فقط، وضرب مثلا بموسيقى الهاوس الذي جلبها أحد المطربين من الخارج فحققت انتشارا كبيرا بعد أن لاقت نجاحا مدويا في البداية ورفع الجميع شعار هذا النوع من الموسيقى الذي استمر ما يقرب من 02 عاما دون أن يتطرق أحد إلى الموسيقى الشرقية.
ولفت قمر الى أن النظرة التي سيطرت على بعض المطربين خلال الفترة السابقة، أنها موسيقى بدائية تعاني من التخلف ولا تواكب التحديث ولا تصلح مع التكنولوجيا الحديثة والطفرة التي حدثت في الآلات الموسيقية، وذلك بالرغم من أن الغرب أخذ من موسيقانا وأسس موسيقاه بل يستخدم حاليًا معظم الآلات الشرقية في أهم الأغاني العالمية والمقطوعات.
العودة للطرب الشرقي
ويرد علي قمر الموزع الموسيقي إيهاب محجوب، موضحا أن معظم المغنين الموجودين على الساحة الغنائية حاليا لا يصلحون لغناء شرقي؛ لأن مستوى صوتهم ضعيف للغاية ويستترون خلف موسيقى الهاوس التي تقبل جميع الدرجات، وقال: لو وضعوا في اختبار حقيقي مع الموسيقى الشرقية فسوف يحالفهم الرسوب من أول اختبار؛ لأن الشرقي هو الذي يكشف خامة الصوت. وأكد أن العودة للطرب الشرقي الأصيل بمثابة اختراق للروح الإنسانية وإسعادها وتفجير عاطفتها كما أنه عودة إلى جيل العظماء من مطربات الماضي مثل أسمهان وليلى مراد وأم كلثوم وغيرهن سواء من المطربين أو المطربات الذين يجعلون المستمع يعيش في حلم جميل ينعش الأرواح التي أقلقها الفن الغنائي الروك والموسيقى الهابطة.
وراهن الموزع الموسيقي على نجاح الموسيقى الشرقية في الفترة القادمة وإعادة الصلة بين المستمع العربي والموسيقى التراثية الجادة من خلال إعادة إنتاج التراث كما هو دون المساس به مع التشجيع على كتابة إبداعات جديدة من قوالب قديمة؛ خاصة وأن القالب الشرقي يتميز عن غيره بشكله الجميل الذي يحتمل أن نصب فيه إبداعا جديدا.
وعن التجارب الجديدة التي تخلط الموسيقى الشرقية الأصيلة بالغربية سواء الهاوس أو الجاز، أعتبر محجوب أنها تجارب ناجحة ولطيفة وترضي كل الأذواق ولكنها في نفس الوقت ليست بديلة عن الخط الأساسي الذي يوثق هوية موسيقانا الشرقية والعربية.
أما الملحن عمار الشريعي فيرى أن المستمع العربي بات في اشتياق للأغنية الطربية؛ لأنه تعب ومل من الألحان والإيقاعات الغربية؛ لذلك يرى ضرورة العودة للأغنية الطربية حتى ولو اقتصرت على أغنية واحدة في كل ألبوم..
وقال: بالرغم من إمكانات الصوت الهائلة لعمرو دياب وراغب علامة إلا أنهما لا يستطيعان أداء هذا اللون، على العكس من المطرب علي الحجار الذي يعد، وفق رأى الشريعي، أفضل الموجودين على الساحة الغنائية والجدير بإحياء التراث من جديد، ومعه بالطبع المغنون الأوبراليون الذين انتقلوا أخيرا إلى الغناء بالموسيقى الغربية.
القاهرة ـــ دار الإعلام العربية
