في كل مرّة تُقدّم الفنانة اللبنانية ريما خشيش حفلاً أو ألبوماً، تُفاجئنا بعمل أكثر حداثة وابتكاراً وجرأة من قبله. فبعد الخطوة الجريئة التي قامت بها مع الفنان ربيع مروة العام الماضي، بغناء وتلحين نثر من تأليف الشاعر عباس بيضون باللغة الفصحى، ها هي اليوم تصدح مكرّمة الشحرورة صباح في حفل ضمن فعاليات مهرجان دبي السينمائي بعد غد الخميس. وسيكون الجمهور الإماراتي على موعد مميّز مع خشيش التي اختارت أغاني التكريم الـ 21 من أفلام صباح السينمائية منها «حبيبة أمها» التي لحّنها فريد الأطرش، و«الحلو ليه تقلان» لمحمد الموجي، و«مرحبتين» لفلمون وهبي، و«كرم الهوى» لمحمد عبدالوهاب، و«عالندّا الندا النّدا» للأخوين الرحباني.

ويبدو أن نجم هذه الثلاثينية الذكية الهادئة صاحبة الصوت الحنون الدافئ، يُحلّق عالياً ويجذب جماهير عربية وأجنبية على السواء. فهي منهمكة في الفترة الأخيرة بحفلات حول العالم منها في عمان، وفي تحضير ألبومها الرابع الذي سيصدر قريباً. فالثمانية وعشرون عاماً من الجهد والدرس والبحث والتجريب في مجال الأغنية العربية الأصيلة والتراثية، كافية، ليترّبع اسم خشيش على عرش هذا النوع من الفنون العربية الأبرز. ففي كل مرّة تسمعها تغني على المسرح، تكتشف مزايا جديدة في صوتها الآسر الذي يحمل في طياته تقنيات وعلماً موسيقياً وجمالية تطريبية نادرة. أليست هي مَن قال لها محمد عبدالوهاب وهي في السابعة عشرة، «صوتك يفوت على القلب بسرعة، وعربك سريعة زي عرب أم كلثوم»؟

استطاعت خشيش أن تجذب جمهوراً شاباً عصياً على الجذب إلى الأغنية الطربية العربية، خصوصاً في خطوتها الأخيرة الفريدة من نوعها في غناء نصّ نثري غير موزون يُغنى. فعادة يهرب الشباب أو لا يُطربون للقصيدة والأغنيات باللغة الفصحى، لكن تحدياً كبيراً نجحا فيه ربيع مروّة وخشيش، للتأكيد على أن المشكلة ليست بلغة الضاد، إنما باستخدامها وجهل التعاطي معها موسيقياً.

عندما تُحاول التفكير في أي طريقة سيُلحّن ربيع مروة الممثل والمخرج وصاحب العروض المعاصرة والموسيقى، تحتار. لكنك تعرف مسبقاً أنه لن يخطر ببالك أبداً ما سيُقدّمه. فالنص الذي يصف على الأرجح شيئاً من صراع عباس بيضون مع الوقت، حيوي وتفصيلي ويطال يوميات أي إنسان يصل دائماً متأخراً. لكن ربيع وريما عرفا كيف يستثمران في اللحن المصاغ ثنائياً، على إيقاع آلة الفلوت الذي يبدأ ربيع بالعزف عليها ليُدخلنا الى طقوس تعرجات الوقت المتأرجح بين السرعة والبطء. ثم يجيء صوت ريما الملائكي من دون مرافقة موسيقية، لينقل لنا مناخ القصيدة الحقيقي بكل تخبطاته، على بساط مقامات النهوند والحجاز والكرد والبياتي والصبا، وصولاً الى التجويد والمقام الكنسي. وهكذا تدخل نغمات الفلوت، ثم تُصغي لصوت ريما، ثم يُصغي صوت ريما لها، في لعبة موسيقية ارتجالية تجريبية رائدة وذكية. وقد أتحفتنا ريما في تجويدها المرهف للنص، عاطية بعداً إخراجياً لأدائها يسرد حيثيات القصة التي يسردها عباس بيضون.

على نار خفيفة

السمراء ابنة السادسة والثلاثين، التي تماهت مع الخشبة وألِفتها من عمر الثامنة، مؤدية الموشّح والدور والقصيدة، تعرف جيّداً ماذا تفعل وماذا تريد، وكل ميلودي موسيقية أو آه يخرجان من فمها بعد دراسة وتمحيص. لذا أمضت كل هذه السنوات، تطبخ خطّها الفني المميّز على نار خفيفة، فيما وصلت زميلات لها في المهنة إلى «نجومية» عبرت القارات والرياح. «منذ أخذ أبي عازف القانون الهاوي، بيدي لأغرف من منهل تراث الموسيقى العربية القديمة وأنا صغيرة، بدأت رحلتي في التعمّق بالموسيقى، ورسم مخطّط مبني على أساس العلم والمعرفة والاستماع، والموهبة»، تقول ريما.

وتتابع: «شيء محزن أن يصل ناس بسرعة أكبر إلى النجومية، لكنني أؤمن بأن الجهد المضني واحترام المستمع، سيعودون حتماً بنتيجة جيّدة وإن كانت متأخرة. والأهم لدي أن أصل إلى نتيجة ترضيني وتُقنعني». وتشير: «أنا فتاة «نيقة»، أحترم المستمع وذوقه وأحترم عملي وأجلّه، لذا عندما أريد تقديم أغنية يجب أن أقتنع بها ويجب أن أقدمها على أفضل ما يُرام، وإلا لا أقدمها. فقد أؤخر عمل أو أغنية لوقت طويل حتى تركب وتقنعني مئة في المئة». وتفيد: «أحسب ألف حساب كي لا تكون أعمالي أقل من توقعات جمهوري الذي جمعته على مرّ سنوات».

ويُشهد لريما خشيش أنها استطاعت بجدارة أن «تقبض» على جمهور متنوّع من الشباب من معمعة «الفن التجاري»، وأن تسحب البساط من تحت الأغنية الأجنبية التي يعوّل عليها الشباب أكثر بكثير من الأغنية العربية. «في السابق، كان جمهوري من كبار السن، لكنني أفرح كلما أحيي حفلة ويغلب العنصر الشبابي فيها»، تؤكد ريما الهادئة في حديثها كما في أدائها. لكن ما سرّ جمهورها الشبابي الذي يتكاثر من حفل الى حفل؟ تُجيب: «لا أدري. ربما لأنني لستُ تقليدية، وأشبههم وأتواصل معهم بلغتهم المعاصرة المبنية على مخزون أصيل تحترم تطلعاتهم الموسيقية».

مقلّة السمراء الهادئة التي يُشبه صوتها العذب والعفوي والمناسب شخصيتها. أما السبب فهو «الدعم المادي ثم الدعم المادي. لنُحيي حفلاً جيّداً وذات مهنية عالية، نحتاج إلى تمويل». لكن المفاجآت تلازم أعمالها وحفلاتها، منذ كانت مغنية منفردة في فرقة «بيروت العربية» بقيادة المايسترو سليم سحاب، حيث أدت أصعب الموشحات مثل «أنت المدلّل»، وأصعب الأدوار مثل «ايمتى الهوى يجي سوا»، وحتى حفلاتها الأخيرة. وتوضح: «أتعمّد أن أفاجئ جمهوري لأنني أريد أن أفاجئ نفسي، وبالتالي تحدي نفسي».

وكان لتجربتها مع موسيقيين هولنديين وعراقيين في ألبوم «قطار الشرق» الذي سُجل للموسيقى خلال حفل حيّ، صدى وتأثيراً في خوضها تجارب مفتوحة على تزاوج الموسيقى العربية والجاز. فعادت وشاركت في ألبوم «توتيا» (جاز) للموسيقي اللبناني توفيق فروخ، وعملت ومازالت مع المؤلف الموسيقي سيمون شاهين الذي يدير لها فرقة موسيقية لتقديم الطرب العربي الكلاسيكي، كما تشارك معه في تعليم أصول الغناء العربي في جامعة «ماونت هوليوك» في ماساتشوستس في الولايات المتحدة، ضمن برنامج «أرابيك ميوزيك ريتريت». ثم قدّمت ألبومين «ياللّي»، و«فلك» اللذين جمعت فيهما القديم والجديد، بتوزيعات جديدة وكلمات وألحان أغان جديدة، بمشاركة ثلاثة عازفين هولنديين الذين يشكلون معها فرقة ناجحة لنموذج التلاقح الناجح بين الموسيقى الشرقية والغربية، من دون أن تسيطر ثقافة على أخرى. وهذه التجربة مع العازفين المحترفين يوري هونينغ (ساكسوفون)، ويوست لايبارت (درامز)، وطوني أوفر ووتر (بايس)، بالاشتراك مع ربيع مروة (كلمات وألحان)، خلقت مذهباً أو تياراً موسيقياً فريداً لعصرنة الأغنية العربية الطربية، إذ جمعت بين عبق الماضي وجمالية الحداثة في قوالب جديدة.

لكن أين ترى نفسها ريما خشيش مدرّسة الغناء الشرقي في المعهد العالي للموسيقى في لبنان الذي استقالت منه أخيراً، بعد سنوات طوال؟ «أرى نفسي في التجريب. لكن الشعور الذي يُعطيني إياه الطرب الكلاسيكي لا يُعطيني إياه أي نوع من الغناء. أجد فيه عظمة، فهو الأساس». وعلى عكس غالبية المغنين والموسيقيين اللبنانيين، ترى ريما أن الأغنية العربية تعاني من أزمة ألحان وليس من أزمة كلمات، «أبحث عن ألحان شرقية ذات نفحة معاصرة». أما المعايير، فهي اقتناعها الشخصي بما يُقدم لها، إن كان من ملحنين وكتاب جدد أو محترفين. وليس جديداً أن تشكو مغنية محترفة من الحال المذرية التي وصلت إليها الموسيقى العربية، «نحن في حالة يرثى لها، ومن بعد سيد درويش وعبدالوهاب، لم يعد هناك ما يُسمى بالتجديد في الطرب العربي».

إذن فلننتظر حفل تكريم خشيش لصباح في دبي، ثم في بيروت لاحقاً، لنعرف ماذا تُخبّئ لنا صاحبة «ياللي» و«فلك».

بيروت - ياسمينا خازم