محدودية الدخل والغنى الفاحش سبب في وجود الخادمة من عدمه داخل حجرة صغيرة أو ربما على أرض مكان لا يتسع إلا لشخص واحد من مطبخ المنزل تجلس معلنة انتهاء يوم من العمل بين أفراد هذا المنزل بما فيه من خروج لشراء الاحتياجات أو البقاء للتنظيف ورعاية الصغار، لتستقبل اليوم التالي بالعمل ذاته حريصة على اتباع مجموعة من الخصال أشبه ما تكون بالقواعد التي لابد من حفظها وتنفيذها عن ظهر قلب، فهي تعلم أن عواقب الخروج عليها تعني على أقل تقدير الخروج من بين أفراد ذلك المنزل الذي أصبحت جزءا منه، لذا لا مجال لغير الأمانة والصوت المنخفض ومراعاة الضمير وعدم التدخل في شؤون الآخرين والتحمل إن لزم الأمر في بعض الأحيان، وهو ما تحرص عليه تلك الفتاة العشرينية أو السيدة الثلاثينية سواء كان هذا في طبيعة شخصيتها أو بالتظاهر به لكسب الثقة..

وهذه الفتاة أو السيدة التي قد تكون شبيهة الملامح بأفراد المنزل أو مختلفة كليا بدءا من الملامح وانتهاء بالطباع ليست بشخص واحد أو اثنين بل مجموعة كبيرة أخذت تنتشر في مجتمعاتنا العربية، هذه المجموعة يُطلق عليها «الخادمات».وحتى وقت قريب كان سماع كلمة الخادمة دليلا على مدى راحة أفراد المنزل خاصة المرأة؛ لأنها لم تعد تتحمل عبء الأعمال المنزلية التي أصبحت تقوم بها الخادمة نيابة عنها، حتى وإن شاركتها صاحبة المنزل فيه أو لم تساعدها، وأجرها مقابل هذه الراحة أو المساعدة شيء هين في نظر من يحتاجون إليها، غير أنها الآن أصبحت مصدرا لفتح أبواب القلق والريبة في قلوب من يرغب في وجودها.

فالمتابع لصفحات الحوادث بالصحف وما تحتويه محاضر أقسام الشرطة يجدها مليئة بجرائم الخادمات في المنازل، فلم يعد الأمر يتوقف عند السرقة أو خيانة الأمانة بل الوصول إلى حد القتل بنوعيه المعنوي والمادي، فها هي خادمة أثيوبية تستغل غياب أصحاب المنزل وتعثر على مفتاح الخزنة وتسرق ما بها من أموال ومجوهرات، وأخرى لا تكتفي بالسرقة لتغطية ضائقتها المالية بل تستعين بعامل صديق لها لقتل مخدومتها العجوز التي تخطت السبعين من عمرها داخل شقتها وسرقة أموالها ومجوهراتها.

قتل معنوي

وكثيرا ما يذهب الأب والأم إلى العمل تاركين ابنهم في يد الخادمة التي وثقا بها بعد أن وجدا في كل مرة أن طفلهم الرضيع والمنزل في حالة جيدة، فلم يخطر بالبال أن الصدفة سوف تسير بطريق الأب الذي ذهب في مهمة لعمله بمكان قريب من الحي الذي يسكن به، ليدخل وقت الصلاة فيذهب ليصلي بأحد المساجد وبعد خروجه فإذا بالابن ينتظره محمولا من قبل الخادمة في حالة يرثى لها لمحاولة استعطاف الخارجين من المسجد وإعطاء الخادمة ما يجودون به من المال، وبهذا تتقن الخادمة مهنتين العمل بمنزل هذه الأسرة أثناء وجودهم والتسول بابنهم في غيابهم.

ممارسة الرذيلة

وما بين حالات القتل المعنوي التي تصل إلى إجبار الأطفال على ممارسة الرذيلة، وحالات القتل الفعلي بهدف السرقة أو الانتقام تأتي الخادمة بشيء جديد، فرحيل الأم المُعَلمة عن المنزل واعتمادها الكلي على الخادمة الفلبينية بعد ما أظهرته من مثال العمل الجاد والنظافة والترتيب - يعني انفراد الأطفال والخادمة التي لا تريد منهم إحداث إزعاج والإنصات لها فيما تقوله، وفي نظرها لن يتحقق ذلك إلا باختلاق القصص مستعينة بالسكين والكاتشب، حيث تأخذ تروي لهم وهي حاملة للسكين بعد وضع الكاتشب عليه أنها قتلت أباها وأمها وأن ما فوق السكين دمهما وأنهم إن لم يستمعوا إلى كلامها وينفذوا أوامرها ستفعل بهما مثلما فعلت بوالديها.

وأحيانا لا يكون فقط سوء معاملة الخادمات مثل الضرب والتعذيب أو الاستغلال وحرمانهن من الأجر أو الإجازة الأسبوعية أو حتى التحرشات - هي الدافع لانتقامهن بل هناك أسباب أخرى لا يشعر بها سوى الخادمات أنفسهن، حيث قررت إحدى الخادمات قتل طفل السيدة التي تعمل لديها وحاولت قتل شقيقتاه ولكن عندما تمكنت إحداهما من أخذ السكين من يدها أقدمت على الانتحار بإلقاء نفسها من النافذة، لكنها لم تصب سوى بجروح ولم يكن دافعها لارتكاب تلك الجريمة غير أن السيدة تجبرها على الاستحمام يوميا، بينما عرفت أن خادمات لعائلات أخرى يستحممن مرة كل أسبوع.

سحر وشعوذة

وقد يتسبب اختلاف الثقافات في ارتكاب الخادمات للجرائم وإن لم يتعمدن ذلك، خاصة إذا جاءت من مناطق شديدة الفقر والجهل، فهناك مناطق يؤمن أهلها بالسحر والشعوذة في جميع أشكال حياتهم سواء في إتمام العمل الذي يقومون به بنجاح ومباركته أو الانتقام من الأعداء في نظرهم، لذا تلجأ بعض الخادمات إلى استخدام السحر لاستمالة صاحبة المنزل أو الانتقام منها بوضع أشياء غريبة في الطعام قد تصل إلى مخلفاتها الشخصية.

فلم يكن لدى الأب والأم سبيل آخر بعد ظهور بثور غريبة على جسد طفلهم الرضيع وعدم اكتشاف الفحص الطبي سبب ذلك غير ترحيل الخادمة إلى بلادها ولم يعلموا أن ذلك القرار سوف يفجر الفعل من تلقاء ذاته، حيث اعترفت الخادمة أنها كانت تخلط لبن الرضيع بالبول الخاص بها اعتقادا منها أنها بذلك تسيطر عليه وتحد من بكائه وفقا لنصيحة مشعوذين ببلادها أكدوا لها هذه الوصفة.

خادمة أخرى تضرب بعنف طفلا صغيرا وأخرى تقوم بطي وريقات عليها كتابات غير مفهومة وثالثة تقوم بغسل ملابس وإذا بها تسرق ما في جيوبها من أموال، تلك بعض المشاهد من بين التي سجلها ما يقرب من 001 فيديو تظهر إليك بمجرد كتاباتك في مؤشر بحث موقع اليوتيوب جرائم الخادمات في الوطن العربي.

خادمات الخليج

وعلى الرغم من كثرة الجرائم المرتكبة من الخادمات إلا أننا في المقابل نجد أيضا جرائم مرتكبة ضد الخادمات، وإن كان لا يوجد حصر لمثل هذه الجرائم أو تلك ، حيث يقول إمام حسنين أستاذ القانون الجنائي بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية: من الصعب حصر الجرائم بين الخادم والمخدوم في الوطن العربي ولكن من خلال الإحصائيات يمكن فقط القول إنها في تزايد أو نقصان.

أضاف: الجرائم بين الخادم والمخدوم في معظمها جرائم سرقة أو نصب واحتيال أو أنه ائتمان الخادم فيخون الأمانة، ويضاف إلى ذلك في دول الخليج أو الدول التي تعتمد على نظام الكفيل أن الخادم يخرج عن حدود الاتفاق بينه وبين المخدوم بمعنى أنه يذهب للعمل عند كفيل آخر أو تسهيل سرقة المخدوم.

وعن أسباب ارتكاب الخادمات لمثل هذه الجرائم قال: الصلة المكانية والصلة الشخصية هي التي تمكن الخادم من الاطلاع على أسرار العائلة مثل أماكن حفظ الأشياء الثمينة، فالمخدوم هو المسؤول عن تسهيل مثل هذه الجرائم التي ليس بالضرورة أن تحدث في منزله بل من الممكن أن تكون في مكان عمله مثل معرفة الرقم السري لجهاز الكمبيوتر الخاص بصاحب المنزل والتعرف على أسراره أو في سيارته، كما أن الخادمة من الممكن أن تؤثر على الصغار، خاصة التي توجد بصفة دائمة بالمنزل من خلال إكسابهم أخلاقا وعادات مختلفة قد تكون سيئة بل قد تدفعهم إلى ممارسة الرذيلة حتى لو كانت على ثقافة عالية، ويستطرد: لا يجوز أن أترك باب المنزل مفتوحا وأقول لماذا سُرقت.

وأكد الأستاذ بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية أنه لابد من وجود وعي أمني والذي نفى وجوده بالوطن العربي قائلا: لابد من معرفة كيفية التعامل مع الخادمة وتأمين التعامل معها بدءا من الكشف عن صحيفة الحالة الجنائية لها ويا حبذا لو استبعدت عن النوم في المنزل، وإخضاعها للمراقبة الدائمة والاختبار مثل تعمد ترك أموال معينة في مكان ما أو ترك الأطفال معها لفترة معينة مع وجود وسيلة مراقبة.

الرفاهية الشديدة

بينما أكدت د.عزيزة السيد أستاذ علم النفس الاجتماعي بكلية البنات جامعة عين شمس أن محدودية الدخل وانتباه الأم لا يجعلها تلجأ إلى خادمة، بينما الرفاهية الشديدة والغنى الفاحش أو الزواج الثاني هو الذي يدفع لجعل الخادمات تتفرغ لعمل المنزل بدلا من الأم كما في دول الخليج على سبيل المثال، وبالتالي قد تلجأ لمثل هذه الجرائم فالخادمة تأتي في الأساس من الدول الأكثر فقرا مثل دول شرق آسيا وأفريقيا.

ونصحت أستاذ علم النفس الاجتماعي في حالة وجود خادمة أن يكون بشكل مؤقت ولا تبقى في المنزل وأن يتم إحضار الخادمة من مؤسسة موثوق بها والأفضل أن نكون على معرفة بتلك الخادمة وبمكان تربيتها وأهلها، بالإضافة إلى الكشف عن بطاقتها الشخصية والتأكد أنها لم ترتكب أي جريمة قبل ذلك.

القاهرة - دار الإعلام العربية